القوة بدلاً من الحوار،،

القوة بدلاً من الحوار،،

> د. محمد النعماني
المتابع لمجرى الأحداث الجارية في اليمن والساحة الجنوبية سوف يحس أن الأوضاع تسوء يوما بعد يوم، وأن هناك حالات من الفوضى والانفلات الأمني تشهدها اليمن بشكل عام والجنوب بشكل خاص، وأن ميزان القوى يتغير على الأرض ما بين حين وآخر، وحسب الوقائع والمتغيرات اليومية. ويبدو أن صراع تقاطع المصالح الإقليمية والعربية والدولية، يفرض نفسه وبشكل قوي يوما بعد آخر، وأن أية نتائج تحقق على الأرض تفرض نفسها وبقوة في أي تفاوض يجري الآن سواء ما يتعلق بالحرب في صعدة أو بالحراك السلمي في الجنوب. ومؤشرات الخطاب الإعلامي السلطوي واضحة جدا سواء خطابات التخوين والتكفير ضد المعارضين السياسيين للنظام والمطالبين باستعادة الدولة الجنوبية وفك الارتباط. ويذهب الكثير من هؤلاء في مطالبهم إلى المطالبة باستعادة الجنوب العربي، وهو تيار جنوبي ينمو كل يوم، ويتسع أكثر في الساحة الجنوبية أمام عجز السلطة في احتواء قوى الحراك الجنوبي وحسم الحرب في صعدة.
وكانت مسيرات يومي 13 و14 أكتوبر في الجنوب بمثابة الاستفتاء الحقيقي الواضح لقوى الحراك الجنوبي وقدرتها على حشد وتحريك الجماهير. وأمام ذلك لجأت السلطة اليمنية إلى استخدام العنف المسلح ضدهم، وزجت بالعديد من قيادات الحراك الجنوبي في السجون في سياق الحملات التي تقوم بها لقمع وإيقاف الحراك السلمي الجنوبي. وتكشف العديد من الوقائع والأحداث التي شهدتها العديد من مناطق الجنوب والمجزرة المرتكبة ضد المعارضين لها في محافظات أبين والضالع وعدن وحضرموت، عن زيف ادعاءات السلطة بالديمقراطية التي تلجأ إليها عند الضرورة لتقيد بها حركة المعارضين لها والاحتجاجات والمظاهرات الواسعة التي تشهدها اليمن بشكل عام والجنوب العربي بشكل خاص منذ 4 سنوات ماضية.
واليوم توعدت السلطة اليمنية بوضع حد للمسيرات وتنظيم المظاهرات “غير المرخصة” في المحافظات الجنوبية وغيرها من المحافظات التي قالت إنها “تتسبب في إقلاق الأمن والاستقرار وينجم عنها مظاهر فوضى وشغبـ”. وحثت وزارة الداخلية إداراتها في فروع المحافظات اليمنية على ملاحقة منظمي المسيرات و”المحرضين على قيامها”.
ونقل مركز الإعلام الأمني عن قيادة وزارة الداخلية قولها “إنها لن تتساهل مع المسيرات والمظاهرات التي تستهدف بدرجة رئيسية الأمن والاستقرار والسلم الأهلي”. وتكشف تلك الوعود والتوعد لكل المراقبين لكل ما يجري في اليمن من حرب في صعدة وحراك سلمي في الجنوب، عن حالة التخبط والإفلاس والعجز وازدواجية الخطاب الإعلامي السلطوي والموقف من قضايا الإنسان والحريات الديمقراطية والتعبير عن الرأي، حيث إن هذا التوعد والإعلان دليل قاطع على تراجع الحكومة اليمنية عن التزاماتها بالمضامين التي نصت عليها مواثيق الأمم المتحدة والمتعلقة بقضايا الإنسان وحريته وحقوقه.
هذا الإعلان جعلني أتساءل متى تستخدم السلطة اليمنية الديمقراطية وتضعها كخيار لحل كل مشاكل اليمن؟ ربما نستطيع القول إن الوحدة تمت بالطريقة الديمقراطية.. ولكن جرى التآمر على الوحدة وإفراغها من مضمونها الأخلاقي والجمالي، وجاءت حرب صيف 1994 لضرب هذه الديمقراطية التي ولدت في اليمن مع بداية الوحدة، وشكلت تراجعاً حقيقياً وفعلياً عن وثيقة العهد والاتفاق، وتراجعت السلطة الحاكمة ومراكز القوى المتنفذة عن الديمقراطية، ولجأت إلى الحرب وفرض الوحدة بالقوة على الجنوبيين، وهي الحرب التي أفرزت وقائع كثيرة وتغييرات في الديموغرافية السكانية، وطمس الهوية الجنوبية، وأدت في نهاية المطاف إلى ما هو حاصل اليوم في الجنوب، ورفض الجنوبيين للوحدة ونتائج حرب صيف 1994، وبالتالي اليوم وأمام هذا الإعلان تفرض السلطة خيارات أخرى أمام قوى الحراك الجنوبية، وهي خيارات متعددة منها العصيان المدني، واللجوء إلى الدفاع عن أنفسهم بطرق متعددة، وخاصة أن هناك مناطق عديدة محررة من قوى الحراك الجنوبي يصعب على السلطة الوصول إليها، وبالتالي تكون السلطة بهذا الإعلان والمنع والتوعد قد فتحت لنفسها جبهة قتالية أخرى تجد نفسها في نهاية الأمر في مستنقع أكثر تماسكاً وقوة من مستنقع الحرب في صعدة. وما الأخبار التي نقلتها العديد من الصحف والمواقع الإخبارية اليمنية والعربية والعالمية عن الاشتباكات في محافظة الضالع بين مسلحين وقائد عسكري ومرافقيه في منطقة سناح، الأسبوع الماضي، وأدت إلى إصابة القائد العسكري الذي يشغل منصب قائد كتيبة الدبابات في اللواء العسكري 135 المرابط هناك، إلا دليل قاطع على الخيارات المفتوحة لقوى الحراك الجنوبية لفرض وقائع أخرى في مشاورات ولقاءات الأطراف المعنية بالملف الجنوبي، وتظل التكهنات والتخمينات كثيرة… ولكن يمكن القول بأن المفاجآت القادمة ستكون أقوى وبكل تأكيد.