نزيلات مطبخ إقبال

نزيلات مطبخ إقبال

– بشير السيد:
حين سقطت قذيفة على منزلها في مديرية الصفراء، كانت منى وأطفالها الأربعة وزوجها على بعد أمتار من المنزل. كانوا في طريق عودتهم إليه يحملون دباب الماء التي ملأوها من بئر في مزرعة مجاورة لهم.
“شفنا البيت يهتد وحملت أطفالي وجفشت عليهم (غطيت) وسرينا في الليلـ”.
لمنى 4 أطفال: بنتان وولدان. اشتد القتال في منطقة محظة بمديرية الصفراء، وطالت إحدى القذائف منزلهم، فقررت الهروب مساء ذلك اليوم. حُشرت وأطفالها في الخانة الخلفية لسيارة صالون شقت طريقها عبر طريق الهاربين البقع –الجوف –صنعاء، وبعد 3 أيام سفر استقرت في عمران.
وصلت في أواخر رمضان. أمضت 5 أيام في العراء قبل أن تعثر على منزل صديقتها إقبال أحمد. كان الحيز المتاح قد شغل بأسرتين نازحتين قوامهما امرأتان و9 أطفال، لكن لا خيار آخر أمام النازحة الجديدة.
بالنسبة لإقبال، هي إحدى نازحات حرب صعدة الأولى. قُتل زوجها وخلف لها ولدين وطفلة في بطنها. كانت حينها حامل بالشهر الأول، والآن “ذكرى” في عامها الرابع.
“قُتل زوجي وأنا هربت بأطفالي، ووصلت إلى عمران”. لديها منزل يتكون من غرفة واحدة ومطبخ وحمام. وحين بدأت موجة النزوح جراء الحرب السادسة، أدى مطبخ إقبال وظيفة مختلفة، لقد أفرغته للنازحين ونقلت أوانيها إلى ممر لا يتجاوز مساحته واحد متر مربع يربط غرفتها بالمطبخ والحمام.
بـ”منى” وأطفالها صار المطبخ يعج ب16 شخصاً.
استمرت منى تتحدث للصحيفة، وكانت عائشة تنتظر دورها، وهذه الأخيرة لا تعلم كم عمرها، لكن المؤكد أن الحرب دمرت حياتها. “كان معنا 6 مزارع وبمبتين ماء، والخير واجد، وهذه المرة وصلت الحرب إلى عندنا”؛ قالت عائشة لـ”النداء”.
هي من منطقة المقاش، لديها 6 أطفال كبراهم سحر وبلقيس. وحين اشتد القتال وامتدت شظايا القذائف إلى منزلهم، قررت الهروب.
غير أن تكاليف نقل الفارين من لهيب المعارك أجبرت عائشة الإبقاء على بلقيس وسحر عند والدهما وفرت بالبقية.
“كنا أحياناً نلجأ إلى مزارع العنب ونختبي في مجرى الماء تحت أوراق العنب. كانت أمان أكثر من البيت”. لجأت عائشة وأطفالها إلى أوراق العنب، وكانت القذائف تسقط في المحيط “كنا نسمع الانفجارات والأرض تهتز تحتنا”.
حين وصلت إلى المنزل لم أجد سوى نازحة الحرب الأولى “إقبالـ”، أخبرتها أني صحفي. وحين وصل المنكوبون بدأو متفائلين للقاء هذا الغريب. لاحقاً تبين أنهم أملوا أن أكون الشخص المرتقب.. سألوني: بتصرفوا لنا مساعدات؟ أخبرتهم بأني صحفي.
أحاطوني وتسابقوا على البوح عن أوضاعهم. وحين شرعت عائشة بالحديث، هتف صبي في العاشرة: مشى بابور محمل دقيق… وقبل أن يكمل انتفض الجميع وبقيت وحيداً رفقة ذكرى الابنة الصغرى للنازحة الأولى، وأبكر 6 سنوات الابن الثالث لعائشة.
بعد مضي 10 دقائق عاد النازحون منكسرين، وقالوا إن القاطرة المحملة بالدقيق تابعة لأحد التجار.
بالنسبة لعائشة فقد اصطحبت معها البطاقة العائلية، وقبل شهر من الآن قصدت مكتب الهلال الأحمر في محافظة عمران، واعتُمدت ضمن كشف النازحين المستحقين للمساعدات. “يشتو بطائق شخصية أو عائلية. ما يقبلوش البطائق حق الانتخابات”. وفق هذه الآلية لا يعني أن عائشة الأوفر حظاً من نزيلات مطبخ إقبال. ربما اعتقدت ذلك، غير أنها لم تتلقّ أية كسرة خبز منذ أن دون اسمها كنازحة مستحقة.
على أن وضع البقية لا يسر؛ ف “منى” وأطفالها، وفق آلية لجان إغاثة النازحين تصنف بأنها نازحة غير مستحقة المساعدات. إذ تفرق اللجنة بين النازحين من حرف سفيان ومحافظة صعدة وأصولهم “عشت في صعدة وتزوجت هناك، وأبي عائش هناك، ويقولوا لنا نحن من الأهنوم -إحدى مناطق عمران”.
حرمت منى من المساعدات لكون أصلها من الأهنوم، وحرمت عائشة من المساعدات بسبب مجهول. وحين زارت مكتب الهلال الأحمر، قبل أسبوعين، أبلغوها أنهم ينتظرون وصول قوائم الأسماء بعد التصديق عليها من قيادة المحافظة.
“والله كأننا شحاتين، كنا مرتاحين والآن شوف بنفسكـ”؛ قالت عائشة لـ”النداء”.
منذ أن استقر بها الحال في منزل إقبال في حي بيت الفقي بمديرية عمران، لم تسمع بمفردة “المنظمات”، لكن أسراً نازحة نقلت لها أن الهلال الأحمر والمؤسسة الاقتصادية سيصرفان المساعدات خلال الأسبوع الأول من نزوحها.
“يقولوا بيصرفوا هذا الأسبوع، ويمشي الأسبوع ويقولوا بيصرفوا.. وحتى الآن ما شفنا حاجة. جاؤوا سجلوا اسمي وأسماء أطفالي، ولا ذلحين ما بش خبر. ما نشتيش حاجة، بس يوقفوا الحرب ويخلونا نروح”.
عائلة عائشة هي إحدى الأسر ال60 النازحة من صعدة وحرف سفيان، التي استقرت في حي بيت الفقي بمديرية عمران، لكنها أكثرهم ترويعاً، إذ ما تزال طفلتاها سحر وبلقيس ووالدهما في مديرية الصفراء تحاصرهم نيران المتقاتلين. وقبل أسبوعين تلقت خبراً مفجعاً: قذيفة دمرت منزلها وطالت آخرى مزارع زوجها ومضختي الماء.
 
معايير قبلية في تخصيص المساعدات
لم تضل قوافل الإغاثة طريقها إلى محافظة عمران، لكن المسؤولين عن غوث النازحين وقفوا لها بالمرصاد.
حتى الأسبوع الماضي لم يتجاوز عدد الأسر التي حصلت على مساعدات 100 أسرة، 49 منها اصطفت الخميس قبل الماضي في مسجد الزبير بمديرية عمران، للحصول على 10 كيلو دقيق وكيس ملح و3 كيلو سكر وبعض أدوات المطبخ وفقاً ليونس محمد أحمد حبش أحد مشائخ مديرية حرف سفيان، الذي قال لـ”النداء”: “يطلع المسؤولين أمام الرأي العام عبر وسائل الإعلام، يطمئنوا الناس أن الأمور بخير والنازحين يحظون باهتمام، ويعلنوا عن وصول قوافل المساعدات، هذه القافلة من إب، وهذه من إخوانكم من حضرموت، وهذه.. وهذه (…)، ولا شيء منها وصل إلى النازحين، وما صرف لا يتجاوز 5٪ من إجمالي المساعدات التي وصلت باسم نازحي حرف سفيان”.
حبيش إلى كونه من أعيان حرف سفيان، هو مدير مكتب الثقافة بالمديرية، ولديه معلومات دقيقة عن عدد الأسر النازحة من حرف سفيان. ووفقاً لحديثه يوجد 300 أسرة نازحة في مركز محافظة عمران، و1500 أسرة موزعة ما بين مديريات: خمر، ريدة، حوث، وحمران، وفي صنعاء 200 أسرة.
معلوم أن مهام إدارة شؤون النازحين من حرف سفيان أوكلت لجمعية الإصلاح الاجتماعي الخيرية وفق اتفاق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما أوكلت مهام النازحين في مخيم المزرق بمديرية حرض لجمعية الصالح الخيرية. وبحسب يونس فإن المعونات التي وزعت ل49 أسرة كانت عبر جمعية الإصلاح التي أيضاً قامت أواخر شهر رمضان بتوزيع 30 كيس بر ل30 أسرة.
لم تضل قوافل الإغاثة طريقها إلى نازحي حرف سفيان، لكن المعنيين بغوث النازحين أبتكروا ألية فرز بين النازحين المستحقين للمساعدة وغير المستحقين.
 الشيخ حسين الغولي، وهو عاقل حارة بيت الفقي، قال: “رفعنا بأسماء الأسر النازحة في الحي وعددهم 60 أسرة إلى المجلس المحلي، وصرفوا لبعضهم كيلو فاصوليا وقليل رز، وبعضهم حصلوا على فراش، والبعض لم يحصلوا على أي مساعدات”.
الغولي استغرب من تكديس المساعدات في مخازن المحافظة ومخازن المؤسسة الاقتصادية، وحين سأل قيل له “ما نزال ندرس الموضوع”!
“حدث أن صرفت مساعدات في رمضان لأسر غير نازحة، لكن لا يعني أن هذا مبرر لحرمان البقية”؛ قال الغولي لـ”النداء”. وزاد: “الكارثة هو وجود تمييز بين نازح وآخر، فالنازحون من صعدة وأصلهم من الأهنوم قررت المحافظة عدم الصرف لهم، وعندما رفعت بأسمائهم إلى لجنة الإغاثة في المحافظة ردوهم”.
هو يتحسر على العقلية التي تتعاطى مع محنة النازحين، وقال إن مايحدث أن البعد القبلي هو المعيار الأساسي في التعاطي مع النازحين، مشيراً إلى شخصيات اجتماعية من حاشد تقدم قوائم بأسماء نازحين وهميين يتم الصرف لها، ومنهم من قدموا كشوفات تحتوي على 1500 اسم في حين يحرم من هذه المساعدات نازحون ينتمون إلى قبائل أخرى.
ينتمي المحافظ والأمين العام و4 وكلاء للمحافظة إلى منطقة حاشد، فيما النازحون ينتمون إلى قبيلة بكيل.
يتفق يونس حبش مع الغولي، وقال: “مع ظهور قوافل المساعدات ظهرت شخصيات اجتماعية تقوم بتقديم كشف بأسماء نازحين إلى المجلس المحلي للمحافظة، ويتم صرف مساعدات بحجم الأسماء”. ولفت إلى أن عدد الفرش المصروفة لم يتجاوز ال50 فرشاً منذ بداية نزوح الحرب السادسة، لكن مخازن المؤسسة الاقتصادية تكتظ بالفرش.

غوث المخازن
لا يعلم محمد صالح السبب الحقيقي للحرب بين الجيش والحوثيين، لكن الحقيقة الوحيدة التي يدركها أنه نزح وأسرته بسببها.
هو من منطقة “الحيرة” بمديرية حرف سفيان، قاتل مع الجيش ضد الحوثيين، ومثله فعل أقرباء له وقُتلوا، فقرر الرحيل.
لا يحتمل محمد، 25 عاماً، أن تستقر أسرته في خيام النازحين، هي بالنسبة له عيب “معنا حريم وأطفال كيف نخليهم في الخيام بين الريح والبرد وما بش حمام!”.
استأجر منزلا شعبيا في حي بيت الفقي، قوامه 3 غرف، توزعت فيها أسرته وأسرة عمه وأسرة شقيقه وصهره. ومثله فعل أرباب الأسر النازحة.
تبين لاحقاً أن رفض المبيت في الخيام صار سلاحاً جديداً بيد مسؤولي لجان غوث المنكوبين. إذ رفضت التعاطي مع كل نازح استقر في منزل “قلنا لهم أين المساعدات، قالوا مابش سيروا المخيمات.. مانشتيش المخيمات”؛ أفاد محمد، وزاد: “يمكن يصرفوا لنا بعد الحرب.. نشوف كل يوم قوافل إغاثة، لكن يوردوها المخازن لأنها مستحقة أكثر منا” قال بسخط.
محمد هو من أسرة تمتلك عددا من مزارع القات في حرف سفيان، هو أب ل5 أطفال، ويحمد الله أنهم لم يتأذوا من الحرب: “المعارك بين الجيش والحوثيين، والمواطنين هم المتضررين، الطائرات أحياناً تقصف بالخطأ».