المركزية المائية هي الأهم

المركزية المائية هي الأهم

> امين محمد شرف
كثيرا ما نسمع أن اليمن بحاجة إلى إستراتيجية مائية للتغلب على قلة المياه وانخفاض منسوبها في أحواض المياه الجوفية. والحقيقة أننا بحاجة إلى مركزية مائية وليس إستراتيجية مائية، فالمركزية المائية أشمل وأوسع من الإستراتيجية المائية، وهي الأهم في حياة الدولة.. فلماذا لا يفصح خبراء الإستراتيجية المائية عنها منذ زمن بعيد؟ يبدو أنهم من أنصار اللامركزية أو الفيدرالية المائية.
وإذا كان كل شيء قد أصبح ممركزا وخاضعا للمركزية ولوجود الدولة المركزية ابتداء من التنمية، مرورا بالبنك المركزي عفوا الحزب المركزي الذي يمكن من خلاله تخفيض الرواتب والتقتير على حياة الموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، وإفقار الأغلبية منهم دون أن يشعروا بذلك، وخصوصا أولئك الذين لا يظهرون ولاءهم للسلطة المركزية.. أما الذين تظل قلوبهم وعقولهم حامية وحارسة للسلطة، فيمكن أن يستفيدوا من النظام المالي المركزي الموازي (نظام المكافآت والحوافز والمساعدات والنثريات والبدلات)، وإسناد أكثر من وظيفة لهم.. هذا فضلا عن أن الوظيفة العامة أصبحت تحت السيطرة المركزية، وكذا خدمات الاتصالات والخدمات الأمنية والقضائية والكهرباء وغيرها من أوجه الحياة في الدولة صار خاضعا للمركز، بما في ذلك الترقيات في الدرجات الوظيفية المدنية والعسكرية، وكذا التعيينات في المناصب المدرة للحليب وتلك التي لا تدر حليبا.. وهذا يدل على أن الدولة وصلت إلى مرحلة متقدمة من البناء المركزي “الحديث”، إلا أنه للأسف هناك بعض المجالات التي لم يتم استكمال مركزتها ومنها مياه الشرب.
وكما يقول المثل “ما مليح إلا وحمى”.. صحيح أن إدارة المياه ممركزة، ومن خلالها يمكن اتباع الحكمة السياسية القائلة “ما بدا بدينا عليه”، لكن المياه نفسها يجب أن تمركز وتصرف قطرة، قطرة، حتى يعرف الشعب أن الديولة حق وواجب.
ويمكن مركزة المياه بطريقة بناء الخزانات العملاقة على رؤوس الجبال المحيطة بالعاصمة، وبالتالي صرف المياه وفقا لرغبة القيادة العليا في مختلف أنحاء الجمهورية، وتعيين وزير في الحكومة خاص بصرف المياه، ومنع المياه عن أحزاب المعارضة والمعارضين عموما، والتقتير عليهم وعلى تلك المناطق أو المحافظات المتمردة، وهو ما يمكن أن يطلق عليه في القوانين الحديثة “ممارسة العقاب الجماعي”، وفي المصطلحات العسكرية قانون “السيئة تعم والحسنة تخص”.
ولما كان الماء هو أساس الحياة، فإن بواسطته يمكن التحكم بكل شيء، إذ إنه يمكن إجبار الناس على الخضوع والولاء وطاعة رمز الدولة ومن يمثلونه، ففي سبيل شربة الماء يمكن للإنسان أن يدفع أغلى ما يملك.. قد يستطيع الإنسان أن يستغني عن الطعام، لمدة طويلة، ويمكن أن يستخدم بدائل أخرى للطعام، فقد يأكل لحاء الأشجار وأوراقها، أو يأكل أنواعا مختلفة من التربة، لكنه لن يستطيع الاستغناء عن رشفة واحدة من ماء الشرب.
وبواسطة الماء يمكن إخماد الانتفاضات والحركات والحراكات بمختلف مسمياتها، فلو كانت مياه الشرب تصرف لصعدة من صنعاء لما تجرأ الحوثي أن يخرج على ما يسميه بالحاكم الظالم وفقا للمذهب الزيدي (الانقلابي الثوري). وبقطع مياه الشرب عن صعدة يمكن إعادتها إلى حظيرة الطاعة، وخلال أيام معدودات، بل ولما تجرأت هذه المحافظة أن تقف في وجه التوريث الذي يعارضه المذهب.
لقد أثبتت التجربة المركزية في اليمن أن الدولة قادرة على امتصاص السيولة المالية من مختلف أنحاء الجمهورية، وتجفيف كافة الأوعية الادخارية لمختلف الشرائح الاجتماعية، وتحويل الناس إلى أرصفة البطالة والفقر والجوع والـ”حيرفة”، حيث نقلت أكثر من 50% من الشعب من فوق خط الفقر إلى خانة المتسولين وهكذا، فلم يبق من مظاهر الدولة المركزية الحديثة سوى السيولة المائية وعدد من القضايا ليس مكانها هنا. ولما كانت تجربة المركزية قد أثبتت فاعليتها، فإنها في المجال المائي ستثبت فاعلية أكبر. وإياكم ممن يدعون إلى اللامركزية، فشياطين اللامركزية والفيدرالية كثيرون، ويتربصون بنا الدوائر، وما الدولة الفيدرالية الأمريكية وكذلك الدولة الفيدرالية الألمانية وغيرهما من الدول الاتحادية في أوروبا وأمريكا الجنوبية إلا كذبة كبرى.