عن “المصدر” والمقالح -و”الأيام” المحزونة

عن “المصدر” والمقالح -و”الأيام” المحزونة

> سامي غالب
تواجه الصحافة اليمنية المستقلة والمعارضة محنة غير مسبوقة بدأت في 3 مايو الماضي، وهو اليوم العالمي لحرية الصحافة. في ذلك اليوم تم مصادرة نسخ العدد اليومي لصحيفة “الأيام” المستقلة، ثم محاصرة مقرها، قبل أن تمتد يد المصادرة إلى صحف مستقلة أخرى، وصولاً إلى منعها من الطبع عدة أسابيع.
ولئن عادت الصحف الأسبوعية المستقلة للصدور في ظروف مقيدة، فإن محنة “الأيام” استمرت حتى اليوم، لتلحق بمؤسسة “الأيام” أضراراً فادحة، مادية ومعنوية، وسط تقاعس اللجنة التي شكلها الرئيس علي عبدالله صالح، عن أداء مهمتها في وضع حد لمحنة الصحيفة، وابتكار صيغة حل حاسمة تسمح للصحيفة بمعاودة الصدور في ظروف آمنة، وبعيداً عن القمع والترويع والمصادرة.
مجريات الأحداث اللاحقة أثبتت بأن السلطة استهدفت أول ما استهدفت، صحيفة “الأيام”، مؤكدة ما كان يردده مسؤولون رفيعون في السلطة من أن مقتضيات «وحدوية» أملت على السلطة اتخاذ إجراءات مماثلة -ولو على المدى القصير- ضد صحف أخرى كي لا يقال بأن استهداف «الأيام» نابع من دوافع غير وحدوية!
كذلك تصون بعض مراكز القوى في السلطة الوحدة اليمنية، عبر توزيع مموّه للقمع. وكذلك هي تتعاطى مع الصحافة المستقلة انطلاقاً من أماكن صدورها أو مساقط رؤوس أصحابها.
وكذلك يتم تكبيد الصحافة اليمنية فاتورة الإخفاقات المستدامة للسلطة في مواجهة الأزمات الكبرى ليمن ال22 من مايو.
وفي ساعة متأخرة من ليل 17 سبتمبر الماضي أحيت أجهزة نافذة في السلطة هوايتها القديمة في ملاحقة الصحفيين وإخفائهم قسرياً. ساعتها اقتاد مجهولون الزميل محمد المقالح أثناء خروجه من منزل صديق له في العاصمة، إلى مكان احتجاز سري يعتقد أنه تابع لأحد الأجهزة الأمنية.
ورغم مضي أكثر من شهر ونصف على واقعة الاختطاف، فإن وزارة الداخلية لم تحرك ساكناً بعد، لكأنها مطمئنة على مسار الواقعة ومآلها. والحاصل أن الداخلية لم تقم بأية تحريات حول الواقعة. لعلها في ذلك محقة، فهي تدرك أن البحث عن صحفي مغضوب عليه من كبار المسؤولين أمر لا طائل منه، وما عليها سوى انتظار إشارة سامية بالكشف عن مصيره.
الإخفاء القسري يمارس في اليمن بشكل منهجي قبل الوحدة وبعدها، باستثناء فترة الانتقال من «الوحدة» إلى الحرب، مطلع التسعينيات.
وتكشف واقعة اختطاف المقالح، ثم إخفائه، عن عدم قدرة
الحكومة اليمنية على كبح جماح «هواة الاختفاء القسري»، هؤلاء الأشباح المحميون من السلطة، والذين لا تقوى المؤسسات الدستورية على الاقتراب منهم أو تفتيش مقراتهم العلنية والسرية.
وصباح أول من أمس السبت، صدر حكم قضائي فاجع بحق الزملاء في صحيفة «المصدر» المستقلة، والزميل منير الماوري المقيم في واشنطن.
لا غرابة، فالمحكمة كانت تنظر في دعوى مرفوعة من حزب الرئيس وحكومته، تتهم صحيفة «المصدر» والكاتب منير الماوري بإهانة رئيس الدولة. الرئيس اليمني ليس محروساً فحسب بجيش كامل يسمونه -خوفاً من العين والحسد- حرساً جمهورياً، وإنما أيضا بجيش من المزايدين والأفاكين والمتملقين والبلاطيين والمقيلين (لتوكيد الخصوصية اليمنية). ليت هذا فحسب، بل وبحزمة من النصوص موزعة بإتقان على القوانين واللوائح ومشاريع القوانين التي ستعزِّز الوحدة الوطنية عما قريب.
لكن هؤلاء الخلصاء في البلاط والمقيل والثكنات وساحات القضاء، لم تكفهم ترسانة الأسلحة التي بحوزتهم لقهر صحيفة وكاتب، وكان عليهم -كي يُشفى غليلهم- أن ينتظروا منطوق الحكم الصادر في حق الزميلين سمير جبران ناشر ورئيس تحرير «المصدر»، ومنير الماوري. وقد جاء الحكم بما لم يستطعه الأوائل، إذ شمل فقرة تمنع الزميل سمير جبران من العمل ناشراً لمدة عامين!
الهرم مقلوب في اليمن. والحصانة، خلاف الحال في العالم المتحضر، هي للرئيس ومعاونيه فقط. والحصانة في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، تتطلب ما هو أكثر من الأبهة والسطوة والأسيجة الأمنية والخنادق التشريعية، تتطلب ترويعاً واجتثاثاً. وذلك ما يفعله الحكم الصادر بحق الزميلين العزيزين، والذي يتطلب تضامناً مدنياً وحقوقياً لتعطيل أثره.
في مايو الماضي دخلت حرب السلطة على الصحافة عصراً جديداً، خلواً من المحرمات والمقدسات. وعلى الصحافيين المستقلين والمعارضين الاستجابة لهذا التحدي عبر التفكير جدياً بصيغ نقابية عصرية وديمقراطية تتجاوز بدورها المحرمات التي تنزلت عليهم، مع الوحدة وبها، في مؤتمرهم التوحيدي الأول عام 1990.