المقالح وحق الحياة

المقالح وحق الحياة

>عبد الباري طاهر
لعدة أسابيع والأستاذ الأديب: الصحفي والكاتب والمناضل السياسي محمد المقالح “مختف قسرياً” بعد أن اختطف في صنعاء.
ورغم احتجاجات مؤسسات المجتمع المدني والصحفيين والمحامين، والحزب الاشتراكي الذي المقالح عضو في لجنته المركزية، ومسؤول عن موقعه الالكتروني.
بذلت مساعٍ كبيرة حتى من أعلى المستويات لمعرفة مكانه دون نتيجة.
الدولة والأجهزة الأمنية التي لا تحتفظ بالسر، نجحت هذه المرة -وليتها لم تنجح في احتكار سر اختطاف المقالح.
يوماً عن يوم يصبح بقاء المقالح في دائرة الإخفاء تهديداً عامداً لحياته، والدولة المسؤول الأول عن حياة الناس الذين تحكمهم وأمنهم أيضاً. فالدولة -أية دولة- وفي أي زمان ومكان، هي المسؤول عن حياة وأمن محكوميها.
فالمادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تنص: “لكل إنسان حق في الحياة والحرية وفي الأمان على شخصه”. ويكفل دستور الجمهورية اليمنية كما كل دساتير الدنيا هذا الحق الذي له الأولوية على كل الحقوق.
ولكن لليمن قانونها الذي ليس بالتأكيد قانون الكتب السماوية الثلاث، ولا الكتاب والسنة، ولا العهود والمواثيق الدولية التي تذيلها الدولة اليمنية، ولا أقوال علي بن زايد الحكيم الزراعي. فالحكم اليمني يوافق على كل شيء ولا يلتزم بشيء.
محمد المقالح مواطن بسيط نذر نفسه للحياة المدنية الآمنة والمطمئنة. لم يحمل السلاح في وجه أحد، ولم يتبن الإرهاب أو يدافع عنه. فهو أديب وكاتب، ومن الأسرة الصحفية التي تدفع أغلى الأثمان لبناء يمن ديمقراطي حر وموحد.
من المعيب في الحياة أن نجد أناساً ثأريين وانتقاميين، ولكن الأخطر أن تكون السلطة داعية ثأر وضالعة في الانتقام، وتصفية الحسابات.
بدأت محنة محمد المقالح بضحكة حزينة في محكمة أمن الدولة، أدت إلى سجنه بضعة أشهر، وأطلق بعفو رئاسي قبل انقضاء مدة المحبوسية، ولكن “جريمة الضحك لا تغتفر”.
عود الثقاب الذي أشعل فتيل الحرب السادسة في صعدة، كان اختطاف الألمان العاملين في مستشفى السلام بصعدة، ولكن الدولة التي تشعل الحرب بسبب اختطاف الألمان كيف لها أن تسكت عن اختطاف صحفي ومعارض سياسي دون أن تهتم مجرد اهتمام بالأمر.
أكثر من شهر على اختطاف المقالح ولا تعرف عائلته وأطفاله ومحبوه أين هو؟!
تقوم القبيلة في ظل تسيدها بالاختطاف، ولكن اختطاف القبيلة أرحم ألف مرة، لأن القبيلة تعلن عن فعلتها و”تضيّف” بين مزدوجين ضحيتها، ويعرف الناس أن الضحية المختطف في ضيافة القبيلة، وتساوم القبيلة عن الفدية جهاراً نهاراً، وتنزل الدولة على حكم القبيلة باعتبار الاختطاف “ثقافة مشتركة” و”مرجعية واحدة”، وعندما يختطف مواطن فإن الوطن كله مختطف.
إن حياة محمد المقالح في خطر وخطر حقيقي. فعندما تمر أسابيع ولا يرد الحكم على الاتهامات والبيانات المتكررة والاحتجاجات والاعتصمات شبه اليومية، ومناشدات الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ومنظمات دولية، فإن حياة المقالح تصبح مهددة، وينبغي أن يكون رد فعلنا كمجتمع مدني في مستوى “تهديد الحياة”.
ندرك أن الحرب أعظم جريمة عند الله والناس، وأن حرب صعدة بوابة كوارث تبدأ ولا تنتهي، وأن الحراك الجنوبي كاحتجاج مدني كفله الدستور والإعلان العالمي يقابل بالقمع بالرصاص الحي، وبالاعتقالات التعسفية، وهناك عشرات في سجون الأمن في صنعاء يقدمون لمحاكمات غير نزيهة وغير عادلة، والمئات منهم يقبعون في سجون عدن وحضرموت وغيرهما، وهم مئات. وبمقدار تعاظم الاحتجاج والاحتراب يزداد الحكم شراسة ودموية وعنتاً. تصادر في عدن صحيفة “الأيام” الأسبوعية بدون حكم أو مساءلة، ويتعرض العشرات من كوادرها وأسرهم للتجويع والتشريد، وفي صنعاء يعتقل الصحفيان: فؤاد راشد، وسلطان السقلدي، وهما من مؤازري وناشطي الحراك الجنوبي. ويمنع رئيس تحرير “الشارع” من ممارسة مهامه بحكم متعسف. كما تتعرض صحف “المصدر”، و”الأهالي”، و”الناس” للتضييق والرقابة المسبقة والمساءلة بين الحين والآخر. كما تتعرض الناشطة الشجاعة توكل كرمان للاعتداء دون أن نرفع أصواتنا.
الحسم العسكري الذي لا يأتي في صعدة ينعكس قمعاً وهراوة غليظة ضد الاحتجاجات المدنية في الجنوب وحتى تعز. كما تدفع الحياة المدنية ثمناً باهظاً يتجلى في أزمة المياه والإطفاء المتكرر للكهرباء على مدى اليوم، وتتنمر الأجهزة الأمنية في شوارع المدن ضداً على الاحتجاج وحرية الرأي والتعبير.
استمرار القمع الدامي ضد الاحتجاجات المدنية، والمزيد من قمع الصحفيين والحريات الصحفية، ووضع رقابة مسبقة على الصحافة الأهلية والمستقلة لا يخدم إلا المزيد من الإيغال في الحرب، وإيقاظ الفتن “غير النائمة” في أكثر من مكان.
وعندما تتنافس الدولة مع المجتمع الأهلي -القبيلة- على الاختطاف، فإنها -شاءت أم أبت- تصبح قبيلة كبيرة، أو قبيلة كبقية القبائل، وتفقد خاصيتها وهويتها كهيئة فوق المجتمع تدير خلافاته ولا تقمعها، وترعى مصالحه ولا تصادرها.
إن الإصرار العامد على الاحتكام للعنف، وسفك الدم، ومصادرة الحقوق، وكبت الحريات ليس له من نتيجة غير تمزيق اليمن، وتدمير وحدتها، وإضعاف الكيان اليمني إن لم يكن تدميره. والمأساة أن يحدث ذلك تحت دعاوى حماية الوحدة والديمقراطية.
في قضايا: اختطاف المقالح واعتقال الصحفيين ومصادرة الحريات الصحفية، واستمرار إيقاف “الأيام”، وفرض رقابة مسبقة على الصحف.. يستدعي الأمر ردود أفعال بمستوى العدوان نفسه. للأسف لم يكن موقف النقابة في نفس المستوى، وهناك غياب واضح لدور المشترك، وتقاعس في موقف الزملاء الصحفيين، ومؤسسات المجتمع المدني.
سلبيتنا في الرد تحرض المعتدين على الإيغال في التنكيل بنا. تتحمل الدولة بالدرجة الأولى مسؤولية إخفاء المقالح، ولكننا كزملاء مهنة مسؤولون عن تصعيد الاحتجاج، لأنه حقنا وسلاحنا الوحيد.
لتستشعر أن إخفاء المقالح يعني أول ما يعني تهديد حياته، وهو أول صحفي بل إنسان تهدد حياته ضحكة.