أسئلة مجرد أسئلة- عبدالباري طاهر

أسئلة مجرد أسئلة- عبدالباري طاهر

تدخل حرب صعدة عامها الخامس، وحربها السادسة، فهل طرحت هذه الحرب أمام الدراسة والبحث والتحليل والتشخيص، سواء بالنسبة للحكم أو للمعارضة، أو في مؤسساتنا البحثية والعلمية؟
هل يمكن أن تدوم حرب 4 أعوام دون الكشف عن أبعادها ومخاطرها؟ هل يمكن في بلد تقليدي ومحافظ شديد التقليدية حد الغلو، الانتقال من مذهب ديني إلى آخر؟! هل يمكن أن يتحول الناس من ولاء شديد للوحدة إلى محاربين ضدها بدون مسببات حقيقية؟ هل تستطيع اليمن أو اليمن وجوارها السعودي مواجهة التطرف الديني التقليدي بالمواجهة المسلحة مع أفكار لعبا معاً أدواراً حقيقية في غرسها ونشرها لعدة عقود؟
هل يمكن مواجهة السلفية الزيدية أو الاثنى عشرية بالتيارات السلفية الجهادية، أو بعصيبات ومنطق ما قبل عصر الدولة؟ أليست مواجهة “الحق الإلهي” بالحق الأسري أو المذهبي الطائفي تقاتلا بنفس السلاح وعلى نفس الأرضية؟
5 حروب مرت وتدخل اليمن حربها السادسة في صعدة ولا نسأل أنفسنا عن عوامل وأبعاد تفجرها، ولا عن عوامل وخلفيات استمرارها. ثم ألم تكن هناك طرائق وسبل للمعالجة غير الحرب؟ لماذا الخارج دائماً هو العدو، فلتكن إسرائيل بالأمس واليوم إيران، ألا نسأل أنفسنا لماذا نترك الآخر يلعب بنا؟ أين التربية الوطنية والتحصين الداخلي، وتقوية الجسد والوقاية قبل استفحال الداء وانتشاره؟ لماذا الآخر دائماً هو الشيطان: بالأمس إسرائيل واليوم إيران؟ في فلسطين تدعي فتح وحماس أنهما يناضلان لاسترداد الحق المغتصب (فلسطين)، ويتقاتلان ضد بعضهما، لماذا لا يستطيع السوداني الاتفاق مع أخيه في الجنوب أو دارفور أو في الشمال نفسها؟ أو تصالح الحزب الواحد مع نفسه؟!
لا تستطيع العربية السعودية أن تنتصر على القاعدة أو الجهاد السلفي وهي تغذيه يومياً وتنشره في كل لحظة، وتتخذ منه الأرضية التي تقف عليها في مواجهة الآخر.
ثم أليست ولاية البطنين أو الإمام السابع أو الثاني عشر، أو ولاية الفقيه، أو عصبية قريش، أو أهل الحل والعقد (الأطراف المعنية في اليمن) هي معان متعددة لأمر واحد؟ ثم هل يمكن الخلاص من هذه الصيغ الميتة والقاتلة بصيغ هي أكثر تخلفاً وجهلاً وعصبية؟ ثم لماذا لا تعرف حياتنا العربية إلا التقاتل؟ وهو الأمر الوحيد الذي نتوسله موحداً بالأمس في مواجهة العدو التاريخي (إسرائيل) الذي أصبح اليوم صديقاً في السر والعلن، وفي السر أكثر! فجأة يتحول العدو “المذهبي” إيران الخطر الداهم حتى في المناطق التي لا وجود فيها لإيران: كاليمن والصومال مثلاً؟!
يرفع الحكم في اليمن في مواجهة التمرد الحوثي شعارات حرب وجودية “نكون أو لا نكون”، وتكون الإبادة والتطهير والاجتثاث، والأرض المحروقة عناوين خطاب الحرب. تتحول صعدة من مدينة “قرية” عربية إسلامية وقبلية في العمق إلى إباحية تستباح فيها الحرمات، ويتكلم الإعلام جهاراً عن الاغتصاب، واستحلال النساء وزواج المتعة، وهي الأسلحة التي استخدمت بغباء باذخ في الحرب ضد الجنوب الذي دفع ويدفع بأساليب وأشكال عديدة للتمرد والانفصال، ومن أخطرها الإصرار على “وطنية وعدالة الحرب ضده”!
لماذا نقرأ “المؤامرة” والخطأ في الآخر ولا نقرأه في النفس؟
يجد اليمنيون أنفسهم في شعب “خائن” و”عميلـ” وانفصالي وحوثي اثنى عشري وحكومة وحدوية!
لن تعالج أمور اليمن بهذا المنطق الأهوج الأعوج.
لقد بدأت الحرب في مديرية أو مديريتين في صعدة، وفي قرى صغيرة معزولة: مران وحيدان. وهي اليوم تتسع وتمتد. وبدأ الاحتجاج الجنوبي مطلبياً وحقوقياً محصوراً في ضباط وجنود وموظفين اعتدي على وظيفتهم العامة ورتبهم العسكرية، ومن مواطنين جرى اغتصاب و”تفيد” أراضيهم، وهي اليوم تمتد إلى جل محافظات الجنوب، رافعة “مطلب الانفصالـ”. ألا يسأل الحكم نفسه لماذا هذه المحافظات التي كانت بالأمس القريب مناطق التمدن والتحديث والثورة وداعية الوحدة، وخلفية حماية الثورة والجمهورية والمطالبة بالوحدة يتعلمها الطفل في المدرسة وفي المسجد والشارع والأسرة والوظيفة العامة والحياة.. لماذا يتحولون إلى مطلب الانفصال؟
في حياتنا العربية خرافات كبيرة وكثيرة، وفي اليمن منها الأكبر والأكثر. ذات غباء رفع الطاغية أحمد شعار “سأحكمها حجراً”، أي بعد إبادة البشر، بعد أن ظهر التمرد والاحتجاج في كثير من مناطق اليمن. كانت الإمامة هي المؤمنة الطاهرة والحريصة على الاستقلال، والمعارضة هي “الدستورية” العصرية العميلة!
قبيل الحرب السادسة بأيام قلائل ارتفعت أصوات في الصحافة السعودية: “الرياض”، و”عكاظ”، وفي بعض افتتاحيات “الخليج”، وفي الكويت والبحرين، تدعو اليمن إلى المنطق والحوار، وأن مشاكل اليمن لا تحلها الحرب، وترى أن واجب المنطقة تشجيع اليمنيين على التحاور بمشاركة إخوتهم العرب، وبالأخص في الجزيرة والخليج، لنستيقظ في اليوم التالي على وجود السعودية في الحرب!
حرب صعدة كارثة حقيقية على اليمن والأمة كلها. دخول السعودية فيها يعقد الأمور أكثر، ويفتح الباب واسعاً أمام تدخل أطراف أخرى، ويوسع نطاق الحرب، ويحولها من تمرد داخلي إلى حرب أخرى ذات أبعاد مختلفة تماماً. خطورة هذه الحرب حتى لو حسمت قابليتها للتجدد والامتداد في مناطق شديدة الترابط والتداخل، وعصبيات ذات جذور عميقة، لا تستطيع الجدران العازلة أن تفصمها، وقد تفلت من يد الجميع، وتتحول حروباً متناسلة، ونيران صعدة “المتصاعدة” لا يمكن حصرها، فالنار المشتعلة تمتد وتنتشر كالرياح، وخطورتها الأكثر والأكبر أنها تنتشر على منطقة قابلة للاشتعال، وعلى مقربة من آبار النفط، وربما تكون الدخان الذي يغطي حرباً أكبر وأخطر.