فلسطين.. ونهج التفريط

فلسطين.. ونهج التفريط

>عبد الباري طاهر
منذ كامب ديفيد ومن ثم مدريد وأوسلو بدأ نهج جديد في القيادة الفلسطينية مدعوماً بل راغماً من نهج كامب ديفيد للسير في نفس النهج.
النواة أو القناة الأمنية “للتفاوض” التي شكلها عرفات من أبو مازن وأبو علاء، ووقعت اتفاق أوسلو، هي التي تقود هذا النهج الذي انتهى باستشهاد “أبو عمار”، وضياع الضفة الغربية، وقيام مئات المستوطنات، ومئات الطرق الالتفافية، وتهويد القدس، وابتلاع البقية الباقية من الضفة الغربية، وتشديد الحصار على غزة، وهو حصار تتشارك فيه إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية، ودول عربية أخرى.
لم تعد مطالب الحقوق الفلسطينية هي المسموعة والمرفوعة، فقد غاب الحديث عن ثوابت العودة إلى حدود ما قبل الخامس من حزيران، ولا عودة اللاجئين، واختزلت كل المطالب في الدولتين: إسرائيلية، وفلسطينية “وبدون القدس”. بينما يرتفع المطلب الإسرائيلي: الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية، والتطبيع العربي الشامل والكامل.
حالياً يمارس ضغط كبير فلسطيني وعربي على حماس لتوقيع وثيقة المصالحة، والوثيقة تتوخى إعادة حماس إلى بيت الطاعة في رام الله، ولا تقر بحق المقاومة، ولا تشير من قريب أو بعيد لقضية الاحتلال. فالتركيز في الوثيقة من الألف إلى الياء مكرس لتكريس زعامة “أبو مازن”، والتأكيد على الانتخابات.
وبديهي أن الانتخابات في شعب منقسم جزء منه محتل باستيطان إسرائيلي يتحول فيه رئيس السلطة الفلسطينية إلى سجين أو أسير أو واقع في قبضة الأمن الإسرائيلي الذي لا يقدر على الحركة من باب المنزل بدون إذن الأمن الإسرائيلي، والفارق بين الشهيد أبو عمار وأبو مازن أن أبو عمار كان يرفض الأمر ويقاومه، أما أبو مازن فإنه يقبل بالأمر ويسايره. أما الجزء الآخر “غزة” فهو محاصرٌ حصاراً كاملاً من كل الجهات بعد أن عجزت إسرائيل عن البقاء فيه.
والحقيقة أن إسرائيل لا دعوى عندها في غزة، على العكس من الضفة الغربية التي تنظر إليها دولة إسرائيل كأرض توراتية: “يهودا والسامرة”.
والدولة العنصرية المصرة على يهودية الدولة، لا تقبل بالفلسطيني في أرض 48، فكيف تستقبل بالعائد من الشتات العربي.
إن سحب تقرير القاضي غولدستون من أمام اجتماع منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، من مندوب السلطة الفلسطينية، فضحية دولية لا يكفي الاعتراف بها. بل إن جريمة كهذه لابد أن يترتب عليها إجراءات وتساؤلات لتحديد المسؤول والأسباب والدوافع للإقدام على مثل هذه الخطيئة.
الأنكى أن “التصالح” الفلسطيني والورقة المصرية تتخذ شكل الصراع الكالح بين فتح وحماس، وهي تسهم في التغطية على حروب الإبادة، والتطهير العرقي، وجرائم ضد الإنسانية من قبل إسرائيل، وإدانة المجتمع الدولي لهذه الجرائم إلى حرب إعلامية وسياسية ومعركة يومية بين قيادتي: فتح وحماس حول المصالحة والورقة المصرية.
ترغب السلطة الفلسطينية وزعيمها أبو مازن، ومعهم مصر والمعتدلون العرب، في جر حماس إلى بيت الطاعة في رام الله، وأن تتم المصالحة على أرضية القبول بما تطرحه إسرائيل وتتبناه الإدارة الأمريكية والرباعية، وهو التسليم بالأمر الواقع، والقبول بالاستيطان، والتنازل عن مطلب الانسحاب من حدود ما قبل الخامس من حزيران 67، وعدم عودة اللاجئين أو اعتبار القدس عاصمة للدولة.
أما قصة الدولة -بلا أرض- ولا بشر أيضاً، والتي يتمسك بها زعماء فتح، فقد تكون أو تقوم في أي مكان إلا في أرض فلسطين التي يجري التنازل عنها جهاراً نهاراً.
 ما يطلبه أبو مازن ومصر وإسرائيل وأمريكا والرباعية هو التنازل عن حق المقاومة. وحقيقة لا يستطيع أبو مازن وفريقه إقامة الدولة الفلسطينية في الهواء الطلق إلا بعد تسليم حماس بسلطته الأسيرة “المذلة والمهانة” في رام الله. فحماس رأس الحربة وشاهد الفضيحة بكل المعاني للتبرير والسكوت عن تدمير غزة، وللتصدي لتقرير القاضي غولدستون وسحبه لأسباب ربما إسرائيل تعرفها أكثر منا.
إعادة طرح التقرير على مجلس حقوق الإنسان الأممية من جهة، والضغط بالورقة المصرية على حماس هو بمثابة رد فعل على الفضيحة الداوية.
وللأسف فإن ثنائية الصراع بين سلطتين لاديمقراطيتين: فتح وحماس، وجه آخر من أوجه الكارثة. فقد غيب صوت الشعب الفلسطيني الحقيقي. يجد الشعب الفلسطيني نفسه أمام قوة فساد واستبداد تفرط في كل شيء، وأخرى ظلامية حقاً. لا تقيم وزناً للديمقراطية، ولا حرية الاختيار، وتعتقد أن صراعها ديني من ألفه إلى يائه، وتزدري المطالب المدنية للناس.
ميزة حماس الحقيقة أنها ترفض التخلي عن حق المقاومة، ومأزقها أنها تخلط بين المقاومة واستهداف المدنيين، ولا تميز ما بين الصهيونية كحركة سياسية عنصرية وبين اليهودية كديانة سماوية. أما قيادة فتح، وتحديداً أبو مازن وفريقه الأمني، فإنه بعد أن تخلى كلية عن حق المقاومة ضد الاحتلال الاستيطاني الواصل حد سكنه في رام الله، بعد أن حول الضفة إلى بؤر استيطان، ومزق الأرض بالجدران العازلة، والطرق الالتفافية، وعزل الضفة عن القطاع، فإنه -أي أبو مازن- قد جعل هدفه الرئيسي مقاومة حماس وإسقاط “إمارتها الظلامية” حسب تسميته، أو جرها إلى بيت الطاعة التابع للمحتل، وحكامنا لا يتفرجون، وإنما يعملون على إنضاج الطبخة على ناصر غير هادئة.