محمد حيدرة مسدودس لـ«النداء»:رؤية اللقاء المشترك للإنقاذ الوطني حصرت المشكلة في رأس الرئيس وهذا ليس صحيحاً (1-2)

محمد حيدرة مسدودس لـ«النداء»:رؤية اللقاء المشترك للإنقاذ الوطني حصرت المشكلة في رأس الرئيس وهذا ليس صحيحاً (1-2)

> نصحت قياديين في الحراك بعدم قبول الرؤية وعدم رفضها
> عرض عليَّ علي محسن الأحمر المشاركة في السلطة فقلت له: بأي وجه سأظهر معكم؟
> العسكر وليس الشعب من أسقط  عمر الجاوي في انتخابات 1993
> اللقاء المشترك مطالب بأن يحدد هويته وموقعه كي يوجد لغة مشتركة مع السلطة أو مع الحراك

في البدء كان تيار «إصلاح مسار الوحده». لكن محمد حيدره مسدوس لم يرد في هذا الحوار الذي تنشره «النداء» على جزئين أن يتحدث كثيراً عن معارك الماضي التي خاضها داخل الحزب الاشتراكي لإقناع الأغلبية في هيئاته بضرورة التمترس في الجنوب من أجل القضية الجنوبية والوحدة معاً. الماضي لا يحضر في هذا الحوار إلا متى أدى وظيفة كاشفة  للحاضر والمستقبل. وعبر ساعات هذا الحوار اعتمد أحد أبرز مؤسسي تيار إصلاح مسار الوحدة نبرة هادئة حتى وهو يخوض في مسائل الحاضر المحمولة بالصخب والهياج، وأسئلة المستقبل المسوَّرة بالنار، وتجارب الماضي المغمسة بالأحزان والمرارات.
كان هادئاً، تماماً كما هو في اللحظة الراهنة، اللحظة التي توارى فيها عن سبق إصرار -كما قال لي- عن واجهة المشهد الجنوبي بسبب قلبه الذي يقاسي التضخم، ولكن أيضاً بسبب عقله الذي يقدِّر أن الأيام الجنوبية المقبلة تحتاج إلى دوره في ظلال المشهد بأكثر مما تتطلب حضوره في أضواء الواجهة حيث يتسابق كثيرون على حجز موقع لهم في الصدر! والحاصل أن محمد حيدرة مسدوس، الرجل الذي اختار أن يتوارى، حاضرٌ، كما يبرهن في هذا الحوار، بأكثر مما يتصوره أشد الممسوسين به، داخل الحزب الاشتراكي أو في السلطة أو في الحراك. وبالنظر إلى حساسية موقعه الريادي في الحراك، فقد تقرر أن يتم هذا الحوار طبق اتفاق مبادئ بيننا.
يقضي المبدأ الأول بأن نتجنب الإشارة إلى الخلافات بينه وبين رفاقه في الحزب، الأحياء قبل الأموات، حول قرارات الأغلبية الحزبية بشأن الانتخابات ومصير الوحدة بعد حرب 1994.
وقد تم الالتزام من قبلي بهذا المبدأ إلا متى وجبت الإشارة إلى مواقف سابقة تعين على قراءة تطورات راهنة.
المبدأ الثاني كان بشأن رأيه في التطورات المتسارعة في الجنوب والتقلبات الدرامية في المواقف والاصطفافات جنوباً وشمالاً. وكان الاتفاق على أن يتم الحوار بالمسجل كي يكون نابضاً بالحياة على أن يتم نشره بعد حذف كل ما قد يتسبب في جرح أشخاص، أياً تكن مواقعهم ومواقفهم.
والحق انني لم أجد وأنا أحرِّر هذه المادة ما يستوجب الحذف، فقد بدا مؤسس «تيار اصلاح مسار الوحدة» يقظاً ومتحوطاً عبر مسار هذا الحوار. وقد سد -كما أزعم هنا- كل منفذ من شأنه أن يحرف مسار علاقته بالصحيفة حتى لا يضطر لتأسيس تيار إصلاح مسار الصحافة المستقلة.
وقضى المبدأ الثالث بأن يطلع على نسخة من الجزء الأول من هذا الحوار قبل نشره، على أن لا يجري أي تعديلات أو تصويبات إلا بالتفاهم معي، ومتى قدِّر أن في ما حُرِّر تجاوزاً للمبدأين الأولين. واعترف هنا أنني خرقت هذا المبدأ، إذ أن مشاغل عدة حالت دون إرسال نسخة من الحوار في التوقيت المتفق عليه (مساء الخميس أو نهار الجمعة).
 وفي هذا الحوار يعرض محمد حيدرة مسدوس مواقفه من التطورات التي حدثت خلال العامين الماضيين. ومن موقعه الأصيل داخل الحياة السياسية، وبخاصة في قلب الحراك الجنوبي -رغم وجوده في العاصمة -يقدِّم للقارئ زوايا جديدة للنظر في أعماق الحراك الجنوبي ومقدماته ومساره الذي بدوره قد يحتاج إلى تيار إصلاح -ليس علنياً بالضرورة- يحول دون انزلاق مكوناته نحو العنف والإقصاء والانعزالية. 
 
– حوار: سامي غالب
> لجنة الحوار الوطني أطلقت مشروعاً، ودعت مكونات الحراك والقوى السياسية في الداخل والخارج إلى الحوار. هل يمكن أن يستجاب لها؟
 – لابد لأي حوار أن تكون له موجبات موضوعية، هذه الموجبات هي أصلاً موجودة، لكن الإخوة في المشترك ولجنة الحوار الوطني ابتعدوا كثيراً عن هذه الموجبات. ولأنهم ابتعدوا عنها فأعتقد ألا تكون هناك استجابة من المعارضة في الخارج. القضية الجنوبية لها طرفان: الطرف الجنوبي والسلطة. الجنوبيون في 1994، كانوا طرفاً في الأزمة، وطرفاً في الحرب، ومن البديهي أن يكونوا الآن طرفاً في الحوار، وطرفاً في الحل، سواءً كان الطرف المقابل لهم هو السلطة أو المعارضة. هذه القضية (الجنوبية) تتطلب بالفعل حواراً، الوثيقة للأسف ذهبت بعيداً عنها. نفس الشيء بالنسبة لمشكلة صعدة، الوثيقة لم تتناولها بشيء من الحلول. كنت أفضل أن يوجه الإخوة في المشترك ولجنة الحوار دعوة للجنوبيين، ودعوة للحوثيين، كلٍّ على حدة. يبحثوا مع الجنوبيين القضية الجنوبية وكيفية حلها، ويبحثوا مع الحوثيين مشكلة صعدة وكيفية حلها، وبعد أن يتفقوا على حل القضية الجنوبية مع الجنوبيين، ويتفقوا مع الحوثيين على حل لمشكلة صعدة، كان بالإمكان إيجاد وثيقة يتحقق إجماع عليها، وتتشكل جبهة وطنية تضم هذه الأطراف.
> على حد علمي فإن ترتيبات تجري حالياً مع شخصيات لها وزن في الخارج مثل علي ناصر محمد وحيدر العطاس لبحث هذا الموضوع.
 – إن كانت الدعوة للجنوبيين كجنوبيين لبحث القضية الجنوبية والاتفاق على حلها، هذا ممكن. لكن الدعوة إلى الحوار أو إلى مؤتمر وطني على أساس الوثيقة التي اطلعنا عليها فأنا لا أعتقد أنها ستكون دعوة مجدية، ولا أعتقد أنها ستلقى استجابة.
> علاوة على هذا النقد للآليات، ما هي ملاحظاتك الأخرى على هذه الوثيقة؟
 – المشاريع تكون في العادة خلاصة للحوار مع أطراف المشكلة، لا أن يصممها طرف واحد، وهو لا يدرك كيف يفكر الطرف الآخر حيالها. في تقديري الشخصي أنها لن تكون مجدية، وأقترح على أصحابها تجاوز هذه الوثيقة، وأن يدعوا الجنوبيين للحوار حول كيفية حل القضية الجنوبية.
 > أي أنك تعتقد أن هذا المشروع لا يصلح لأن يكون ركيزة، أو منطلقاً، لحوار مع مختلف الأطراف، وبخاصة الحراك الجنوبي.
 – نعم. المفروض تكون الدعوة للحوار على أساس مبادئ، وتترك التفاصيل للحوار. الوثيقة جاءت بكل التفاصيل بصورة غير واضحة، ولا تؤدي الغرض، وكان من الأفضل للإخوة الذين دعوا للحوار وفق هذه الوثيقة، أن يذهبوا للرئيس ويقنعوه بالمشكلات.
 > هم يقولون إنهم دائماً في لقاءاتهم مع الرئيس يطرحون عليه هذه المشكلات وأهمية الاعتراف بها كمدخل لمعالجتها، لكن دون جدوى. حتى إن أحد هذه القيادات قال لي إنهم يائسون تماماً من الرئيس، وما من بديل سوى الذهاب للتفاهم مع الحراك والحوثيين.
 – إنْ كان هذا صحيحاً فلماذا لا يقولون للرأي العام المحلي والخارجي بأنهم قد طرحوا المشكلات على السلطة، وطلبوا منها الاعتراف بها وإيجاد حلول لها والسلطة رفضت. إذا يريدون معالجة المشكلات بشكل عملي وجدي ممكن يقومون هم بوظيفة السلطة.
  > تقصد أي وظيفة، هل تقصد أن يذهبوا مباشرة للحوار مع الأطراف الأخرى؟
 – التعامل مع القضية الجنوبية والتعامل مع مشكلة صعدة. يعقدون مؤتمراً صحفياً، ويعلنون اعترافهم بالقضية الجنوبية، ويدعون الجنوبيين للحوار من أجل إيجاد حل لها، والأمر نفسه بالنسبة للحوثيين. بعد أن يتفقوا مع الجنوبيين حول كيفية حل القضية الجنوبية، وبعد أن يتفقوا مع الحوثيين حول كيفية حل مشكلة صعدة، يمكن هنا أن تتشكل جبهة موحدة ويفرضوا الحل الذي يتفقون عليه عبر عصيان مدني.
 > أيمكن في الوقت الراهن أن ينفتح الحراك الجنوبي على أحزاب المشترك؟ تعلم أنه في الفترة الماضية وجدت أزمة ثقة ومصداقية. قياديون في المشترك يشيرون إلى أن الحراك يتعامل مع أي بيان للمشترك يؤيد مطالبهم باعتباره محاولة للالتفاف على الحراك أو اختراقه.
 – هذه موجودة فعلاً. وتجاوز أزمة الثقة هو في يد اللقاء المشترك والمعارضة. ويمكن للمعارضة أن تزيل أسباب هذه الأزمة، وتثبت للآخرين مصداقيتها. اللقاء المشترك، والمعارضة عموماً، لم يكن موقفه من القضية الجنوبية إيجابياً منذ البداية، تم اعتماد أسلوب التجاهل تجاه القضية الجنوبية، وهذا أعطى انطباعاً لدى الشعب في الجنوب بأن الكل تخلى عن قضيته. معالجة أزمة الثقة الآن في يد المعارضة (المشترك) بأن تبرهن للجنوبيين أنها صادقة ومستعدة للعمل من أجل معالجتها.
 > قيادات وناشطون في الحراك يكررون دوماً بأن الحراك يخرج في مسيرات واعتصامات في المحافظات الجنوبية، ويسقط جراء ذلك شهداء وجرحى ويُقتل العشرات، فيما الشارع في العاصمة ومدن أخرى في الشمال هادئ، وكأن ما يجري في الجنوب لا يعنيه، وهم يحملون المشترك مسؤولية هذا التراخي. ويحضرني الآن ما قاله لـ”النداء” ناشط في الحراك قبل نحو عام ونصف العام، رأى أن المشترك غير مطالب بالمشاركة في فعاليات الحراك في الجنوب بقدر ما هو مطالب بإثبات صدقيته في معارضة السلطة في الشمال، وتحريك مسيرات واحتجاجات ضد المظالم التي يكابدها أبناء الشمال، وسيتم اللقاء بين الحراك والمشترك تلقائياً. ما يعني أن قيادات الحراك يريدون من المشترك توكيد مصداقيته أولاً قبل إطلاق أية دعوات أو مبادرات.
 – هذا كلام صحيح من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية في صعوبة. أنا شخصياً لا أعتقد أن المشترك والمعارضة ليست لديهما رغبة في تحريك الشارع الشمالي. أنا مقتنع أن لديهم رغبة، لكن يشعرون بصعوبة تنفيذ ذلك.
> تقصد أن المسألة مسألة قدرات؟
 – لا. الصعوبة قد لا تكون موجودة في أذهان الناس، أو أنهم لا يريدون لهذه الصعوبة أن تظهر، لكنها موجودة في الواقع. أذكر أنني ناقشت الشهيد جار الله عمر حولها قبل استشهاده بعدة سنوات، تقريباً في أواخر 1997، بعد الانتخابات النيابية. جرى ذلك في بيتي، وبحضور عبدالواحد المرادي. كنا مختلفين حول موقف الحزب من القضية الجنوبية، وبادر المرادي واقترح أن نجلس، جار الله عمر وأنا، لنتفق أولاً، وبعد أن نتفق يمكن أن نوسع نطاق النقاش ليشمل أعضاء المكتب السياسي. جاء إلى بيتي (السابق في منطقة حدة) جار الله عمر وعبدالواحد المرادي. قلت لجار الله عمر خلونا نقرأ الواقع بشكل سليم إذا نريد الحفاظ على وحدة الحزب، وكي يبقى قائداً في الجنوب. أنا متأكد أن الواقع في الشمال أفضل، ولو نسبياً، عما كان عليه قبل الوحدة. سألني: من أي ناحية أفضل؟ قلت من الناحية السياسية، الناس كانوا مقموعين ولا يستطيعون النقد، ولا يوجد هامش لحرية الصحافة أو حرية العمل الحزبي، وكان الدستور الشمالي يقول من تحزب خان، هذا قبل الوحدة، أما الآن فهذا ليس موجوداً، ما يعني أن الوضع من الناحية السياسية أفضل مما كان عليه قبل الوحدة. صحيح أن الديمقراطية شكلية، لكن بالمقارنة مع ما كان قبل إعلان الوحدة، الوضع أفضل نسبياً. وكذلك الحال من الناحية السيكولوجية، ومن الناحية الاقتصادية أيضاً، فالمظلومون في الشمال تمكنوا من الحركة، سعياً وراء الرزق، في الجنوب، وتحسن وضعهم. لكن في الجنوب الوضع أسوأ من كل النواحي عما كان عليه قبل الوحدة، إذن، كيف أنا في الجنوب أستطيع إقناع السكان بقبول الأسوأ، وكيف أنت في الشمال تستطيع إقناع السكان برفض الأفضل؟ يوجد اختلال في الواقع، وواجبنا أن نستوعبه في السياسة. جار الله عمر قال: ألا يوجد قاسم مشترك في نظرك؟ قلت له هناك قاسم مشترك وهو “وثيقة العهد والاتفاق”. رد: ومن قال إننا تخلينا عنها؟ أوضحت: المشاركة في الانتخابات، فعندما تشاركون في الانتخابات، فهذا يعني عملياً تخليكم عن الوثيقة.
 > لأن الوثيقة في هذه الحالة أعلى من الدستور؟
 – نعم. كان ينبغي على المعارضة كلها أن تشترط للمشاركة في الانتخابات تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق التي وقع عليها الرئيس علي عبدالله صالح، وأجمعت عليها القوى السياسية كلها.
> لنعد إلى النقطة الأساسية، أنت ترى أن المعارضة لديها الرغبة في تحريك الشارع، لكن إمكانية تجسيد هذه الرغبة غير ممكنة، لأن الوضع في الشمال تحسن عما كان عليه قبل الوحدة، وبكلمة أخرى، يصعب تحريك الشارع في المحافظات الشمالية في قضية لها علاقة بالوحدة؟
– بالضبط. لن تكون الاستجابة في الشمال كما هي في الجنوب. وهذه المسألة ينبغي على السياسيين أخذها في الاعتبار، لا أن يأتوا لـ”يكعفوا” الناس، إما أن يكعفوا الجنوب لما هو في صالح الشمال أو العكس، وهذا ما يحصل الآن.
> ماذا بوسع المشترك، إذن، أن يفعل حيال القضية الجنوبية؟ الشارع في الجنوب لا يتحرك إلا بناء على أجندة الحراك بعد أن انحسر دور المشترك تدريجياً، وبات الآن كما كتبت يوماً مجرد معلق سياسي. وفي الشمال يمكن للمشترك أن يحرك الشارع نسبياً، لكن ليس في قضية ذات صلة بالوحدة.
– المطلوب ليس إعداد وثيقة. هذه الوثيقة تعكس رؤيتهم هم (المشترك). المشترك حتى الآن لم يقرر هويته ولا وجوده في ما يخص القضية الجنوبية: هل هو طرف مصطف مع الحراك أم طرف مصطف مع السلطة، ليس واضحاً أين موقعهم. والحال كذلك في ما يخص مشكلة صعدة.
 > تقصد أن على المشترك أن يقرر موقعه حيال هاتين الأزمتين قبل أن يبادر لدعوة هذا الطرف أو ذاك للحوار؟
 – بالضبط.
 > لعلك لاحظت غياب التوازن في رؤية المشترك من حيث الأهمية. فهي استغرقت في التاريخ والتشخيص، وتقشفت في ما يخص الآليات. ومع ذلك، في ما يخص القضية الجنوبية، أفسحت الوثيقة مساحة كبيرة لها، وقد لمست أن ما ورد فيها قريب مما كان ينبه إليه تيار إصلاح مسار الوحدة منذ أكثر من عقد، وحتى إن هذا القرب ظاهر في تصريحات وأحاديث قيادات المشترك؟.
 – (باسماً) هي المسائل كلها لها علاقة بالكيمياء حتى في السياسة. عندما تطرأ ظروف معينة تتطلب شيئاً معيناً، وهو تركيب كيماوي صحيح، يضيع الوقت وتفوت الفرصة، يصبح الأمر عبثياً. أريد هنا أن أعلق على تشخيص الأزمة الوارد في الوثيقة. الوثيقة حصرت المشكلة في رأس شخص (قاصداً الرئيس). ولو كانت المسألة في أشخاص لكانت قد حُلت في الماضي. في الشمال كان السلال أول رئيس، ثم جاء الإرياني، فالحمدي، فالغشمي، وأخيراً علي عبدالله صالح. لا يعقل أن يكون هؤلاء جميعاً شياطين. لو كانت المشكلة تكمن في أشخاص كانت قد حلت خلال هذا التبدل الذي حصل في الشمال. الأمر نفسه في الجنوب، جاء قحطان، ثم سالمين، فعبدالفتاح، فعلي ناصر، فالعطاس. المشكلة ليست في الأشخاص، بل تكمن في النظام.
 > تقصد بنية النظام السياسي والقيم السياسية الحاكمة؟
 – تكمن في النظام، والنظام يعني الدستور. مثلاً في الجنوب قبل الوحدة النظام السياسي والدستور لم يكن يسمح للسرق بأن يمارسوا السرقة، وللمرتشين بممارسة الرشوة، ولم نسمع بالسرقة والرشوة على مدى 23 عاماً حكمنا فيها الجنوب، ليس لأننا ملائكة، بل لأن النظام لا يسمح بذلك. عندما جئنا إلى صنعاء وجد جنوبيون يمارسون السرقة والرشوة أكثر من الشماليين، وكانوا قبل ذلك في الجنوب ملائكة. النظام يمكن أن يصلح قيم الناس ويمكن أن يفسدها. في الشمال توجد مناطق قبلية لا تقبل الدولة، ولديها قناعة كاملة بأن العرف القبلي أفضل من القانون، وبعض أبناء هذه المناطق مثل المشائخ لهم مصلحة في تكريس هذه القناعة، لأنهم يؤدون وظائف الدولة، مثل القضاء، ويدر عليهم ذلك مصالح وأموالاً. مناطق اليمن الأسفل فيها مجتمع غير قبلي ويريد دولة النظام والقانون. المنطقتان كلاهما في دولة واحدة محكومة بنظام مركزي محتكر بيد القبائل. وهذا الواقع المتناقض لا يمكن موضوعياً -فالقصة ليست رغبات- أن يُدار بدولة مركزية، واستمراره هو نوع من العسف. وضع من هذا النوع يتطلب نظاماً فدرالياً يجعل المناطق المتطورة تحكم نفسها وفقاً لمستواها الثقافي والاجتماعي، والمناطق الأخرى تدير نفسها، وهذا سيخلق نوعاً من المنافسة باتجاه الأفضل والتعايش. وبعد الوحدة دخل الجنوب، والجنوب لا يستطيع العيش إلا في دولة، ولأنه كذلك صبر 15 سنة (منذ 7 يوليو 1994) لأنه يشعر أن الخروج عن النظام والقانون…
> تقصد أنه لم يعتد العيش خارج الدولة كما قد يحصل في بعض المناطق في الشمال؟
 – نعم. هذا الواقع المتناقض يستحيل إدارته بدولة مركزية، لأن السلطة ستقسر الجميع على العيش داخل نظام واحد، بينما الواقع لا يسمح بأن يتجسد هذا النظام في كل المناطق. إذا كان هذا هو الواقع فالمفروض أن تنبني السياسة على أسسه. بسبب الأفكار الاشتراكية والقومية العربية كان القادة يعتقدون أن الواقع تابع للسياسة، وكيفما تكون السياسة يكون الواقع. وهذا فكر إرادوي ليس له صلة بالعلم. السياسة تكون وفق الواقع، ولكن باتجاه إصلاحه، وهذا ليس موجوداً.
> هذا يعني أن تغيير طبيعة النظام السياسي قد يشكل مخرجاً من الأزمات؟
 – نعم، ولكن من أين تبدأ؟ تبدأ من الدستور وليس من الأشخاص.
 > لكن الحراك الجنوبي لم يعد يقبل الصيغة الفدرالية، وسقفه فك الارتباط. لعلك تذكر كيف أن الحكم المحلي قبل عدة سنوات كان بمثابة الكفر في وعي النخبة الحاكمة، والآن ينظر إلى الفدرالية على أنها كفر. هل تتصور أن تكون الفدرالية مخرجاً في الأمد القصير؟
 – المسألة أولويات. الخطوة الأولى بالنسبة للمشترك هو أن يحدد موقعه من المشكلات. إذا هم يرون أن الحراك على حق والسلطة على باطل، فهم ملزمون أخلاقياً ووطنياً بأن يكونوا مع الجنوبيين. أما إذا رأوا أن الجنوبيين على خطأ فيمكن أن يكونوا بوضوح مع السلطة. وكذلك الأمر في ما يخص مشكلة صعدة. عندما يتحقق الوضوح في موقعهم وموقفهم، يستطيعون التفاهم مع الآخرين. إذا قالوا إن الحراك الجنوبي على باطل يكون في إمكانهم التوصل إلى لغة مشتركة مع السلطة. إذا هم مقتنعون أن الجنوبيين محقون والسلطة على باطل، فإنهم عندما يعلنون موقفهم سيجدون لغة مشتركة مع الحراك. هذه الخطوة الأولى، وإذا تمت ستأتي الخطوات اللاحقة، ولكن إذا تحقق الصدق وليس عبر تكتيكات.
> كما تعلم فإن لجنة الحوار الوطني وهي تصوغ رؤيتها للإنقاذ أجرت اتصالات ونقاشات مع منظمات وشخصيات، هل اتصلت بك اللجنة وتناقشت معك أو على الأقل استمعت لوجهة نظرك؟
 – زارني بعض الإخوة من اللجنة وعرضوا عليَّ الفكرة. نصحتهم أن تكون الخطوة الأولي قبل إعداد الوثيقة هو اختيار لجنة من أشخاص قادرين على الحديث، وأن تطلب هذه اللجنة لقاء بالرئيس (علي عبدالله صالح)، ويقدموا أنفسهم للرئيس باعتبارهم أنداداً وليس مرؤوسين. واقترحت عليهم أن تطرح هذه اللجنة 5 قضايا على الرئيس هي: القضية الجنوبية، ومشكلة صعدة، وتنظيم القاعدة، وقضية الفساد، وأخيراً القضية الاقتصادية. هذه القضايا الخمس تهدد البلاد بالصوملة إذا لم تعالج. والسلطة أظهرت حتى الآن أنها عاجزة عن معالجتها. وعليهم أن يقولوا للرئيس: سنكون مع السلطة في حال كانت جادة في معالجة هذه القضايا. سألوني: كيف يتم طرح هذه القضايا على الرئيس؟ أجبت قائلاً: بخصوص القضية الجنوبية اطلبوا من الرئيس أن يعترف بها، بحيث يدعو الجنوبيين للحوار حول حلها. كذلك الحال في ما يخص مشكلة صعدة، بحيث يدعو الرئيس الحوثيين للحوار حول مشكلة صعدة، وهكذا. وأعتقد أنه إذا حُلت القضية الجنوبية فإن القضايا الأخرى جميعها ستُحل.
> تقصد أن القضية الجنوبية هي سبب عجز السلطة عن إدارة الأزمات الأخرى جراء غياب التوازن؟
– طبعاً. سألني الإخوة من لجنة الحوار بعد أن عرضت عليهم اقتراحي: وفي حال رفض الرئيس هذا؟ قلت: قولوا له بوضوح إن الوطن لنا كلنا، ولا يمكن أن نكتفي بالتفرج وأنتم تقودونه إلى الهاوية، ونحن سنقوم بواجبنا. اخرجوا من عنده، وادعوا الصحافة والهيئات الدبلوماسية إلى مؤتمر صحفي، وأعلنوا اعترافكم بالقضية الجنوبية، ووجهوا الدعوة إلى الجنوبيين للحوار على الحل، وكذلك في ما يتعلق بصعدة. وعندما يتم الاتفاق مع الحراك والحوثيين على الحل يمكن إعلان عصيان مدني يفرض الحل على السلطة.
 > بماذا ردوا عليك؟
– غادروا منزلي وهم مقتنون بما طرحته، لكن الأمور سارت في اتجاه آخر.
> هناك من يرى أن المشترك لم يحسم خياره بعد حيال هذه الأزمات والقضايا، ولذلك يراوح حول إطلاق مبادرات، وهناك من يعتقد أن الأمور قد خرجت عن نطاق سيطرة المشترك عليها؟
 – لا أعلم كيف يفكرون. إما أنهم لا يقرؤون الواقع بشكل صحيح، وإما أنهم غير جادين. لا أعرف ماذا يدور في رؤوسهم، لكني أقرأ ما يدور في الواقع.
> هذا النقاش جرى قبل إعلان وثيقة الرؤية؟
– صحيح. تم أثناء إعداد الوثيقة من قبل لجنة الحوار.
> دعنا نتحدث عن مواقف الأطراف المعنية بهذه الوثيقة. تعلم أن السلطة رفضت هذه الوثيقة فور إعلانها. بالنسبة للأطراف من خارج السلطة، فإن عبدالملك الحوثي أشاد قبل أسبوع بالوثيقة وأعلن ترحيبه بالحوار، لكن الأطراف الأخرى تجاهلتها، سواء مكونات الحراك أو القيادات الموجودة في الخارج سواءً علي سالم البيض أو علي ناصر أو حيدر العطاس.
– بالنسبة للحوثي فإنه تعامل بذكاء سياسي. هو كان يخشى انضمام المشترك إلى السلطة في حربها ضده. ولذلك بادر إلى الترحيب بالوثيقة لقطع الطريق أمام رهان السلطة على استمالة المعارضة إلى صفها. الآن وبعد موافقة الحوثي، فإن المعارضة لا تستطيع تأييد السلطة.
> أيمكن القول أيضاً إن مطالب الحوثي لا تتصل بصميم النظام السياسي وتركيبته بقدر ما تتعلق بشؤون ذات طابع محلي (في صعدة وغيرها)، ما يجعله منفتحاً وأقل حساسية تجاه مبادرة المعارضة؟
– مشكلة صعدة غامضة. انفجرت فجأة ودون مقدمات، ودون أن يدرك الرأي العام أسبابها وحيثياتها، وتعمقت الشكوك عندما اتخذ الرئيس العام الماضي قراراً بوقف الحرب الخامسة، وكأن وقفها أو استمرارها رهن بطرف واحد، ولكن إذا اجتهد المرء يمكن أن يستنتج أن الحوثيين قلقون وكأنهم يستشعرون خطر طمس مذهبهم وتاريخهم، هذا ما أعتقده. بالنسبة للجنوبيين فإن أي سياسي جنوبي لا يستطيع أن يتجاوز الحراك، ومن يتجاوز الحراك يحرق في الشارع. توجد أزمة ثقة بين الحراك والمعارضة، وهذه الأزمة سببها المعارضة واللقاء المشترك. صحيح أن المشترك يلاحظ أن بعض الشعارات (التي يرفعها الحراك) مزعجة لهم ومقلقة وتخيفهم، لكنهم للأسف يقرؤون هنا النتيجة، ولو قرأوا الأسباب لوجدوا أن هذه الشعارات إفراز طبيعي، وهنا ستزول مخاوفهم. على سبيل المثال لو أن الحزب الاشتراكي اليمني تبنى القضية الجنوبية منذ البداية، لكان الحراك ظهر تحت قيادته، ولن يعود ممكناً أن يبحث عن قيادة غير الحزب الاشتراكي. وإذا كان هذا حصل هل كانت ستظهر شعارات تخيف المعارضة، وهل كانت ستظهر قيادات أخرى؟ بالتأكيد لا. لنأخذ الحالة المعاكسة، لو أن الاشتراكي بعد حرب 1994 مباشرة أعلن رسمياً تخليه عن القضية الجنوبية كان سيظهر حامل سياسي لهذه القضية قبل أن يظهر الحراك، وكان الحراك الحاصل الآن سيظهر تحت قيادة هذا الحامل السياسي ولن يخرج عنه، وسيتوفر للحراك عندها قيادة موحدة وشعارات موحدة. ما يحصل الآن هو نتيجة طبيعية سببها سياسة قيادة الاشتراكي تجاه القضية الجنوبية، ولذلك انفجر الشارع الجنوبي دون أن يكون هناك حامل سياسي يقوده.
> لكن الحراك يبلور حالياً صيغة قيادية؟
– بشكل حتمي سيأتي حامل سياسي للحراك يجمعه في قيادة واحدة وخطاب سياسي واحد وشعار موحد.
> واضح أنه ليس بوسع أي طرف أو قيادي أن يحتكر لنفسه قيادة الحراك. لكن لنعد للمشترك، لعلك تتفق معي بأن المشترك بدا فاعلاً في السنة الأولى للحراك، وذلك عبر فروعه في المحافظات الجنوبية الشرقية، غير أن حضوره انحسر تدريجياً حتى إنه صار غائباً كلياً عما يجري كما هو ظاهر في فعاليات الحراك أمس (14 أكتوبر 2009)، هل ترى أن تفاوت الأوزان والتقديرات داخل المشترك ومحورية التجمع اليمني للإصلاح داخله، جعل المشترك أقل حساسية تجاه التطورات في الجنوب، وأنا هنا لا أقصد نقد “الإصلاح” بقدر ما أريد تحليل الأمور بموضوعية؟
– لو عدنا بالذاكرة قليلاً إلى الوراء لنلتقط اللحظة التي انفجر فيها الحراك، مقدمات الحراك معروفة منذ حرب 1994، ولكن لماذا انفجر في 2007؟ لأن المشترك وقع على وثيقة (اتفاق مبادئ حول الانتخابات)مع السلطة تعتبر أن القضية الجنوبية قضية حقوقية. هذه الوثيقة فصلت تماماً بين المشترك والجنوب، لأن الشارع الجنوبي فقد الأمل تماماً في اللقاء المشترك معه.
> على ما أعتقد كان لديك حينها وجهة نظر نقدية حيال هذه الوثيقة، وبخاصة موقف الاشتراكي.
 – وقتها كنت مريضاً في لندن، وعندما سمعت بخبر التوقيع على الوثيقة كتبت مقالاً وأرسلته بالفاكس إلى صحيفة “الأيام” التي نشرته. كان التوقيع خطأ، وبسببه بدأ الشارع الجنوبي يبحث عن حامل سياسي غير الاشتراكي وغير اللقاء المشترك، وهنا بدأت المشكلة، وأن يصحح المشترك الآن خطأه ليس عيباً. أبو مازن (الرئيس الفلسطيني محمود عباس) اعترف أنه طلب تأجيل التصويت على تقرير جولدستون خطأ، وأعلن أنه مستعد لتصحيح هذا الخطأ. وعلى المشترك أن يعترف بأنه أخطأ، مافيش في هذا عيب.
> عندما يقول المشترك الآن في رؤيته إن القضية الجنوبية موجودة وينبغي معالجتها ويدعو السلطة إلى الاعتراف بها، فهو ضمنياً يتدارك خطأه، صحيح أنهم لم يقولوا علناً بأنهم أخطأوا لكن الاعتراف الضمني موجود.
– الوثيقة اعترفت بالقضية الجنوبية، لكن المصداقية تتحقق أكثر بالاعتراف بالخطأ. عندما يقترف طرف ما خطأً فإنه وهو يراجع مواقفه بعد مضي وقت على خطئه، ويقدم حلولاً حول القضية التي ارتكب خطأ حيالها، فإنه إذا لم يعترف أصلاً بخطئه يظل محل شك لدى الآخرين في مواقفه الجديدة. وفي ما يخص فروع المشترك، أنا متأكد أنهم جميعاً مع الحراك ولكن كلاً حسب ظروفه. في القضايا الوطنية لا توجد حزبية.
> تقصد قضية “وطنية جنوبية”؟
– نعم. وهذه القضية تخص الجنوبيين في الإصلاح والاشتراكي والناصري والأحزاب الأخرى، وحتى الجنوبيين في المؤتمر. وعلى الرئيس ألا يصدق أن الجنوبيين الذين في السلطة معه، هم معه علشان الراتب والوظيفة، لكن لهم قناعتهم الحقيقية، وأنا متأكد من هذا الكلام.
> لكن بعض هؤلاء الذين في السلطة وتقول إنهم مع الحراك، لا يخفون حماسهم في الدفاع عن الوحدة.
– هذه الحماسة قد يكون سببها العكس، أي عدم القناعة، أو إخفاء قناعتهم. المشكلة في أنهم ليسوا شركاء في صنع القرار فحسب، بل أيضاً في أن السلطة لا تعترف بهم كممثلين للجنوب. بعد الحرب التقيت علي محسن الأحمر، وتحدثنا طويلاً. قلت له: حصلت حرب، واختفى الطرف السياسي الذي حمل الجنوب إلى صنعاء، ولا يوجد بديل له حتى الآن، وإذا تريدون معالجة الأمور خلونا نحن (في الاشتراكي) نعلن بأن إدارتنا للأزمة كانت خاطئة، وهذا يساعدكم على أن تعلنوا أن الحرب ليست الحل. وهذا سيمثل مدخلاً لمعالجة المشكلة. رد علي محسن قائلاً: أنْ تقولوا بأنكم أدرتم الأزمة بشكل خاطئ، فهذا صحيح، لكن أن نقول (في المقابل) بأن الحرب ليست الحل، فهذا غير ممكن وغير صحيح، فالحرب حافظت على الوحدة. قلت له: الحرب عندك حافظت على الوحدة، لكنها عندي لم تحافظ على الوحدة، بل أسقطتها، ليس عندي أنا بل واقعياً. رد علي محسن مؤكداً على موقفه، وأضاف أن كل شيء تمام وطبيعي، وهناك فقط مشكلة اقتصادية نواجهها. قلت له: لكن حتى الآن لا يوجد شرعية للوضع القائم إلا بوجود طرف جنوبي. قال: ليش، يعني عبدربه منصور هادي (نائب الرئيس)، وأحمد مساعد حسين والبطاني (وعدد آخر) ليسوا بديلاً؟ قلت: بديل ونصف، وهم أحسن منا، لكن اعترفوا أنهم يمثلون الجنوب. قال: لا، هم لا يمثلون الجنوب، نحن وطن واحد. قلت: هذا الكلام يمكن أن تخدع به نفسك، لكنه لا يقنع أحداً في الجنوب، وأضفت: أعلنوا أن الإخوة الجنوبيين الذين قاتلوا معكم في الحرب يمثلون الجنوب، وطبقوا اتفاقية الوحدة معهم، أو خلونا نتفق على معالجة المشكلة معاً. نحن نقول بأن إدارتنا للأزمة خطأ، وأنتم تقولون بأن الحرب ليست الحل. قال: لا، لا. فقط نوسع.
 > يقصد توسيع المشاركة في السلطة لصالح الجنوبيين؟
– يقصد إلى جانب عبدربه منصور وغيره، يتم تعيين آخرين في السلطة. قال لي: نجيبك أنت، ونجيب فضل محسن، و… قلت له: يا عزيزي، أنا لا أصلح أن أكون معكم في السلطة إلا بمصالحة وطنية، لأنني في الأزمة وقفت مع عدن، قد يكون وقوفي هذا على حق وقد يكون على باطل: إذا كان على حق فإنه لا يعقل أن أمشي معكم على باطل مقابل منصب سبق أن كنت فيه، وإذا كان على باطل فبأي وجه سأظهر فيه معكم وأنا على باطل؟ لهذا لست صالحاً لأن أكون معكم في السلطة.
> هذا اللقاء كان بعد الحرب مباشرة؟
– بعد عودتي من الخارج أواخر 1996. هو أرسل اثنين إلى منزلي يطلبني للجلوس معه في منزله، هما: ناصر عمر الشيخ، وهو كان عضو مجلس نواب من مودية، ومحمد عبدالله الحامد وهو شيخ من الإصلاح، وهو أيضاً من مودية، من نفس منطقتي. جاؤوا وأخذوني إلى منزله، وعندما بدأنا نخزن استعدا للمغادرة، فقلت لهما اجلسوا علشان تسمعوا الكلام. وقد قلت لعلي محسن: شوف، هؤلاء (الشيخ والحامد) يصلحوا يكونوا معكم لأنهم وقفوا معكم.
> لأنهم كانوا ضمن المعسكر المنتصر في الحرب؟
– نعم. وقلت له: أما نحن فلا نصلح نكون معكم. امشوا وإن وصلتم البلد إلى بر الأمان، فقدها لنا ولكم، وإن وصلتوها إلى ظلام فلكم وحدكم. إخواننا الموجودون في السلطة لا تعترف بهم صنعاء بأنهم ممثلون للجنوب، ولما تكون صنعاء لا تعترف بهم، وهم من جانبهم لا يدعون ذلك، فإنهم يكونون موظفين. 
> لكن موقفهم مبرر دستورياً. دولة الوحدة اندماجية وفق الدستور، والمرحلة الانتقالية انتهت مع أول خطوة تجسد بها هذا الدستور (الذي تم إقراره في استفتاء شعبي عام 91) وذلك في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 27 أبريل 1993، وبالتالي فإنهم مثل أي مواطن يمني في السلطة، فعبدربه منصور هادي موجود في موقعه التنفيذي باختيار من الرئيس وطبق الدستور، وبعد حرب 1994 التي عمدت الوحدة القائمة بالدم كما يقال.
– هذا المنطق يستقيم إذا لم تقع حرب. لكن بعد حدوث الحرب يكون الحديث عن شرعية الاتفاقات والدستور لا معنى له. لماذا؟ لأن الوضع القائم الآن قائم على أساس7 يوليو وليس 22 مايو. لو كان الوضع قائماً على أساس 22 مايو فإن هذا الكلام يستقيم، لأن اتفاقية إعلان الوحدة شرعية والدستور شرعي.
> وانتخابات 1993 التي أفرزت برلماناً؟
– كل شيء شرعي، لكن طالما الوضع قائم على 7 يوليو، فإن الحديث عن شرعية الاتفاقات والدستور لا معنى له.
 هذا أولاً. وثانياً، فإن الاستفتاء على الدستور تم بعد إعلان الوحدة، وإذن فإن الاستفتاء لم يكن على الوحدة بل على الدستور، ومع ذلك فإن هذا الدستور ألغي بعد الحرب. كان الدستور يحتوي على 120 مادة، وقد تم إلغاء 80 مادة منه وبقيت 40 مادة من الدستور الأصلي، وأضافوا عليها 40 مادة جديدة.
> الذي أجرى هذا التعديل هو البرلمان المنتخب.
– برلمان ما بعد الحرب.
> لكن كتلة الاشتراكي كانت موجودة في البرلمان، وأغلبها شارك في التعديل؟
– الوضع بعد الحرب خرج من الحزبية.
> ومع ذلك فإن قراري مجلس الأمن الصادرين أثناء الحرب تعاملا مع ما جرى في اليمن باعتباره حرباً أهلية داخل دولة واحدة. القراران أكدا على وقف العمليات، ودعوا الطرفين المتقاتلين إلى العودة إلى الحوار، وتلاهما التزام من الحكومة اليمنية نهار 7 يوليو بتطبيق وثيقة العهد والاتفاق ومعالجة آثار الحرب. وكما ترى فإن القرارين يؤكدان على حل سياسي للأزمة ولكن تحت سقف دولة الوحدة.
– السلطة تجاهلت هذا كله. القراران ما يزالان قائمين، وهما ملزمان للطرفين، لكن النظام (الحاكم) حتى الآن لا يعترف بالشرعية الدولية في ما يخص هذين القرارين، ولا يقبل الحوار على أساسهما. بالنسبة لانتخابات 1993 فإنها أفرزت نتائج شطرية. الجنوب انتخب قيادته السابقة نكاية بصنعاء، والشمال انتخب قيادته السابقة نكاية بالقادمين من عدن. أنا كنت مشرفاً (حزبياً) على انتخابات أبين وشبوة. الاشتراكي في مودية رشح مدرساً، ورشح الإصلاح حسين عثمان عشال، وهو قائد الجيش الأسبق، وشخصية مرموقة ومعروفة للناس. مرشح الاشتراكي لم يكن معروفاً، حتى أنا لم أكن أعرفه. انتخب الناس المدرس وأسقطوا حسين عشال.
> لكن عشال كان منقطعاً عن المنطقة قرابة ربع قرن.
– صحيح، لكنه شخصية معروفة، وكان مدعوماً من الإصلاح ومن السلطة، ومع ذلك سقط أمام المدرس، ليس لأن الناس لديهم موقف منه، بل لأنه مرشح صنعاء، ولأن المدرس مرشح عدن.
> لماذا لا نقول إن الاشتراكي كان صاحب القدرة على استخدام آليات ومقدرات الدولة والقوة في دوائر الجنوب تماماً كما أن المؤتمر والإصلاح كانا أقدر على الاستفادة من هذه الآليات والمقدرات في دوائر الشمال؟
– هذا صحيح، ولكن تأثيره نسبي في الأصوات.
> لنضرب مثلاً آخر عن انتخابات 1993، عمر الجاوي وهو شخصية تحظى باحترام فإنه في دائرة خور مكسر عدن تعرض لسقوط مروِّع في مواجهة مرشح الاشتراكي. الجاوي، كما هو معروف، ليس مع (السلطة في) صنعاء، ولا يمكن أن يحسب عليها، وهو مرشح في عدن حيث لا توجد عصبيات اجتماعية قبلية، ورغم ذلك أسقط بفارق 9 آلاف صوت.
– عمر الجاوي أُسقط بالعسكر وليس بالناس.
> هؤلاء العسكر يلتزمون قراراً سياسياً وحزبياً؟
– قرار حزبي وقرار عسكري. والعسكر ما بيخالفوا قائدهم. الشعب لم يسقط الجاوي، العسكر هم من أسقطوه. في خور مكسر كانت توجد قوة عسكرية ضاربة، وهناك قوى أمنية، وأكثرية سكان خور مكسر هم عائلات هؤلاء العسكر، ولهذا فإن الشعب لم يسقط الجاوي بل العسكر.
> ألم تقم أنت بأي جهد للحؤول دون هذا؟
– لم أكن المشرف على عدن، كنت مشرفاً على أبين وشبوة. كان يوجد انضباط حزبي، ولم يكن جائزاً أن يتدخل أحد في شؤون أحد.
> من كان المشرف على عدن؟
– سالم صالح محمد. خذ مثلاً دائرة مكيراس، المؤتمر الشعبي رشح محمد عبدربه جملة، وهو مناضل قديم من الجبهة القومية، وفدائي، وشخصية بارزة في مكيراس، الاشتراكي رشح مدرساً اسمه المسيبلي، سقط محمد عبدربه بشخصيته البارزة أمام المدرس، لأنه مرشح صنعاء، فيما المدرس مرشح عدن. الأمر نفسه في شبوة، المؤتمر رشح عبدالله علي طرموم، وهو مناضل معروف، ونحن في الاشتراكي رشحنا فلاحاً من عسيلان -بلحارث، وهو مش معروف، حتى أنا المشرف على شبوة لم أكن أعرفه. وقد سقط طرموم لأنه مرشح صنعاء، وهكذا فإن نتائج الانتخابات جاءت شطرية.
> حصل انحياز فعلاً، ولكن توجد عوامل أخرى تؤخذ في الاعتبار عند تحليل النتائج، فعلى سبيل المثال فإن الحزب الاشتراكي بصرف النظر عن عدد المقاعد التي حصدها في محافظة شمالية مثل تعز، ومع تحييد الأخطاء التحالفية للحزب، فإن الحزب جاء أولاً من حيث عدد الأصوات.
– صحيح، لكن إدارة الانتخابات من قبل الاشتراكي في تعز كانت ضعيفة.
> هذا الكلام قد يغضب صديقك الأستاذ عبدالواحد المرادي الذي كان مشرفاً على انتخابات تعز.
– نحن لا نتحدث عن أشخاص، لكن هذه هي الحقيقة. إذا كنا في الأصوات جئنا أولاً ولكن حصدنا مقاعد أقل، فهذا يعني سوءاً في تقديرات الإدارة.
> علاوة على مساوئ النظام الانتخابي، وإخفاق في إدارة الحزب لتحالفاته، هناك أيضاً مساوئ النظام الانتخابي القائم على أساس الأغلبية النسبية(دائرة فردية صغيرة).
– صحيح ولكن هذا أيضاً تأثيره نسبي. أتذكر أن الرئيس طلب من الاشتراكي ضمان مقعد للمؤتمر في حضرموت، ومعقد في أبين حتى لا تكون النتائج شطرية بالكامل، وتم تلبية طلبه. وبعد الانتخابات طلب علي سالم البيض من علي عبدالله صالح عقد لقاء لتقييم النتائج، ولماذا جاءت شطرية. قال البيض للرئيس: إن كانت النتائج بفعل فاعل فإنه من السهل تجاوزها، سواء كان الفاعل نحن (في الشمال وفي الجنوب) أو أطرافاً خارجية، لكن إنْ كانت هذه النتائج تعبيراً عن قناعة شعبية فهي مشكلة كبيرة. وافق الرئيس علي عبدالله صالح على عقد اللقاء، لكنه لاحقاً رفض الجلوس مع البيض.