اليمن.. إنها الحرب!

اليمن.. إنها الحرب!

>منصور هائل
إذا كانت الحرب المستعرة في صعدة تعتبر الأشرس والأعنف والأكثر خطورة وخراباً من كافة الحروب السابقة بتدميرها المباشر لثلاث محافظات، واستنزافها لاقتصاد البلاد، وإشاعتها لمناخات العنف والخراب المادي والنفسي في عموم البلاد، بعد أن أسفرت عن قتل الآلاف وجرح عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف، وما زالت تلتهم المزيد من المتحاربين والأبرياء والطاقات والقدرات والأحلام.
وإذا كانت الخسائر الفادحة الناجمة عن هذه الحرب تجعل من احتمال إسدال الستار عليها مستحيلاً، وتغوي طرف السلطة بالتمادي في اقتراف المهمة المستحيلة المتمثلة بـ”الحسم العسكري”، فإن الأمر المؤكد هو أن هذه الحرب تقف في صدارة الحروب ولا تختصرها كما لن تسمح بأن تكون موجزاً مبسطاً للكارثة.
والحاصل أن جميع العناصر والبصمات والصور في الحروب والمواجهات التي تستعر وتستشري وتنتشر في أرجاء متفرقة من البلاد، غدت ترسم بصواعقها وأدخنتها أقواس “الأفغنة” و”الصوملة” و”العرقنة” وإلخ، وتلك حقيقة فاقعة لا يمكن حجبها بحرب واحدة.
والمعلوم بل المحسوم أن البلاد بعمومها ستمضي في فلك الحرب المستدامة، وذلك هو البديل الطبيعي الفج للامتناع عن مواجهة تحدي “التنمية المستدامة”، واستطراداً كان من شأن الفشل الفاضح في إنجاز مشروع الدولة، إخلاء المجال لأن يستمر الحضور الكاسح لما قبلها وما دونها، وأن ينفسح واسعاً لانفتاح وانتفاخ وتورم جيوب وجبهات الحروب التي تتغذى من بعضها وتنتعش ومعها تنتعش عصبياتها، وتتقوى باستحضار شتى عناصرها وبطولاتها وأبطالها ومقولاتها القديمة والقيامية والانتقامية.
وبدلاً من الغرق في سيل الأخبار المتدفق من وسائل الإعلام ليجرفنا في مجراه حين يتحدث عن قتل لبنانيين أو صوماليين أو إيرانيين قدموا من بلدانهم إلى محرقة صعدة، وعن شحنات وصفقات أسلحة مهربة إلى اليمن؛ موطن البراءة والعفوية، من الصين وإيران و”الإمارات” أخيراً و… الخ.
وبدلاً من الانهماك في فرز الألوان والخيوط المترادفة والمتشابكة في خضم ما يجري ويدور ويتفاعل، يتوجب إمعان النظر في المجرى العام للخراب النابع من دخائلنا من منطلق الإقرار بأن يوميات البلاد كانت ولا زالت مسمومة بالعنف والفساد حتى الثمالة. وعليه فإن الحرب صارت هي الوظيفة الأرأس، ومجال العمل الأطغى، والمنتج الوحيد المتجدد.
وعلى ذلك، فإن اليمن لم تنتج خلال العقود الأخيرة غير “مجاهدين”، ولم تصدر غير هذا المنتج إلى أفغانستان أولاً ثم إلى العراق ولبنان، وإلى السعودية هذه الأيام، وإلى أن صارت -أي اليمن- بمثابة فرصة ذهبية لـ”القاعدة” تفوق بأضعاف الفرص الصومالية.
من هنا كان اختلاط المخاوف من الإرهاب والتطرف ومنابعه ومدارسه في اليمن، والمخاوف على النفط ومنابعه من فائض العنف والحروب في اليمن، التي غدت بمثابة ثقب أسود كبير يتسع لاجتذاب جميع الفاعلين الذين انساقوا للاشتغال بالحرب وعليها بقصد ومن غير قصد، وما كان للرئيس علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي أن يكونا في الصدارة إلا لأنهما الأكثر دهاءً وخبرة وجدارة في هذا الميدان، وتلك أمور محكومة بخلفيات البيئة والتكوين وطبائع الأشياء وهاويات الأيديولوجيا.
وفي السياق، كان لتنظيم القاعدة أن يكون قوة موازية وحتى منافسة، ويمكن له أن يحتفظ بمركز القوة الثالثة إلى أن يحيي دوره وينفجر حرباً على الداخل وعلى الخارج والمحيط الإقليمي، وعلى السعودية بصفة مباشرة وخاصة.
وتتضاعف المحن في ظل العطالة السياسية ورثاثة وهشاشة النخب التي يفترض أن تكون شغالة في حقل السياسة وإنتاج البدائل عبر نحت لغة تتوسل الإقلاع عن مسرح الحروب والخراب، وتجترح شروط وإمكانيات الحياة والسلام من خلال الوقوف على عتبة المواطنة كشرط شارط للخروج من دائرة التحلل والتآكل بأنياب ومخالب العصبيات والعصابات وأمراء وتجار الحروب: سادة الخراب.
[email protected]