الإسلام على مفترق طرق، بين الماضي والحاضر

الإسلام على مفترق طرق، بين الماضي والحاضر

>بقلم روبرت وورث
تريم، اليمن – ربّما يعرف الغرباء هذا الوادي المهجور والبعيد وجروفه العالية ومنازله القديمة المصنوعة من الطين والقرميد، أنّه مسقط رأس والد أوساما بن لادن. وتشير معظم التقارير في الإعلام الغربي بشكل سيئ إلى اليمن على أنّها “وطن أجداد” قائد تنظيم القاعدة، وكأنّ إيديولوجيّته الإجراميّة تشكّلت هنا.
لكن في الواقع، يشكّل وادي تريم ومحيطه مركزاً تاريخيّاً للصوفيّة، وهو مذهب روحانيّ من مذاهب الإسلام. والمدرسة الدينيّة المحليّة، دار المصطفى، هي مكان متعدّد الثقافات مليء بطلاب قادمين من إندونيسيا وكاليفورنيا الذين يرتادون حرمها الصغير مرتدين قلنسوات بيضاء وشالات ملوّنة.
وقال حبيب عمر، المدير الموقّر لدار المصطفى، عندما كان جالساً على الأرض في منزله يتناول طعام العشاء مع مجموعة من تلاميذه، “في الحقيقة لم يأتِ أوساما بن لادن إلى اليمن قطّ، ومعتقداته لا علاقة لها بهذا البلد على الإطلاق.”
ومؤخّراً عثرت القاعدة على مقبرة جديدة هنا ونفّذت عدداً من الهجمات، لكن لم يأتِ مصدر إلهام تنظيم القاعدة من هذه المنطقة، على حدّ قول عمر. فمعظم أعضائه كانوا يعيشون في المملكة العربيّة السعوديّة، مثل بن لادن، واقتبسوا الفكر الجهاديّ في السعوديّة أو أفغانستان أو باكستان.
وبدأ عمر عمله منذ 16 عاماً من أجل إعادة تراث وادي تريم الإسلامي القديم. وهو تراث عظيم لبلدة قاحلة مهجورة في الجزء الجنوبيّ الشرقي لشبه الجزيرة العربيّة.
ومنذ حوالي 800 عام، بدأ تجّار من تريم وأجزاء أخرى من حضرموت السفر إلى شاطئ بحر العرب والاتّجاه بسفن ضعيفة البنية إلى إندونيسيا وماليزيا والهند حيث تحسّنت أوضاعهم ونشروا ديانتهم. ويقول عمر إنّ تسعة رجال متديّنين جدّاً يتحدّرون من تريم يُطلَق عليهم الآن اسم “القدّيسين التسعة”، لأنّهم نجحوا في نشر الإسلام في آسيا.
وقال جون رودوس، أحد سكّان أريزونا يبلغ من العمر 32 عاماً ويدرس على نحو متقطّع في دار المصطفى منذ العام 2000، “إنّ هذه البلدة، وتراثها الذي يبلغ ألف عام، كانت المحرّك الأساسيّ لاعتناق 40% ممّن هم مسلمون الآن الديانة الإسلاميّة.” ويبدو أنّ تقاليد الصوفيين في وادي تريم ساهمت في تشكيل إسلام معتدل نسبيّاً في معظم أنحاء آسيا الجنوبيّة.
وبقي تجّار حضرموت يشكّلون شبكة ناجحة ومقدامة حتّى القرن العشرين. وجمع بعض منهم ثروات في المملكة العربيّة السعوديّة، من ضمنهم محمّد بن لادن، والد أساما، الذي أصبح قطباً مهمّاً في عالم البناء، وبقي في السعوديّة. في حين عاد بعضهم الآخر إلى بلادهم وبنوا قصوراً مذهلة بمثابة نصب تذكاريّة لنجاحهم، وما يزال عدد من القصور موجوداً، وهي متعدّدة الأنواع، منها ما بُنِي وفق فنّ المغول وغيرها وفق الفنّ العصري وغيرها هي آثار من الاستعمار البريطاني، وهي تتناقض ومنازل وادي تريم التقليديّة المصنوعية من الطين والقرميد.
وهرب معظم التجّار بعد سيطرة عصبة عسكريّة شيوعيّة على جنوب اليمن بعيد انسحاب البريطانيين من هناك في العام 1967. وقصورهم الآن مهجورة ومهملة، وهي كبيرة جدّاً بحيث لا يمكن للدولة حتّى أن تحافظ عليها في هذا البلد الذي يعاني فقراً شديداً.
وكانت سنوات السيطرة الشيوعيّة، التي استمرّت إلى حين توحّد شمال وجنوب اليمن في العام 1990، سيّئة بالنسبة لمن رفضوا القبول بالعلمانيّة الإجباريّة للحكومة الجديدة.
وقال عمر “إنّ بعض فقهاء الدين عُذِّب وقُتِل البعض الآخر، ورُبِط عدد منهم بمؤخّرة السيّارات وتمّ جرّهم في الطرقات حتّى الموت.” ووالد عمر، الذي كان أستاذاً مرموقاً يدرّس الدين في تريم، خُطِف وقُتِل.
وفي العام 1993، بدأ عمر بإعطار دروس في الدين مستوحاة من الصوفيّة في منزله. وبعد مرور 3 سنوات، انتقل إلى العمل في مدرسة تتألّف من مبنى أبيض من طابقين ومسجد خاصّ بها. ويرتاد هذه المدرسة الآن حوالي 700 طالب، ونصفهم على الأقلّ هم من جنوب آسيا وعدد متزايد منهم من البريطانيين والأميركيين.
ويبلغ عمر معظم الطلاب بين 18، وهو العمر الأدنى المطلوب، و25 عاماً. وعادةً ما يدرسون 4 سنوات في هذه المدرسة قبل العودة إلى بلادهم. ويشجّعهم عمر على متابعة حياتهم المهنيّة ونشر معتقداتهم بدل أن يصبحوا فقهاء في الدين.
لكن حتّى مع توسّع المدرسة، ازداد عدد المتطرّفين الإسلاميين في المنطقة. وكانت المملكة العربيّة السعوديّة، الواقعة على الحدود الشماليّة لليمن، تموّل مدارس دينيّة محافظة جدّاً وفقهاء قيّمين عليه من أجل المساهمة في التأثير الإيجابي بهذا المجال. وفي العام 1991، طرد الملك السعودي، الغاضب بسبب الدعم الشعبي اليمني لصدّام حسين في العراق، مليون عامل يمنيّ وأرسلهم إلى بلدهم بعد أن عاش الكثير منهم في المملكة لعقود طويلة.
أمّا الرئيس اليمني، علي عبد الله صالح، فقد آوى السعوديين ورحّب بالكثير من المجاهدين العرب الذين حاربوا في أفغانستان. وفي ما بعد، جنّد المجاهدين لمحاربة أعدائه السياسيين في اليمن، ورتّب ديوناً سياسيّة عقّدت جهوده في محاربة القاعدة.
واستقرّ بعض المحاربين السابقين في حضرموت، وبعد مرور سنتين، قُتِل واحد من أهمّ قادة القاعدة الإقليميين وضابطان في معركة شرسة مع الجيش اليمني على بعد مبنيين عن دار المصطفى.
وفي شهر آذار (مارس)، قتل انتحاريّ يرتدي حزاماً ناسفاً 4 سائحين كوريين ودليلهم السياحي اليمني في البلدة القريبة شيبام، وأعلنت القاعدة مسؤوليّتها عن الانفجار. وتراجعت السياحة القائمة على المغامرات في حضرموت (وقد لا يكون من المهمّ الانتباه إلى أنّ هذه الكلمة تعني أنّ الموت قادم) وصارت تقريباً منعدمة.
وقال الكثير من الطلاب في دار المصطفى إنّ القلق سار بينهم بسبب احتمال حصول صراع مع الإسلاميين المتطرّفين في حضرموت مع أنّ المدرسة بحدّ ذاتها لم تتعرّض لأيّ هجوم أو تهديد.
وفي جولة في تريم، أشار أحد المعلّمين في المدرسة يُدعى عبد الله علي بإصبعه إلى المنزل الذي قُتِل فيه قادة القاعدة. وقال إنّهم أمضوا بعض الوقت في هذه المكان هاربين من السلطات من خلال التنكّر بزيّ النساء ومرتدين عباءات سوداء سميكة. وتمّ اكتشاف عدد كبير من لمتفجّرات والأسلحة في ذلك المنزل.
وقال علي “نحن ملاطفون” (كلمة تعني الإنقاذ الإلهي من الخطر).
ويعترف عمر، على مضض، بأنّ مقاربته المعتدلة للإسلام لها الكثير من الأعداء في حضرموت.
ويعلّق قائلاً “يوجد الكثير من الاختلافات، لكنّنا نظنّ أنّ الطريقة المناسبة للتعامل مع هؤلاء الأشخاص هي تذكيرهم بمبادئ الإسلام وعدم شتمها.”
© c.2009 New York Times News Service