محمد حيدرة مسدوس في الجزء الأخير من حواره مع «النداء»: (3-3) انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي انتحار، ولست مع مطلب الانسحاب من عضويته

محمد حيدرة مسدوس في الجزء الأخير من حواره مع «النداء»: (3-3) انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي انتحار، ولست مع مطلب الانسحاب من عضويته

إبراهيم الحمدي حمَّلنا رسالة إلى سالمين فحواها أن الوحدة غير ممكنة في ظل العمائم والجنابي
* كل ما نتمناه هو أن يتبنى الاشتراكي القضية الجنوبية بوضوح وينضم بالكامل إلى الحراك الجنوبي
* «الحراك الجنوبي» مُسمى طلع تلقائياً من الشارع واستبداله بأي مسمى آخر ليس مفيداً
في الجزء الثالث من هذا الحوار يواصل محمد حيدرة مسدوس عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، وأبرز أقطاب تيار إصلاح مسار الوحدة، عرض آرائه وتصوراته بشأن الحراك الجنوبي والوحدة اليمنية.
وإذ يعبِّر عن تفاؤله بإمكان أن يسترد الحزب الاشتراكي عافيته إذا التحق كلية بالحراك الجنوبي، يشدِّد على ضرورة تأجيل المؤتمر العام للحزب الاشتراكي، لأن انعقاده في الظروف الراهنة هو بمثابة سلوك انتحاري.
وبشأن احتمالات انزلاق مكونات الحراك الجنوبي إلى دائرة العمل العنفي، ينبه مسدوس إلى أن العنف يصب في مصلحة النظام، وينصح قادة الحراك بالتمسك بالنضال السلمي وإقناع دعاة العنف بميزات العمل السلمي.

–  حوار: سامي غالب
> لنتحدث عن الملمح السلمي للحراك. أعرف أن لديك تحفظاً حول مسمى “مجلس قيادة الثورة السلمية”، لا أقصد المجلس في ذاته كمكون، ولكن الصفة الثورية في الاسم.
– أنا أفضل التسمية التي طلعت تلقائياً من الشارع الجنوبي، وهي: “الحراك الجنوبي”. هذه التسمية اعترفت بها السلطة والمعارضة والعالم. والحديث الآن في الإعلام، سواء الداخلي أو الخارجي، هو عن “حراك جنوبي”. استبدال هذه التسمية بتسمية أخرى ليس في صالح القضية وليس في صالح الحراك، وليس مفيداً. لهذا أنا متمسك بتسمية الحراك الجنوبي، وأية تسمية أخرى لا أراها صائبة.
> هل أبلغت هؤلاء الذين شكلوا المجلس هذا الرأي؟
– نصحتهم، والحوار يدور حول هذه الفكرة، وهم يدرسونها واحتمال يوافقوا عليها.
> وماذا عن التسميات الأخرى مثل المجلس الوطني والهيئة الوطنية للاستقلال ونجاح؟
– ممكن أن يكون الاسم مشتقاً من الحراك أو منسوباً إليه، مثل المجلس الوطني للحراك الجنوبي، نصحت كل الأطراف وألمس استجابة منهم.
> الحراك، كما تعلم، تميز بأنه سلمي، وهذه ميزة غير مسبوقة في تاريخ المعارضات والاحتجاجات اليمنية. هذه الميزة كانت واضحة لدى الناشطين في الحراك خلال عامي 2007، و2008. الأمور، كما تبدو الآن، تأخذ منحى آخر، إذ نسمع من البعض تلويحاً باللجوء إلى القوة، كما تحصل أحياناً صدامات في الشارع. ألا تنتابك خشية من ضياع هذه الميزة؟
– الحراك سلمي، واستراتيجيته سلمية. وكل أطراف الحراك مقتنعة بالمبدأ السلمي وتنبذ العنف، وهذا المبدأ لا يمكن التخلي عنه. لكن قد تقوم أطراف خارجية أو أطراف أمنية من السلطة بدس عناصر في فعاليات الحراك للقيام بشغب كما حدث في الحبيلين والضالع (2008). الشغب حصل في الحبيلين والضالع، ولكن الاعتقالات وقعت في عدن، ما يؤكد أن السلطة وراء الشغب لتبرير الاعتقالات.
> ولكن هناك في الحراك من يلوِّح بالعنف. علي سالم البيض قال لجريدة “الأخبار” البيروتية إن الطابع السلمي للحراك ليس سقفاً، وقال كلاماً مشابهاً في تصريحات لقناة فضائية، ويوجد آخرون يلوحون بإمكان اللجوء إلى وسائل أخرى.
– لا أعتقد أن يتجه الحراك إلى العنف، هذه استراتيجية. من المحتمل أن تكون هناك حالات شاذة تقع هنا أو هناك، وكما قلت فإن هذا قد يكون بسبب تدخلات خارجية أو تدخلات جهات أمنية. بالنسبة للبيض فأنا لم أسمع منه كلاماً في هذا الخصوص، وما سمعته هو تأكيداته في أكثر من مرة، بالتمسك بالنضال السلمي.
> صحيح، أكد التمسك بالنضال السلمي مراراً. هذا ما فهمته من قوله إن الحراك السلمي ليس سقفا. ومع ذلك سأدقق في ما قاله لجريدة “الأخبار”.
– ما أستطيع تأكيده هو أننا مقتنعون بأن الحراك سلمي ولا يمكن حرفه إلى العنف، لأن العالم كله مع النضال السلمي والديمقراطي، وفي حساب الربح والخسارة فإن الإنسان العاقل يدخل على خصمه من نقطة ضعفه وليس من نقطة قوته. ونقطة ضعف السلطة هي العمل السلمي، لأن السلطة لا تملك منطقاً في ما تمارسه. وسأعطيك مثلاً؛ حتى الآن لا تستطيع السلطة أن تحرك مسيرة في الجنوب مؤيدة لها إلا إذا جمعت عسكريين وأمنيين. حتى الجنوبيون الموظفون في السلطة بافتراض قناعتهم بالوقوف مع السلطة، فإنهم لا يستطيعون الوقوف معها في قمع النضال السلمي في الجنوب، لكن إذا انحرف النضال السلمي نحو العنف فهناك إمكانية لوجود جنوبيين يحملون السلاح مع السلطة ضد الحراك. لهذا فإن الحراك ثابت على مبدأ النضال السلمي.
> لكن هناك من يجاهر باستخدام القوة مثل طاهر طماح الذي أعلن قبل أكثر من عام تشكيل “كتائب سرو حمير”، ويقول في تصريحات صحفية إنه يجند مسلحين لهذه الكتائب وينسب نفسه وكتائبه للحراك.
– أسمع بهذا. لكن الحكم على الأمور يتم انطلاقاً من النهج الرسمي لمكونات الحراك.
> هذه الكتائب تقوم بعمليات وتتبنى المسؤولية عنها. هل تعرف هذا الشخص؟
– لا. أعرف آخرين من أسرته. وعلى أية حال الشباب دائماً يميلون إلى المغامرة، ومع التجارب يكتسبون خبرة ويعودون إلى الصواب. وكما تلاحظ فإن كثيرين من اليمنيين، من الشمال ومن الجنوب، من السياسيين ومن الشباب، ينطلقون في نظرتهم إلى الأمور من القدرة على الفعل وليس من شرعية هذا الفعل من عدمها. إذا انطلقوا من شرعية هذا الفعل من عدمها فإن أحكامهم بالتأكيد ستكون صحيحة. أما إذا انطلقوا من مبدأ القدرة على الفعل بصرف النظر عن شرعية هذا الفعل من عدمها، فإن أحكامهم ستكون خاطئة.
> أفهم من كلامك إمكانية ظهور تعبيرات على هامش الحراك، وليس في جوهره، تمارس العنف. وهذه التعبيرات قد تشكل مدخلاً للسلطة لممارسة المزيد من العنف ضد الحراك؟
– هذا صحيح، وهو يعتمد على قدرة الحراك على إقناع (هؤلاء) بالنضال السلمي باعتباره الأسلوب الصائب.
> وأنت تنصح قيادات الحراك بإقناع هؤلاء؟
– بالتأكيد. وبالنسبة لطاهر طماح فإنه ينبغي الجلوس معه ومناقشته، وأنا واثق من أنه سيقتنع.
> ربما، ولكن الرجل، كما يظهر من تصريحاته، على قناعة راسخة باللجوء إلى القوة. وهو يكرَّر بأن النضال السلمي غير مجدٍ في مواجهة السلطة، التي تمارس العنف ضد الاحتجاجات السلمية، ويضيف قائلاً بأن الاحتجاجات السلمية لم تثمر شيئاً على مدى عامين. أقصد أنه متشبع بفكرته في المقاومة المسلحة.
– إذا جلس مع نفسه وقارن بين الحراك في الماضي والآن، وقارن بين موقف السلطة في الماضي وموقفها الآن، لرأى أن الأمور تتقدم لصالح الحراك.
> لننتقل إلى مطلب فك الارتباط. في السياسة وفي القانون الدولي والعلاقات الدولية لا يوجد شيء اسمه “فك ارتباط”، وتعرف أن فك الارتباط هو مفهوم عسكري اشتهر بعد حرب أكتوبر 1973، عندما اعتمد هنرى كيسنجر مبدأ الخطوة خطوة، بادئاً بفك الارتباط بين القوات المصرية والإسرائيلية على جانبي قناة السويس. من أين جاء هذا الشعار؟
– أعلن الأخ علي سالم البيض في 21 مايو 1994 فك الارتباط بين الشمال والجنوب، وهو ما يزال متمسكاً به. ولكن مهما يكن فإن الشيء الذي لا تستطيع السلطة ولا نستطيع نحن الهروب منه هو: الشرعية الدولية أو الشرعية الشعبية. ما عدا هذا هو رغبات سياسية لسياسيين جنوبيين ولسياسيين في الشمال (في السلطة)، وأقصد إما أن تقبل صنعاء بالحوار على أساس قراري مجلس الأمن الدولي باعتبارهما قرارين للشرعية الدولية، وإما أن تقبل باستفتاء الشعب في الجنوب على قبول هذا الوضع أو رفضه. هذا هو الحل الذي لا تستطيع السلطة ولا يستطيع الجنوبيون أن يأتوا بغيره إلا في حالة واحدة، هي انهيار الدولة وصوملة اليمن.
> وهذا ما لا يتمناه أحد.
– نعم، ولكن مهما راوح الناس ومهما تشنجوا فإنهم سيعودون إلى ما قلته أعلاه لأنها لا توجد شرعية لأي من الطرفين إلا بذلك.
> أين تضع “فك الارتباط”، إذْ لا محل له في الشرعية الدولية، لأن قرارات مجلس الأمن تطالب طرفي الأزمة والحرب حينها (1994) بوقف العمليات الحربية والعودة إلى الحوار على أساس الدولة اليمنية الواحدة.
– قرارا مجلس الأمن الدولي يقولان بالحوار بين الشمال والجنوب. فلا وحدة بالقوة ولا انفصال بالقوة. أما فك الارتباط فأنا شخصياً ليس لدي وضوح حول هذا المفهوم. أفهم أن “فك الارتباط” أو “الانفصالـ” هو اعتراف ضمني بوجود “وحدة”، وعندي أن الوحدة ليست موجودة أصلاً.
> في الشرعية الدولية هناك قراران يتعلقان بأزمة داخل دولة واحدة، والقراران يدعوان إلى وقف الحرب والعودة إلى التفاوض، والحكومة اليمنية وجهت يوم 7 يوليو مذكرة إلى مجلس الأمن تتضمن التزامات الطرف المنتصر في الحرب، وأبرزها معالجة آثار الحرب وتطبيق وثيقة العهد والاتفاق. هذه هي الشرعية الدولية في نظري.
– الشرعية الدولية هي المشار إليها أعلاه، وهناك الشرعية الشعبية. مثلاً تستطيع السلطة أن تقول صحيح هناك قرارات للشرعية الدولية وهناك التزامات، لكن الشعب في الجنوب مقتنع بالوضع القائم. السلطة تستطيع أن تقول هذا الكلام. ونحن نستطيع أن نقول الاستفتاء هو الحكم.
> لكنها في هذه الحالة قد تتورط في مسار غير مضمون.
– (باسماً) من حقها أن تقول هذا، لكن من حقنا أن نقول نحن إذن لنعمل استفتاء.
> لنناقش فكرة الاستفتاء، تعرف أن أي دولة تشهد هجرة داخلية، بصرف النظر عن القول بأنها مخططة أو غير مخططة. بعد 20 سنة من قيام دولة الوحدة، هناك جنوبيون انتقلوا إلى الشمال، وهناك شماليون أكثر انتقلوا إلى الجنوب لأسباب اقتصادية، علاوة على الألوية العسكرية والقوى الأمنية، والاشتباه بوجود خطة للسلطة لتغيير خارطة السكان، وبافتراض أن السلطة تعاطت حبوباً مهدئة وقررت في لحظة تسامٍ قبول فكرة الاستفتاء. من سيُدعى في الجنوب إلى الاستفتاء؟
– هذه وظيفة الحوار، لأن الأمر يتطلب حواراً، وهذه من مفرداته.
> أقصد أن المسألة شائكة وشديدة التعقيد والحساسية.
– كل قضية لها حل. وعندما تتطور الأمور إلى هذه النقطة يمكن إيجاد حل لها عبر الحوار. ومع ذلك فإن تحكيم العقل قد يحول دون الوصول إلى هذه النقطة. إذا حكم الإخوة في الشمال، سلطة ومعارضة، عقولهم وتساءلوا: هل الكراهية تزداد أم تقل بين سكان الشمال وسكان الجنوب؟ ولو فكروا بهذا التفكير لما تركوا الأمور تستفحل، ولسارعوا إلى حل القضية. المسألة منطقية، عندما تتابع مشكلة أو قضية عليك أن تقرأ تفاعلاتها، هل تزداد تعقيداً أو تتراجع.
> من الواضح أنها تزداد تعقيداً سنة تلو سنة، ويوماً تلو يوم، كما هو حاصل مؤخراً.
– طيب، لماذا تسكت عليها؟
> هذه فعلاً مشكلة السلطة في التعامل مع القضية الجنوبية، لكن المعارضة بدت…
– (مقاطعاً) رابخة.
> المعارضة، كما أرى، تقترب من القضية الجنوبية، بل وصارت تتبناها وتطالب السلطة بالاعتراف بها، رغم أنها إلى ما قبل عام ونصف كانت هي ذاتها تتجنب عنوان “القضية الجنوبية” في بياناتها.
– تحسن موقفها قليلاً، ولكن عليها واجباً أكبر.
> في ما يخص “فك الارتباط”، هل تعتقد أن هذا العنوان يمكن أن يوحد الجنوبيين حوله؟
– الشعب في الجنوب أكثر التفافاً حول مطلب “استعادة دولة الجنوبـ”، عامة الناس يريدون هذا، لكن السياسيين عليهم أن يتعاملوا بوعي مع هذه القضية. إذا صنعاء ترفض الاعتراف بالقضية الجنوبية، وبالتالي ترفض أي معالجة لها، ماذا تنتظر من السياسيين الجنوبيين أن يقولوا أمام الشعب الجنوبي؟ أنا شخصياً ليس مفهوماً عندي بالضبط مسألة “فك ارتباط” أو “انفصالـ”، لأن هذين المطلبين ينطويان على اعتراف ضمني بوحدة قائمة، وأنا لا أرى أن القائم هو وحدة.
> الآن، ولكنك إلى وقت قريب كنت تقول إن الوحدة قائمة ولكن مسارها أخذ اتجاهاً آخر بالحرب.
– هذا كان سابقاً قبل نهب الأرض والثروة، لكن بعد أن تم نهب الأرض والثروة ماذا بقي للجنوبيين. إذا لم تُعد الأراضي والثروات المنهوبة فما الفائدة من أي حل. فلابد أن يعود كل ما نهب منذ ما بعد حرب 1994 وحتى الآن، أراض زراعية وعقارات وثروات وغيرها.
> هناك حديث يجري عن عقد سياسي جديد يضم مختلف الأطراف اليمنية بما فيها الجنوبيون..
– أي حل بدون ضمانات دولية ليس مضموناً، لأنها وجدت اتفاقيات، مثل اتفاق الوحدة ودستور دولة الوحدة، وهو اتفاق يمني داخلي تم الانقلاب عليه بالحرب، ومن دلائل ذلك العملة الوطنية الآن هي الريال الشمالي، بينما اتفاقية الوحدة تقول بأن تكون العملة هي الدرهم كبديل للدينار الجنوبي والريال الشمالي. الإدارة الآن شمالية، وكذلك القضاء والمناهج التعليمية، تم الانقلاب على هذا كله. ثم جاءت وثيقة العهد والاتفاق التي تم التوقيع عليها في الأردن، وانقلبوا عليها بالحرب، وأخيراً جاءت اتفاقية الدوحة (بين الحكومة والحوثيين)، وتم الانقلاب عليها أيضاً. لا يوجد ضمان إلا بإشراف دولي قادر على الفعل.
> لنتحدث عن البيئة الإقليمية، ألا تنتابك مخاوف من أن يتحول “الحراك الجنوبي” إلى ورقة إقليمية في ظل الاستقطاب الإقليمي الراهن؟
– السلطة من يملك القرار السياسي في اليمن. ومن يملك القرار بيده أن يمنع أن يكون بلده ساحة صراع إقليمي ودولي، ويمكن أن يقدمه على طبق من ذهب لهذا الصراع، تماماً كما فعل صدام حسين في العراق، ومثلما فعلت طالبان في أفغانستان.
> ألديك مخاوف من أن يتم توظيف الحراك من قبل أطراف إقليمية أو أطراف لها حسابات في الإقليم؟
– لا. الحراك الجنوبي متنبه للعبة الخارجية. وأنا واثق أن الحراك لن يكون بيد طرف خارجي. ومع ذلك فإن العامل الحاسم هو موقف السلطة التي بإمكانها تجنيب البلد ذلك. الرئيس. للأسف، قال أمس في مقابلة مع قناة “إم.بي.سي” أنا ضمنت دول الخليج والمجتمع الدولي في ما يخص قضية الجنوب. ماذا يعني هذا؟ ألا يعني تقديم البلد للصراعات الدولية؟
> يعني أنه قام بجهد دبلوماسي متواصل لضمان وقوف هذه الأطراف في صف الوحدة.
– تجاه من؟
> تجاه من يصفهم بأنهم حفنة من المتآمرين والانفصاليين، وأصحاب المصالح التي فقدوها في حرب 1994.
– (ضاحكاً) مئات الآلاف الذين يخرجون في الشارع، ما هي المصالح التي فقدوها؟
> تعلم أنه إلى وقت قريب كان هناك شكوك لدى السلطة ودوائر أخرى من وجود دعم من بعض دول الجوار للحراك، خصوصاً وأن بعض هذه الدول كان له موقف داعم لعلي سالم البيض في حرب 1994 عندما أعلن الانفصال، والآن فإن هناك استرخاء لدى الرئيس بعد أن تأكد بأن هذه الدول تدعم الوحدة.
– وبعد أن ضمن هذا ما الذي تغير في الساحة الجنوبية؟ الحراك مستمر والمعاناة مستمرة، وفقط يوجد تعتيم إعلامي.
> ما أقصده أن الرئيس أمَّن الفاعل الإقليمي والفاعل الدولي، وصار بوسعه الآن أن يتعامل من موقع أفضل مع القضية الجنوبية خلاف ما كان الحال عليه قبل عدة أشهر.
– من الخطأ أن يصدر هذا الكلام من شخص مسؤول عن البلد كله، أن يقول أنا أمنت الخارج وأما الداخل فلا يعنيني أمره، هذا كلام ليس ملائماً أن يصدر من رئيس دولة. ولو افترضنا أنه أمَّن فعلاً هذه الأطراف فهل حُلت القضية؟
> الرئيس يقر بوجود غضب لدى فئات في الجنوب، ويقول بوجود مظالم وقعت على البعض في الجنوب، لكنه يؤكد أن المساس بالوحدة اليمنية خط أحمر، وأن الأغلبية الساحقة من الجنوبيين مع الوحدة، وأنه ليس من حق أحد الادعاء بأنه يمثل الجنوب، وأنه ضمن مواقف دول الخليج والغرب لصالح الوحدة ضد حفنة من المتآمرين على شق وحدة البلد.
– الوحدة لا تعني نهب الأرض وحرمان الناس من ثرواتهم. وما دام الظلم والقهر موجودين فإنه حتى إذا ضمن الخارج فإن المشكلة ستظل قائمة، والمؤكد أن القضية ستتعقد أكثر إذا لم تُحل الآن.
> في تقديرك أن هذا الموقف الإقليمي المؤمن أمر واقع فعلاً؟
– الرئيس من يقول هذا.
> في حال أنه قائم فعلاً هل ترجح أن يستمر؟
– الحراك يراهن على ذاته وعلى الشعب. وصدقني أن المواطنين (في الجنوب) يبيعون أغنامهم كي يتمكنوا من المشاركة في فعاليات الحراك، ومن ليس لديه أغنام أو مواشي يبيع كيس قمح أو أي شيء بحوزته بأقل من سعره لكي يشارك في الحراك. الأجهزة الأمنية تدرك هذا، ويفترض أن توصل معلومات دقيقة للرئيس.
> بصرف النظر عن هذا، وأنا فعلاً اطلعت على حالات من هذا القبيل، ولكن أي حركة احتجاجات أو حتى حركة تحرر أو انفصال ليس بوسعها إلا أن تراهن على تأييد خارجي، إقليمي أو دولي.
– كمواقف سياسية.
> كمواقف سياسية في الوقت الراهن. وسؤالي هو عن تقديرك أنت كشخصية، لديها اتصالات وعلاقات في الداخل والخارج، لدقة ما يقوله الرئيس علي عبدالله صالح بشأن الموقف الإقليمي؟
– لا أعرف بالضبط مدى دقته، صحيح أو غير صحيح، لكن من المنطقي أن دول الجوار تريد استقراراً في اليمن، لأن عدم الاستقرار ضار بأمنها القومي. لكنها تدرك أن الاستقرار رهن بالرضا الشعبي، ولذلك لا أعتقد أنها ستساعد (الرئيس) علي عبدالله صالح على استمرار عدم الرضا الشعبي وقهر الناس.
> لعلك تتفق معي بأن هناك قلقاً لدى البعض في السلطة حيال الدور البريطاني في اليمن في ما يخص الجنوب، خلاف الأمر حيال واشنطن وعواصم غربية أخرى، وهذا القلق لا يتم التعبير عنه رسمياً، ولكن يدور في بعض المجالس، وأحياناً يعبر عنه في منابر إعلامية محسوبة على السلطة أو أطراف فيها، كيف تقرأ هذا القلق؟
– الأمريكان والأوروبيون وغيرهم لديهم مصالح في اليمن، وهذه المصالح يتم ضمانها بوجود استقرار، والاستقرار مرهون برضا الناس. ولهذا لا أعتقد أنهم يقرون ما يُمارس من تجاهل لمصالح الناس أو قهر فئات منهم لأن ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار. والذي أعتقده أن دول الجوار والدول الكبرى مجمعون على أن الوضع في اليمن غير طبيعي، وأن النظام غير صالح، ولابد من وجود نظام بديل صالح للبلد. ومع هذا فإن السلطة وعبر قنوات استخبارية مع دول الجوار والغرب قد تصدق ذلك، وتصَّور أن رحيل الرئيس علي عبدالله صالح سيؤدي إلى صوملة اليمن. والغرب يفضل الوضع الموجود على الصوملة.
> وحتى اليمنيون يفضلون هذا.
– صحيح. لكن إذا صح ما تروجه السلطة للخارج من أن الصوملة هي البديل، فإننا نبدو وكأننا في طائرة مختطفة إذا لم يقبل الخارج شروط الخاطفين فإنهم سيفجرونها.
> ورغم هذا فإن لبريطانيا خصوصية هنا، لأن لها إرثاً في الجنوب باعتبارها الدولة التي احتلته قرابة قرن وثلث، فما الذي يمنع من أن يكون لها مقاربة متمايزة عن واشنطن تجاه الجنوب؟
– هذا كان محتملاً في رئاسة بوش الابن، لكن في عهد أوباما والديمقراطيين فأنا أستبعد ذلك، لأن تجربة الأمريكان في العراق وأفغانستان، وحتى في فلسطين، أكدت لهم أنهم في حاجة إلى مشورة بريطانيا، ويمكن أن أقول بتحفظ بأن الدور القيادي في الشرق الأوسط كأنه صار لبريطانيا. وعندما تشعر واشنطن أنها محتاجة للدور الأوروبي في المنطقة، فإنها لن تثق بحليف أكثر من بريطانيا.
> ومع ذلك ألا تلمس قلقاً هنا من بريطانيا؟
– هذا القلق يعود إلى كون بريطانيا دولة احتلت الجنوب. وما أستطيع تأكيده هو أن علاقات أطراف في السلطة وأطراف في المعارضة ببريطانيا أوثق من علاقة جنوبيين بها. ومن البديهي أنه عندما تسلم سلطة قرارها لأطراف دولية أو إقليمية فإنها ستعرض نفسها لحركة أطراف أخرى نقيضة.
> عند هذه النقطة كيف يمكن قراءة تصريحات علي سالم البيض لجريدة “الأخبار”، فهو أشاد بلغة ودية مؤثرة بإيران وحزب الله وقطر. هل يمكن أن تتعامل هذه القوى مع البيض في مقابل حركة الرئيس علي عبدالله صالح باتجاه بعض دول الجوار والغرب؟
– الجنوبيون يجمعهم اتجاه واحد حتى وإن أبدى بعض الإخوة موقفاً مختلفاً، وهو اتجاه القضية الجنوبية. وفي ما يخص الوضع الإقليمي فإن هناك متغيرات طرأت عليه بعد مجيء أوباما. في رئاسة بوش الابن كان هناك تقسيم لدول المنطقة يقوم على أساس دول اعتدال، وهي أقرب إلى واشنطن، ودول ممانعة أقرب إلى الاتحاد الأوروبي. جاء أوباما وهو غير مشبع بفكرة زعامة أميركا للعالم التي كانت عند بوش وفريقه، واختلف الأمر.
> أوباما يريد أيضاً زعامة العالم ولكن بأسلوب ناعم وعبر مجلس إدارة الرئاسة فيه لواشنطن.
– نعم، ولكن بالشراكة مع أوروبا، واحترام مصالحها. من يدير العالم الآن هو أميركا وأوروبا، وبقية العالم في الهامش. وبعد مجيء الديمقراطيين إلى البيت الأبيض بدأ الأمر ينعكس على دول المنطقة، وبدأت دول الممانعة ودول الاعتدال تتقارب طبقاً لمقاربة المركز (الأوروبي والأميركي).
> وكيف برأيك سينعكس هذا التغيير على الوضع في اليمن، وبخاصة في ما يخص الجنوب؟
– النظام في اليمن يتعاطى مع هذه الأمور بسطحية، يحاول اللعب على التناقضات، واللعب هنا خطر جداً وفوق طاقة أي نظام عربي. والتناقضات بين القوى الكبرى لا ترحم، لاحظ ما حدث لجمال عبدالناصر، وكذلك ما حصل لصدام حسين الذي انحاز إلى فرنسا وأوروبا واستبدل الدولار باليورو. اللعب على تناقضات الدول الكبرى هو انتحار. أصحابنا هنا يلعبون هذه اللعبة، وسوف يأخذون البلد إلى الهاوية.
> لنناقش الآن الحزب الاشتراكي ومؤتمره العام. عندما عرض عليك الرئيس بعد الوحدة ترك الاشتراكي والانضمام إلى المؤتمر، أجبته بأنه إذا بقي في الاشتراكي شخص واحد فقط فسيكون أنت. أما زال هذا الموقف قائماً الآن؟
– شخصياً، وأظن أن هناك كثيرين مثلي، لا يوجد ما يبرر لنا الانتقال إلى حزب آخر غير الحراك. وكل ما نتمناه هو أن يستعيد الحزب الاشتراكي مكانته ويتبنى القضية الجنوبية بوضوح وينضم بالكامل إلى الحراك. الاشتراكي هو المسؤول تاريخياً عن القضية الجنوبية، ويفترض به أن يتميز عن الأحزاب الأخرى في موقفه تجاه هذه القضية بالذات. في دورة اللجنة المركزية الأخيرة التي عقدت في عدن كنا نتمنى أن يخرج الحزب بموقف واضح يختلف عن مواقفه السابقة، لكن للأسف لم يتم ذلك، فحصل انفعال لدى بعض أعضاء اللجنة المركزية، وفي مقدمتهم الأخ العزيز عبدالرحمن الوالي، وأعلنوا تشكيل حزب الأحرار الجنوبيين. والحق أن أعضاء اللجنة المركزية من الشمال، خلال تلك الدورة، قالوا بوضوح لزملائهم الجنوبيين وللأمين العام إنهم مع أي موقف يرونه بخصوص الجنوب، لكن الإخوان الجنوبيين، وأنا متأكد أنهم جميعاً مع الحراك، خشوا أن يعلنوا موقفهم حفاظاً على أواصر علاقتهم ببعض إخوانهم الشماليين.
> رغم أن هؤلاء تحدثوا بوضوح معهم بأنهم مع الرأي الذي يأخذونه؟
– نعم، قالوا لهم أي شيء ترونه سنكون معكم. في السياسة لا توجد عواطف. وكان يفترض بأعضاء اللجنة المركزية الجنوبيين أن يتخذوا موقفاً واضحاً، أنا لم أحضر سوى جلسة مسائية؛ فقد غادرت بسبب عدم قدرتي على تحمل الدخان، لكنني التقيت بأغلب أعضاء اللجنة المركزية الجنوبيين في بيتي في عدن، واتفقنا على ورقة نقدمها للجنة المركزية، تتضمن موقفاً مشرفاً للحزب، يتدارك هفوات الماضي، وتم التوقيع عليها من الموجودين.
> كم عدد الجنوبيين في اللجنة المركزية؟ وأسألك لغرض التمييز إجرائياً فقط.
– لم يحضر جميعهم، وبعضهم كان مطارداً من الأمن أو في السجن.
> أقصد في القوام الكامل وليس قوام دورة عدن.
– تقريباً نصف العدد.
> أليست الأغلبية شمالية، علماً أنني واثق بأن هناك شماليين أكثر تأييداً للحراك من جنوبيين؟
– في اللجنة المركزية قد تكون هناك زيادة طفيفة للأعضاء من الشمال، لكن الأكثرية في المكتب السياسي والأمانة العامة هي لأعضاء من الشمال. ونحن في الحزب بالتأكيد لا ننظر إلى الأمر من هذه الزاوية. وعلى أية حال فإن الموقعين على الورقة ذهبوا إلى اللجنة المركزية وطلبوا إدراجها في جدول الأعمال، لكن الأمين العام رفض الطلب.
> لماذا برأيك رغم حساسية اللحظة التي يمر بها الحزب؟
– لا أدري. وفي نهاية المطاف تمت الموافقة على تلاوة الورقة فقط. وعندما تم ذلك لم يعترض أحد على مضامينها كأنهم موافقون عليها، لكن تم تجاهل الورقة تماماً في البيان الختامي وقرارات الدورة، وهذا ولَّد رد فعل لدى الإخوان الذين خرجوا وعقدوا اجتماعاً. زارني بعضهم وقلت لهم لا داعي لأي ردود فعل الآن، يمكن أن نصدر بياناً نوضح فيه موقفنا.
> يمكن عزو موقفك هذا إلى خبرتك في التعاطي مع أزمات كهذه، فضلاً على أن وجدانك تشكل داخل الحزب، لكن ما حدث أن آخرين أعلنوا أنهم سيشكلون حزباً اشتراكياً (أو حزباً آخر) جنوبياً، ويبدو لي أن هذا المسار توقف.
– عندما جاؤوا إليَّ نصحتهم بالتخلي عن الفكرة، ولكنهم أصروا، فقلت لهم رد الفعل هذا خطأ، وستدركون لاحقاً ذلك.
> هم لا يزالون داخل الحزب الاشتراكي؟
– نعم. والعمل الأجدى كان أن تبادر منظمات الحزب في الجنوب إلى التنسيق مع بقية منظمات اللقاء المشترك، ويشكلون مجلس تنسيق أو لقاء مشتركاً جنوبياً، يتولى اتخاذ المواقف والقرارات وفقاً لاحتياجات ومطالب السكان الذين يمثلونهم.
> تعلم أن المركز (في صنعاء) هو المهيمن على القرار الحزبي خصوصاً في القضايا الكبرى مثل القضية الجنوبية.
– لذلك فإن هؤلاء الموجودين في المركز يدفعون الناس إلى مغادرة الأحزاب.
> بعد دورة عدن هل التقيت الدكتور ياسين سعيد نعمان؟
– لا. فظرفي الصحي يقيد حركتي، وهو كان مشغولاً، وربما غير راغب في ذلك.
> موقف الدكتور ياسين واضح في ما يخص القضية الجنوبية، إذ إنه يشدَّد على حل هذه القضية قبل أي أمر آخر. وفي أغسطس 2008 عطَّل الاتفاق بين المشترك والسلطة على الانتخابات، لأنه ضد إجرائها قبل معالجة القضية الجنوبية.
– من دون شك يوجد قرب.
> وإذن، أتجري اتصالات بينكم لتدارك التداعيات سواء في ما يخص الحزب الاشتراكي أو في ما يخص الانقسامات والتشظيات التي من الممكن أن تحدث داخل الحراك؟
– هناك شكوك موجودة لدى كثيرين من الإخوان لا أجد تفسيراً لها، وأيضاً هناك الكبرياء الموجودة لدينا في اليمن، والذاتية.
> الكبرياء أسوأ مستشار، كما يقول المثل.
– صحيح. قد أكون مخطئاً وليس عيباً أن أتراجع عن خطئي وأقول لك رأيك هو الصائب.
> هل جاء أحد من رفاقك في قيادة الحزب، بخاصة من أولئك الذين كان لهم موقف حاد منك، وقال لك كان تقديرنا خطأ ولم نكن لنتصور أن تذهب الأمور بعيداً؟
– لم يحصل هذا ولا أريده. الماضي ماض، وما أريده هو أن نعد للمستقبل. الوحيد الذي جاءني وقال لي هذا هو الأخ يحيى الشامي، وسمعت أن آخرين مثل يحيى أبو أصبع (الأمين العام المساعد) يقولون كلاماً مماثلاً.
> أردت فقط هنا أن يقرأ القراء هنا العلاقات الإنسانية داخل قيادة الحزب الاشتراكي.
– أنا لا أريد هذا لأن المسائل تتحول إلى مسائل شخصية.
> تجري تحضيرات لعقد المؤتمر العام السادس للحزب الاشتراكي، أين موقعك من هذه التحضيرات؟
– ليس من المعقول عقد المؤتمر في هذه الظروف، وهناك أسباب عديدة أولها أن جزءاً من كوادر الحزب الفاعلة لا تستطيع المشاركة، وهناك البعض في السجون، والبعض مطارد في الجبال، وثانياً أن الوضع السياسي في البلد لا يتيح عقد المؤتمر، وإذا انعقد فإنه سيكون باهتاً وقد يتولد عنه أزمة أخطر على الحزب، وثالثاً أن الناس منشغلون بقضايا كبيرة وخطيرة، وقد يؤدي هذا إلى انقسام داخل الحزب. ليس عيباً أن تؤجل اللجنة المركزية موعد انعقاد المؤتمر، فالنظام الداخلي يسمح لها بذلك إذا وجدت ظروف استثنائية.
> ولماذا لا يتم ذلك؟
– البعض يستعجل انعقاد المؤتمر لكي يغادر موقعه القيادي من بوابة المؤتمر العام. وهناك من وصل إلى قناعة مؤداها أن الحزب يقترب من النهاية ولا يريد أن يتحمل مسؤولية تاريخية عن ذلك كي لا يقال إن الحزب انتهى على يده. وهذا الهاجس أمره هين، يمكن للجنة المركزية أن تجتمع ويقدم المكتب السياسي استقالته لها، لأنه منتخب منها وليس من المؤتمر العام، واللجنة المركزية تشكِّل مكتباً سياسياً جديداً وأميناً عاماً جديداً.
> لكنك تتذكر أن الدكتور ياسين كان قبل عامين قد طلب إعفاءه من موقع الأمين العام، مقترحاً تدوير هذا الموقع خلال دورة اللجنة المركزية، فرفضت اللجنة المركزية، وأظنك كنت في لندن للعلاج.
– كنت موجوداً هنا، وكنت أول من رفض الاستقالة. رغم أن البعض يعتقد أنني سأرحب بها نظراً للاختلاف بيننا في بعض الآراء.
> وأظن الآن أن الغالبية في المكتب السياسي تتجه لصرف النظر عن الموعد المفترض لعقد المؤتمر في نوفمبر المقبل؟
– أنا شخصياً أعتقد أن عقد المؤتمر الآن هو سلوك انتحاري للأسباب التي ذكرتها، وأضيف عليها سبباً آخر هو الموقف من قيادات الخارج، هل سينتخبونهم؟
> تماماً كما حصل في المؤتمرين السابقين؟
– نعم، هل سينتخبونهم أم سيشطبونهم. فإذا انتخبوهم كيف، وإذا استبعدوهم كيف؟
> علي سالم البيض لم يعد يقدم نفسه كقيادي في الحزب بل كشخصية “وطنية جنوبية”.
– ومن هنا فإنه قد يرفض إعادة انتخابه وتكون النتيجة نفسها.
> أفهم من كلامك أنك متفائل بأن يكون للحزب الاشتراكي كلمة في مستقبل الجنوب أو اليمن عموماً، كما كان في الماضي؟
– يستطيع الحزب أن يستعيد فاعليته ويتلافى الأمور إذا ارتقى الإخوان إلى مستوى المسؤولية في التعاطي مع الأحداث الجارية ومع القضية الجنوبية. ما الذي يخيفهم، حتى وإن كان لهم رأي متفرد (عن المشترك) في ما يتعلق بالقضية الجنوبية، فهذه القضية قضية وجود بالنسبة له، لأن الإصلاح شريك في الحرب على الجنوب.
> من الواضح أنك متمسك بانتمائك للاشتراكي، وما تزال تراهن أن يتعافى الحزب وتعود إليه الحيوية إذا تدارك أخطاءه السابقة، ألا يؤثر هذا سلباً على موقعك في الحراك، خصوصاً مع تعالي أصوات في الجنوب تطالب بإقصاء الاشتراكي؟
– قد يسبب إشكالاً عند بعض الأشخاص، لكنه إشكال مؤقت، وسيكتشفون (لاحقاً) أن موقفي هو الصحيح. هناك أمور يصعب الحديث عنها الآن رغم أنها قد تكون مقنعة لأصحاب الرأي القائل بالخروج من الحزب.
> كيف؟
– هناك أشياء يمكن أن تقنع المعارضين للبقاء في الحزب بأن البقاء هو الأسلم. ولكن هذا الإقناع يمكن أن يؤثر بشكل سلبي على آخرين لأنهم غير قادرين على استيعاب تطورات قادمة.
> تقصد يؤثر سلباً على الموجودين من أبناء المحافظات الجنوبية في الحزب؟
– نعم. الحزب الاشتراكي حزب معترف به من قبل السلطة والخارج، وحامل صيغة الجنوب، وقاد دولة الجنوب، ووجوده مع القضية الجنوبية هو بالتأكيد لصالحها، وإبعاده عنها يشكل خصماً منها. بعض الإخوة يرون أن الاشتراكي هو المشكلة ويجب التخلص منه بسبب عقدة أن يعود الاشتراكي ليحكم الجنوب مجدداً بعد كل هذه التضحيات، وهذا غير ممكن في الواقع، فالوضع تغير والقيم تغيرت. أنا لم أتمكن من الجلوس مع هؤلاء الذين هم ضد بقاء الناس في الحزب، لمناقشة الموضوع معهم من زاوية مصلحة القضية.
> تشدِّد دوماً على أن مشكلة الجنوبيين ليست في السلطة ولكن في “دولة الوحدة” ذاتها التي تصفها بـ”دولة الشمالـ”.
– نعم، هناك بديهيات تم تجاهلها. هل يعقل أن يظل الجنوب مؤمماً، والملكية فيه للدولة في حين أن نمط الملكية مختلف في الشمال؟ كان المفروض إلغاء قوانين التأميم في الجنوب وإعادة تمليكها لأهلها. كما أن الاقتصاد في الجنوب كان عاماً في حين أنه في الشمال خاص، وغير ذلك من البديهيات التي تم تجاهلها.
> قبل الوحدة وجد قطاع عام في الشمال فالنظام كان مختلطاً.
– حتى العام كان خاصاً في الشمال (ضحك). كيف يمكن أن يكون وضع الوحدة طبيعياً في ظل وجود هذا؟
> تمت خصخصة كثير من المؤسسات العامة في الجنوب.
– متى؟
> بعد حرب 1994.
– ولصالح من؟
> لصالح الاقتصاد الوطني.
– (ضاحكاً) لصالح المتنفذين. التركيبة الاجتماعية كانت مختلفة في الجنوب، بسبب نمط الملكية فلم يكن هناك أغنياء كما هو الوضع في الشمال، وهذا لا يسمح بوحدة بينهما أصلاً.
> صحيح. ودعنا لا ننسى أن هناك من الجنوبيين من صار ثرياً بعد 1994. وعلى أية حال فإنه إذا أخذنا معدلات الفقر على مستوى المحافظات في اليمن، فإن المحافظات الأفقر هي في غالبها شمالية.
– ممكن هذا. والفرق أن المظلومين في الشمال مظلومون من دولتهم، بينما الظلم في الجنوب يتم باسم الوحدة. وطالما والسبب مختلف، فإنه من البديهي أن يكون الحل مختلفاً.
> أنا أفهم ما تقصده عندما تقول مثلاً إن الشمال استفاد من الخصخصة والجنوب لم يستفد، لكن ما يؤخذ على خطاب البعض هو ذلك التعميم عن الشماليين والجنوبيين، بعد الحرب كثيرون من أبناء الشمال استفادوا ولكن ليسوا جميعهم، وهناك من الجنوبيين أيضاً من استفاد من الحرب، بل ومنهم من مارس الفيد واستولى على ممتلكات آخرين، والآن هم من كبار الملاك.
– لا أتحدث الآن عن أوضاع ما بعد الحرب، وإنما عما قبلها. هناك أشياء غير مكتوبة ولكنها بديهيات، كان مفروضاً إلغاء قوانين التأميم وعودة الملكيات لأهلها، وتمليك الجنوبيين لأرضهم وثروتهم، وأن يعاد تصميم النظام الاقتصادي وتحويله من العام إلى الخاص لصالح الجنوبيين أنفسهم، فالنظام السابق في الجنوب عندما اعتمد الاقتصاد العام وأمم أملاكهم وثروتهم على أساس أن تكون الدولة مسؤولة عن كامل شؤون حياتهم، وبعد إعلان الوحدة اختلف الأمر رغم أنها أعلنت الوحدة على أساس الأخذ بالأفضل. أنا كنت رئيس لجنة… في المرحلة الانتقالية بعد الوحدة، وجدت أنه لا يوجد في الشمال ما هو أفضل إلا الموقف من الملكية الخاصة والدين، ولا يوجد في الجنوب ما هو أسوأ غير هذين الموقفين فقط. هذا ربما كان بداية المشكلة، لأن الإخوة في الشمال رأوا كل شيء كان أفضل في الجنوب باستثناء الموقف من الدين والموقف من الملكية الخاصة، ولذلك ماطلوا في قيام دولة الوحدة حتى قاموا بالحرب.
> ماذا تريد أن تستخلص من هذا؟
– أريد أن أقول إن الوحدة ليست موجودة. وهناك أيضاً التباين الثقافي، وكما ذكرت في الجزء الأول فإن الجنوب لا يستطيع العيش إلا في ظل دولة، وشمال الشمال لا يستطيع العيش في ظل دولة.
> عند هذه النقطة، لعلك قرأت لهارولد انجرامز مستشار الدولة القعيطية والحاكم السياسي لعدن، وصاحب الاتصالات المهمة بالإمام يحيى حميد الدين، وهو أيضاً مستشرق مهم، ففي كتاب له صدر عام 1963 أبدى تذمرا شديداً من بعض المناطق في الجنوب لأن سكانها يمارسون التقطع ولا يميلون إلى الاستقرار والعمل خلاف المناطق التي زارها في الشمال، وبخاصة مناطق تهامة وإب وتعز، حيث ينعم الناس بالأمن والاستقرار ويميلون إلى العمل.
– هو كان في حضرموت؟
> وعمل أيضاً في عدن، وكان له اتصالات بالإمام يحيى، وأظن أيضاً مع الإمام أحمد. وحتى حضرموت نفسها كان فيها قبائل لا تقبل الدولة.
– المدنية رسختها بريطانيا في عدن وحضرموت، وجاءت الثورة وعممتها على الريف. لم نعممها بخطبة جامع، بل بفرض القانون. صحيح أن هناك قسوة ولكن في سبيل تغيير اجتماعي، بينما الثورة في الشمال على عكس ذلك تماماً.
> ما أريد الإشارة إليه أن انجرامز قدم صورة مغايرة للصورة النمطية السائدة عن الشمال في الجنوب، ولدى الكثير من النخب في الشمال والجنوب. والمعنى هنا أن المسألة متصلة بالسياق السياسي والاجتماعي لأي شعب. في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، وكنت طفلاً حينها، حمل السلاح في المدن لم يكن محبذاً بل منبوذ، والحركة التعاونية في السبعينيات كانت مزدهرة، حتى إن مواطنين كانوا يعملون طوعياً في بناء مدارس ومستوصفات، ويتبرعون بأراضيهم من أجل شق طرق تصل إلى أقاصي الأرياف. أي أن السياق السياسي والاجتماعي والثقافي هو ما يجعل الناس راغبين في أن يكونوا داخل الدولة أو خارجها.
– بدون شك. لكن هناك فرقاً بين مجتمع يستجيب، ومجتمع يقاوم.
> في عهد الحمدي استجاب المجتمع في الشمال في أغلبه.
– استجاب اليمن الأسفل.
> وحتى في مناطق قبلية حصلت استجابة، فالحركة التعاونية مثلاً كانت مزدهرة في همدان وسنحان وغيرهما. المجتمع في أغلبه استجاب باستثناء بعض المناطق في عمق مراكز القوى القبلية. والقصد هنا أن المجتمع اليمني في أغلبيته الساحقة استجاب لمشروع حاكم ينشد إقامة دولة مواطنة ودولة مدنية.
– هذا ممكن في حينه خوفاً من نظام عدن. وأذكر أنني عرفت الحمدي في حرب 1972. التقيت به في مكيراس، وكان عضواً في لجنة تمثل الشمال وأنا في لجنة تمثل الجنوب. في مكيراس خزنا (قات). عند المغرب غادر أعضاء اللجنة الشمالية للصلاة وبقي الحمدي الذي قال لنا: سلموا على الأخ سالم (ربيع علي) وقولوا له لا فائدة ترتجى من الشمال، ولا يمكن أن تصلح وحدة إلا إذا انتهت العمائم والجنابي، لكن في ظل العمائم والجنابي لا يمكن أن يستقر الوضع، ولا يمكن أن تبنى دولة، ولا يمكن للوحدة أن ترى النور.
> كيف كان وقع هذا الكلام عليكم؟
– صدقناه. شعرنا أن الرجل صادق. ولاحقاً ذهبنا وكلمنا سالمين. وسالمين ربط خطاً معه منذ ذلك الوقت.
> يعني العلاقة بينهما والتنسيق للوحدة بدأ قبل حركة 13 يونيو 1974؟
– نعم، من قبل ذلك.
> كانت هناك علاقة بينهما من الستينيات؟
– ليست معه بل مع أخيه عبدالله الحمدي.
> من كان حاضراً من الشماليين إلى جانب الحمدي؟
– لم أعد أتذكرهم، ولكن أظن أن عبدالله الراعي كان موجوداً في اللجنة الشمالية.
> ومن الجنوبيين؟
– كان معنا عبدالله الخامري وعوض مشبح، وهو حالياً عضو بمجلس الشورى، وآخرون. والمهم أن سالمين ربط خطاً مع الحمدي، وتقوت العلاقة بينهما، ولو كانت الوحدة تحققت في عهدهما لكان الوضع مختلفاً كلية. الحمدي كان متميزاً، وفي لقاء لاحق في صنعاء بين سالمين وآخرين كنت أحدهم، وبين الحمدي الذي كان قد صار رئيساً، ظهر متفتحاً ومثقفاً ومتنوراً، وكان عازماً فعلاً على بناء دولة عصرية. وللأسف فإن الحمدي وسالمين استُهشدا لأنهما كانا جادين في الوحدة، وقد ذهبا ضحية ذلك.
> أنت كنت حينها محسوباً على تيار سالمين؟
– أنا كنت من أقرب الناس إليه، وعندما وقعت أحداث يونيو 1978 كنت أدرس في موسكو، وإلا لكنت دخلت السجن أو القبر.
> وحسن باعوم أيضاً كان محسوباً على سالمين ودخل السجن؟
– نعم، كان مع سالمين.
> يعني أن العلاقة بينكما ضاربة في التاريخ؟
– (ضحك).