كيف أنتهى السجال حول باخرة السلاح في القصر الرئاسي؟

كيف أنتهى السجال حول باخرة السلاح في القصر الرئاسي؟
ميناء الحديدة (فيسبوك)

كيف أنتهى السجال حول باخرة السلاح في القصر الرئاسي:

تجار السلاح «المشبوهون» يقبضون ثمن الصفقة من وزارة الدفاع
لقد انتهى السجال الصيني في القصر

> عبدالعزيز المجيدي
أنهى تدخل شخصي لرئيس الجمهورية واحدة من أكثر قضايا تجارة السلاح في اليمن غموضا وريبة. وبات من حق الأشخاص الذين تحدثت عنهم الحكومة كمجرمين يحاولون إدخال شحنة أسلحة صينية بوثائق مزورة لهدف مشبوه، قبض ثمن الصفقة ومن وزارة الدفاع نفسها.
في ال6 من أكتوبر حاولت الحكومة تحقيق إنجاز أمني في ملف يندر أن يكون مجالا لنشاط الأجهزة الأمنية، كتجارة السلاح. وفيما كانت المواجهات على أشدها بين الجيش وجماعة الحوثيين في صعدة وحرف سفيان، أعلنت الأجهزة الأمنية عن إحباط محاولة إدخال سفينة محملة بشحنة أسلحة صينية استوردها تجار أسلحة باسم وزارة الدفاع بوثائق مزورة. وتزامن ذلك مع إعلان قائمة سوداء ب7 من تجار السلاح على رأسهم فارس مناع شقيق محافظ صعدة، ورئيس لجنة الوساطة مع الحوثيين قبل اندلاع الجولة السادسة من الحرب.
لكن الإعلان الذي بدا كحصيلة لحسابات ومصالح متضاربة داخلياً بالتزامن مع ضغوط خارجية، كان يحمل سبب فنائه في الرواية الحكومية.
تحدثت المصادر الحكومية عن وساطات يبذلها سماسرة سلاح للإفراج عن الشحنة رغم التأكيد على وجود جريمة تزوير في الوثائق. واكتفت القائمة السوداء بتحذير فاتر لتجار السلاح من مخالفة القانون.
بالاستناد لما أعلنته الحكومة فإن الشحنة التي أحبطت كانت قد وقعت تحت تصرف السلطات الرسمية بما في ذلك التثبث من وجود وثائق مزورة. وقتها كانت قناة روسيا اليوم أعلنت عن ضبط شحنة أسلحة صينية في ميناء الحديدة، ورجحت أن تكون لفارس مناع.
ولاحقاً تبخر كل ذلك، وتعين على نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن والدفاع رشاد العليمي الوقوف أمام مجلس النواب يوم 21 أكتوبر الفائت، عوض وزير الدفاع بعد اعتذار الأخير، للذود عن قصة مهزوزة.
بدلاً من توضيح ملابسات الرواية الحكومية بشأن الشحنة انهمك الرجل في رواية زادت القصة غموضاً.
نفى العليمي وجود الشحنة في ميناء الحديدة، كما نفى صلة وزارة الدفاع بالصفقة، لكنه تجنب الكشف عن هوية مستوردي الشحنة رغم الأسئلة الكثيرة التي انطلقت من القاعة بهذا الشأن.
غير أن عديد أعضاء في المجلس شككوا في صدق الرواية، وذهبت بعض التفسيرات إلى وجود خلافات بين التجار ومسؤولين في الدولة على قيمة العقود دفعت بالقصة إلى وسائل الإعلام. بالإضافة إلى التشكيك بوجود وثائق مزورة أطلق النائب علي عبد ربه القاضي اتهاماً مدوياً من شخص خبر جيداً خفايا ملف شائك.
قال القاضي إن وزارة الدفاع تهرب السلاح وتتاجر به مع شركائها منذ 20 سنة، وحاول بعض النواب تخفيف الضغط عن الحكومة بدفع دولاب القضية نحو صعدة، حيث انهمرت أسئلة كثيرة عن مصدر السلاح الذي تقاتل به جماعة الحوثي والتجار الذين يزودونهم به.
وانتهت مداولات المجلس بإمهال العليمي حتى الاثنين 26 أكتوبر للرد على الأعضاء في تقرير مفصل عن مصير الشحنة. لكن التفاصيل جاءت قبل الموعد بيومين، ومصدرها لم يكن الحكومة بل تجار السلاح أنفسهم.
بدءاً من السبت قبل الماضي شرع مسلحون يتبعون اثنين من مستوردي الشحنة بقطع الطريق بين صافر وصنعاء، وتسبب ذلك بمنع الإمدادات النفطية والغازية عن العاصمة.
وبدأ فصل الإثارة في القصة عندما اتهم إعلام المؤتمر الشعبي عضو مجلس النواب عبدالله بن معيلي وهادي مثنى، بالإضافة إلى عضو مجلس الشورى حمد بن جلال ومحمد الأمير (وجميعهم أعضاء في المؤتمر) بالوقوف وراء عملية التقطع والتسبب بأزمة غاز في المحافظات.
وكان دافع التقطع الذي لم يتردد إعلام المؤتمر عن إذاعته “ممارسة الضغط على الدولة للتراجع عن قرارها بعدم السماح بإدخال باخرة الذخائر الصينية التي قاموا باستيرادها من الصين بوثائق مزورة من وزارة الدفاع”.
حينئذ تبين حسب رواية المؤتمر، أن الأشخاص الذين تتهمهم الحكومة بارتكاب جريمة تزوير لا يتوارون عن الأنظار هرباً من الملاحقة، بل يخرجون بقوة السلاح لإجبار السلطة على الإفراج عن الشحنة.
لكن الأمر لم يكن على ذلك النحو، على الأقل بالنسبة لتاجر السلاح. نسب موقع “مأرب برس” إلى وكيل الشركة الصينية القول بأن السفينة ترسو في ميناء الحديدة منذ 18 يوماً عندما تحدث للموقع السبت قبل الفائت، خلافاً للرواية الحكومية التي نفت وجودها في الميناء.
وبدأت مع تصريحات هادي حسن تاجر السلاح تتضح معالم القضية التي صنعتها الحكومة في معرض محاولة لإثبات جديتها في التعامل مع الضغوط الخارجية بشأن ملف تجارة السلاح الشائك في اليمن.
يقول هادي إن “وزارة الدفاع ترفض تفريغ الشحنة بحجة أن الصفقة تأخرت عن موعدها. التأخير من الشركة الصينية وليس منا”.
“لقد عدنا إلى احتجاجنا في منطقة صافر وذلك لمطالبة وزارة الدفاع بأن تلتزم بشراء الصفقة وتفريغ الشحنة”؛ قال وكيل الشركة الصينية بينما كان يتحدث عن أسباب لجوئه للتقطع وكيف أن بقاء الشحنة في الميناء يكلفه خسائر باهظة.
ونشطت لاحقاً وساطات محلية نجحت في رفع التقطع لقاء التزام بتمكين التجار من مقابلة رئيس الجمهورية لشراء الشحنة.
في الغضون كان مجلس النواب قد قرر الاثنين تشكيل لجنة للتحقيق في قضية الشحنة بعد تغيب رشاد العليمي عن الحضور. ولم يكد ينتهي الأسبوع حتى مضت القضية في مسار آخر.
بحسب موقع “نيوزيمن” نقلاً عن مصادر قبلية، فإن “الخلاف الدائر بين وزارة الدفاع وتجار الأسلحة بمحافظة مأرب تم حله”.
وجاء الحل بعد لقاء جمع الشيخ هادي بن حسين وكيل الشحنة، برئيس الجمهورية ووزير الدفاع، حيث استلم الوكيل قيمة الشحنة، وكلف الرئيس وزير الدفاع باستلام السلاح، بحسب ذات المصادر.
***
االعمل في تجارة السلاح كطرف وسيط
لدى اليمن سجل سيئ ليس في مجال استيراد السلاح فحسب، بل وفي بيعة لأطراف أخرى.
فكلما تحدث العالم عن “انتقال السلاح إلى طرف ثالث غير مصدر البيع المسجل قانوناً والمشتري المسجلة باسمه الكميات المبيوعة”، جاءت اليمن بين أهم المناطق التي تزاول هذه التجارة.
عام 2005 رصدت تقارير دولية تسجيل عمليات بيع ونقل أسلحة فائضة أمريكية وروسية وكورية وتشيكية وبولندية إلى حكومات عديدة منها اليمن، وأصبحت تحظى على إثر ذلك بموقع متقدم كبلد “لديها تاريخ في تحويل الأسلحة إلى دول ثالثة”.
ريتشارد إف. جريميت المتخصص في الدفاع القومي الأمريكي، وتجارة وتحويل الأسلحة التقليدية إلى الدول النامية، قال في تقرير له نشر عام 2005، إنه تم اكتشاف عدد من الآليات والأسلحة العسكرية المطبوع عليها كود آخر مستخدم في اليمن (ENd-useryemen) في كل من السودان والصومال وإثيوبيا.
بوضوح أكثر؛ هناك تجار يعقدون صفقات سلاح باسم وزارة الدفاع اليمنية كما قال النائب علي عبد ربه القاضي، لكن الشحنات يتم بيعها لطرف ثالث.
تقول تقارير بيع السلاح في الأمم المتحدة “في العام 1999 ورد أن سنزين وهي شركة تصدير الأسلحة التابعة للدولة البولندية صدَّرت 20 دبابة (تي 55) من بولندا إلى اليمن، لكن الشحنة أعيد تصديرها بصورة غير قانونية إلى السودان دون إذن من الحكومة البولندية”.
لمراقبة الأمر كانت دول حلف شمال الأطلسي طلبت من كل شركات السلاح في دولها “إبلاغ الحلف بحركة البيع والشراء لكافة أصناف الأسلحة”.
وأكثر ما يثير قلق القوى الدولية وصول السلاح إلى الجماعات الإرهابية كتنظيم القاعدة.