استدعتهم السلطة كمشبوهين فقط..

استدعتهم السلطة كمشبوهين فقط..

النمس والدبيلي وشرقة..خرجوا قبل 30 سنة ولم يعودوا
> الضالع – فؤاد مسعد
عندما اشتعلت الحروب الشطرية في سبعينيات القرن الماضي كانت مديرية دمت مسرحا رئيسا للصراع، ما جعل أبناءها يدفعون الثمن غاليا من دمائهم وأموالهم وأمنهم واستقرارهم، وحالة الاختفاء القسري التي تطالعنا بها السطور التالية تأتي ضمن الضحايا التي دفعت ثمن ذلكم الصراع الذي توزع فيه أبناء المنطقة على ضفتي النهر، قتل منهم كثير وشرد الآلاف من مساكنهم باحثين عن مكان لا أثر فيه للحرب التي أكلت الأخضر واليابس، إن كان بقي أخضر.
تقع قريتا “حقل الفارد” و”الموضع” شرق مدينة دمت على بعد 10 كم تقريبا، وحين يقرر أي من ساكني القريتين السفر لمدينة دمت عاصمة المديرية فإن أقل من ساعة واحدة مدة كافية للوفاء بالغرض، غير أن ذات المدة وأضعاف أضعافها لم تكن لتكفي لعودة 3 من الشبان غادروا منازلهم منذ ما يقارب ثلث قرن دون أن يعودوا.
في أواخر العام 1978 استدعت السلطات في دمت كلا من: أحمد قايد النمس (37 عاماً) من قرية حقل الفارد، مسعد محمد شرقة (30 عاماً)، من قرية حقل الفارد، ومحمد علي الدبيلي (28 عاماً)، من قرية الموضع، بالإضافة لاثنين آخرين هما أحمد الشغدري وزين الحمري، وكانا طاعنين في السن.
لبى الجميع النداء الذي وجهته السلطة، وفي مدينة دمت تم وضعهم في مبنى القيادة المعروف باسم “دار الحسن” نسبة لبانيه الأمير الحسن بن الإمام يحيى حميد الدين الذي كان عاملا على المنطقة في خمسينيات القرن الماضي.
يقول أحد الأقارب إنه بعد يومين وردتهم أنباء تفيد بأنهم نقلوا إلى العاصمة صنعاء بسيارة حكومية، وكان أفراد المجموعة مقيدين بالسلاسل ومعهم اثنان من الجنود، وبحسب رواية أحد الناجين فقد تم إيصالهم إلى مبنى مكون من 4 طوابق، تم توزيعهم في غرفتين تضم الأولى: زين الحمري وأحمد الشغدري وأحمد النمس، فيما وضع الباقيان في الغرفة الأخرى.
وكان المسؤولون هناك قد أجروا عدة تحقيقات شملت جميع المعتقلين، حيث وجهت لهم تهمة التخريب وإيواء المخربين، وهي التهمة التي كانت السلطة تلصقها بكل ما له علاقة بالجبهة الوطنية والمقاومين في المناطق الوسطى في تلك الفترة، يبدأ السؤال الافتتاحي: هل أنت مع المخربين؟ لتتبعه بقية الأسئلة.
مكثوا على هذه الحالة يومين، وفي منتصف الليلة الثالثة تم سحب أحمد النمس إلى الغرفة الأخرى التي كانت تضم زميليه محمد الدبيلي ومسعد شرقة. وهناك فكوا عنهم القيود وأخرجوهم إلى مكان آخر، وكان هذا آخر لقاء جمعهم بصاحبيهم الآخرين، حيث انقطعت الأخبار بينهم، وغادر الشغدري والحمري صنعاء بعد بضعة أشهر بحسب ما ذكر لـ”النداء” المحامي علي أحمد النمس.
حينها لاذ أهالي الضحايا بالصمت خوفا مما قد يجره البوح عليهم من تداعيات رأى الأقارب أنهم في غنى عنها، خصوصا والبلاد كانت تعيش نوبات صراع متواصلة.
وحين هدأت الصراعات مطلع الثمانينيات بدأ بعض الأقارب يطرقون أبواب المعنيين، ولكن دون جدوى.
 
***
أحمد النمس أكبر أعضاء المجموعة سنا
يقول المحامي علي النمس إن والده كان مغتربا في السعودية، وفي إحدى المرات التي قرر فيها العودة إلى الأهل والوطن، وبينما هو يحتفل مع بعض الأقارب والأصدقاء بقدوم ولده الصغير “محمد”، وصله نداء السلطة فلباه قبل أن ينتهي من مراسيم الاحتفاء بقدوم مولوده الجديد (أنهى محمد قبل سنوات دراسته الجامعية ويبلغ عمره 31 عاماً، ومثله بقية إخوانه الذين تركهم والدهم –أو أُجبر على تركهم- في سنواتهم الأولى، لتتولى والدتهم رعايتهم وتنشئتهم).
حين خرج أحمد كان “ناجي” أكبر أبنائه في السابعة من العمر، وهو الآن يبلغ 38 عاماً، بينما يبلغ عمر المحامي علي 36 عاماً، وهو يوم غادرهم والده كان في الخامسة من العمر، أما قايد الذي كان يومها في الثالثة من عمره فعمره اليوم يتجاوز 34 عاماً، وقد أصبح طبيبا يحمل مؤهل “ماجستير” في الطب.
علي لا يذكر من أمر والده شيئا غير ما سمع بعد ذلك من والدته التي تؤكد له أن والده لم يرتبط بأحد من أصحاب الصراع، وأصحاب الصراع حينها هم السلطة من جهة والجبهة الوطنية من جهة أخرى. لم يكن أحمد ضمن قوائم المتحاربين، ويوم قررت أجهزة الأمن استدعاءه لم يعترض على هذا الإجراء لثقته المطلقة بكونه غير منتم لتلك القوائم، استجاب مسرعا على أمل العودة لاستكمال الفرحة، لكن من كانوا هناك بانتظاره كان لهم رأي مغاير.
يقول المحامي علي النمس نجل المخفي قسرا: زرنا معظم سجون الجمهورية ومصحاتها لكن بلا فائدة. ويضيف: إذا كان قد تم تصفيتهم فنحن نتساءل عن مكان وزمان هذه التصفية، ويستدرك متسائلا: هل يحق لنا المطالبة بجثثهم إن كان قد تم قتلهم؟
 
***
محمد الدبيلي
الرجل الثاني في المجموعة هو محمد علي راجح الدبيلي الذي يقول أقاربه إنه كان مغتربا في الكويت، وعاد حينها إلى بلده، يؤكد ابنه راجح في حديثه لـ”النداء” أن والده لم تكن له علاقة تربطه بالأطراف المتصارعة، ويضيف أن والده ذهب بسيارته كالعادة إلى السوق لشراء بعض الاحتياجات حسب ما سمع فيما بعد من أقاربه.
كان عمر راجح وقتها لا يتجاوز 3 أعوام، يقول إنه لا يتذكر من تلك الفترة شيئا، كما لا يعرف عن والده سوى أنه خرج إلى السوق في واحد من الأيام العصيبة، وكذلك أخته التي تصغره بنحو سنتين هي الأخرى تفتّح وعيها على فجيعة رحلة لم يعد صاحبها الذي هو هنا أبوها.
راجح محمد الدبيلي يقول لـ”النداء” إن والده يوم خروجه كانت لديه سيارة وجنبية غالية الثمن لا أحد يدري أين ولا كيف جُرد منهما؟ هو كان يتصور أنه سيعود في أقرب وقت ممكن إلى بيته وأولاده، وهو نفس الشعور الذي كان يخالج جميع من تم استدعاؤهم في ذلك اليوم المشؤوم.
راجح الدبيلي يناشد عبر صحيفة “النداء” الجهات المختصة تقديم إفادة شافية عن مصير والده. هل من مجيب؟
 
***
مسعد محمد شرقة
كان يعمل في بلاد الغربة (الكويت)، وذات صيف ملتهب عاد إلى الوطن ليؤسس أسرة وبيتا جديدا، يقول أحد أقاربه إنه بعد زواجه بفترة قصيرة لا تتعدى بضعة أشهر، خرج ليلبي داعي السلطة وحملتها العسكرية.
دشن الحاج محمد أحمد عبدالكريم رحلة البحث عن ولده مسعد، وبهذا الخصوص خاطب وزير العدل قائلا: “إن لي ولداً يسمى “مسعد” وأخذوه يوم نزلت الحملة (العسكرية) بدون ذنب، وله مدة خمس سنوات ولا نعرف في أي حبس (سجن) ولا نعلم هو حي أم ميت؟”. (هذا الخطاب مؤرخ في 1983).
يوم خرج مسعد خروجه الأخير كانت زوجته حاملاً بولده الأول الذي سيكون الأخير أيضا، ولد “مراد” عقب اختفاء والده، نشأ وترعرع وعمره الآن 31 عاماً، وصار لديه أسرة جديدة بينما والده لا يزال عالقا في غياهب المجهول.
 
***
رحلة البحث عن مفقودين
يتفق أقارب الضحايا المختطفين على أن هؤلاء لم يكن لهم أي ارتباط سياسي أو انتماء لأي تيار أو طرف من الأطراف المتحاربة.
وفي أحاديثهم لـ”النداء” يقولون إنهم لم يتركوا مكانا توقعوا أن يكون أقاربهم موجودين فيه إلا ذهبوا إليه.
في يناير 1980 توجه أقارب المختفين قسريا برسالة إلى قائد قوات الشرطة العسكرية، جاء فيها: “المذكورين محابيس (سجناء) منذ سنة وثلاثة أشهر وهم أبرياء ولا نعرف أين حبسهم من يوم مسكوهم وأنت مطلع على قضيتهم، نرجو من سيادتكم الأمر إلى من يلزم لمعرفة وحل قضيتهم”.
وبدوره تولى الرد التالي:
“الأخ/ رئيس الجهاز المركزي (الأمن الوطني سابقا، والسياسي حاليا) غالب القمش المحترم
المذكورين بعاليه أخذوهم الضباط قبل سنة وأرسلوهم صنعاء للجهاز المركزي ولا أعلم عنهم إلا وقد حركوهم آنذاك وأنا قائد المحور وقائد الحملة السابقة قبل الأحداث..
تكرموا مشكورين بالبحث عنهم فهم لم يكونوا مخربين ولكنهم كانوا مشبوهين فقط..”.
وهناك ردوا على طلب أهاليهم بعدم وجود هؤلاء المشبوهين فقط!
رحلة البحث عن الثلاثة المصنفين بكونهم مشبوهين فقط، تواصلت في أكثر من مكان، لم ييأسوا على الرغم من أنهم شعروا أنهم كمن يطارد السراب.
بعد الإعلان عن قيام الوحدة في مايو 90، انتعش الأمل لديهم فتحركوا باحثين عن خيط يوصلهم إلى الحقيقة، فكان آخر توجيه رسمي بهذا الخصوص عبارة عن مذكرة وجهها الرائد عبدالقادر هلال مدير مديرية دمت بتاريخ 8/10/91، إلى مدير المصحة العقلية في تعز، ويطلب منه التعاون في البحث عن المذكورين كونها جاءت أخبار من بعض الأشخاص تقول أنهم موجودون في المصحة، لكن الأقارب لم يجدوا هناك ما يبحثون عنه.
مرور كل هذه السنوات التي تزيد عن 30 سنة، كفيل بطمس معالم الأمل الوحيد الذي تشبث به أقارب الضحايا (المفقودين) لفترة من الزمن.
الأبناء الصغار مع مرور الوقت كبروا بينما الحلم بعودة الغائبين أخذ يصغر شيئا فشيئا.
مات كثير من أقاربهم ومعهم مات الحلم ذاته، وإن ظلوا لفترة يتساءلون عن جدوى استقرار الأوضاع وعودة معظم الضحايا المحسوبين على طرفي الصراع، بينما لم يكن بمقدور أحمد ومسعد ومحمد العودة سيما وأنهم –وفقا لتأكيد أهاليهم- نأوا بأنفسهم بعيدا عن أتون المواجهة.