أيوب محبة

أيوب محبة

> منصور هائل
مساء اليوم السادس من شهر رمضان الكريم صلَّيت، على غير عادتي، بعد الإفطار مباشرة، وسرت رعدة الخشوع في أوصالي بخدر ناعم حتى أثملتني فيما كنت أتشرب بنهم تراتيل الإمام الاستثنائي الذي أقام بنا الصلاة في منزل أحد الأقارب كنت التقيته صدفة على رصيف الشارع قبل موعد أذان المغرب بدقائق، ودعاني لتناول الإفطار معه في بيته، واستجبت لدعوته من فوري، وعلى غير عادتي أيضاً، ولم أكن أدري أنه قد تهيأ لاستقبال جميع أشقائه وبعض من أقاربه الأحباء، ومنهم الفنان الكبير أيوب طارش عبسي الذي كان إمامنا المختار، وأقام بنا الصلاة.
أثناء الصلاة وبعدها بدت التراتيل القرآنية مغسولة بماء عين عنقاء، ومصقولة بشفرات الشجن والهيام والوله والصفاء الروحاني.
وأحسست بانتشاء، عذوبة، خفة، ذوبان ولمعان وأشياء أخرى تعنقدت جميعها بخيط لحظة كانت كفيلة بإقناعي أن الصلاة تكون، أحياناً، ضرباً من الاتصال الحميم والكثيف بالرب وهو في تجليه البهي في الأغوار الدفينة للإنسان، وهي أغوار ذات جدران سميكة، قلما اخترقتها خفقة ضوء أو مستها كيمياء بفعل نغمة متفلتة لا يدركها غير الضالعين في ترجمة هذيان الفراشات والمبحرين بعيداً عن ثرثرة الأسماك الملونة واللآلئ والمرجان.
.. أما بعد الصلاة..
جلسنا إلى أيوب نسمعه، وأخبرنا بعض معاناته من المرض وعودته من الأردن وانتوائه مواصلة العلاج في ألمانيا بعد انقضاء رمضان.
وساورني القلق، ذلك المساء، على حالة الفنان العزيز والكبير، والقلق من أن تنكث الجهات المعنية بعهدها وتتخلف عن إنجاز الوعد الرئاسي المعلن في أجهزة الإعلام.
ولم أفلح في طرد الوسواس الخناس الذي لم ينقطع عن وشوشتي بأن “الجماعة” سيفعلونها، ولم أفلح في إقناعه -أي الوسواس- أن للكذب حدوداً، ولن يصل إلى حد المس بأيوب، فتلك فضيحة كبيرة، ولكنه قال إنهم، ولهذا السبب بالضبط، سيفعلونها، فقد درجوا على تعريف أنفسهم كما هي بالضبط وبما هي فضيحة كبيرة، وكذبة كبيرة مستمرة منتشية، دوماً، بفخامتها غير المعقولة.
وطلع الوسواس على حق وصدق في ما قال حين قال إنه لأخبر بـ”هؤلاء” فهم خبز يده وعجينه، وهو الخبير بطوالعهم وطبائعهم ودخائلهم وبما يعلنون وما يضمرون، وله الحق في امتلاك جرأة الإعلان عن أنه يحفظهم غيباً، ويعلم أنهم يملكون الجرأة على الكذب حتى لو كان على واحد في مستوى أيوب الصابر الحكيم والفنان العظيم، وصاحب الامتياز في تعطير الحكمة القائلة بأن: الوطن محبة قبل أن يكون (اختراعاً) سلطانياً.
وبمناسبة مرض هذا الفنان العملاق لا بأس من الإشارة إلى أنه يعاني من إصابة عمل بامتياز، وينبغي أن تنهض (الدولة) بتعويضه من باب المسؤولية الإجرائية الجنائية قبل أي شيء آخر، بما في ذلك المسؤولية الأخلاقية والوطنية والإنسانية.. وما إلى ذلك من الأشياء التي تفتقدها، و”فاقد الشيء…”.
فهو يعاني من التهابات موجعة في الحلقات العصبية الحساسة بمؤخرة رقبته ويده التي طالما هندست الألحان وعزفت أجمل وأروع ما أبدع فنان غنائي تطريبي في اليمن لفترة شارفت العقد الخامس.
وكما هو فنان عبقري استوعب سفر أحوال وتحولات اليمن و”الثورة”، الغربة، المرعى، الحقل، الراعي، البتول، الدان والفل والبن وأمزان المطر والغيوم، فهو الأكثر مبيعاً، ولم ينتفع بمنتجه الغزير المتدفق في الأسواق بغير ما انقطاع على الإطلاق، وبما يشير إلى لهفة لم تنقطع، هي الأخرى، لدى المتلقين وجمهور المستهلكين العشاق لأيوب بحمى لا تهدأ حرارتها.
وهو أكثر من أسهم في تشغيل الكثير من العاملين في تسويق الأشرطة الغنائية وأصحاب الاستيريوهات، وفي تشغيل أكبر وأخطر ماكنة إعلامية ضخمة في البلاد، وهي الماكنة التي ما انفكت تغترف من أيوب وتلجأ إليه في المناسبات والأعياد الوطنية وفي الملمات والحروب والانقلابات والتقلبات.
وفي بلاد يحرم فيها الفنان المبدع من حقه في الملكية الفكرية على منتجه، يغتني ويثري المنتفعون بتسويق بضاعته، فيما يعاني ويمرض ويفتقر صاحب الحق، وإن كان في قامة صاحب صوت النشيد الوطني ونشيد الإنشاد الإنساني وتنويعة اليمن الغنائية على مدى نصف قرن، وصاحب التوقيع الأخضر بالوتر على سبتمبر وأكتوبر والتقاويم والأقانيم التي تشكل معظم مفردات العيش و”فن العيش” في هذه البلاد التي كابر وثابر أيوب من أجل تعميدها كحالة غنائية جديرة بأن تحب وتعاطى معها بما هي أغنية عابرة للطوائف والقبائل والأحزاب والعصبيات والخنادق والحرائق والحدود والأزمان.
إن هكذا فنان لهو جدير بالامتنان والمحبة الإيجابية المشحوذة بالفعل حين يتجلى في المبادرة والتبرع لإسعافه وعلاجه، وذلك هو وجه النقد الإيجابي الكاشف للخذلان والتخاذل والإهدار والرثاثة السياسية والثقافية الضاربة والماحقة لهذه البلاد حتى آخر رمق وعرق.
وقد كانت صحيفة “النداء” سباقة كعادتها في تظهير الوجه الإيجابي لهذا النقد، وفي تبني ونشر مقابلة فناننا القدير والكبير بعددها الماضي، وهي جديرة بالثناء.
وعلى ذلك، فإن الموقف النقدي لسلطة القبح عندما يكون مدفوعاً بمشاعر المحبة الإيجابية، سوف يشكل علامة أكيدة على وجود أناس متصالحين مع أنفسهم، ومستعدين على الاحتفاء بالحياة وتثمير قيمتها، فهي -أي الحياة- كانت في البدء: أغنية، وهو -أي أيوب- كان وسيظل بحق صلاتي خلفه، سيدي وإمامي وأنيسي وجليسي في أزمنة الوحشة والجدب والاحتراب والاستضحاء والأقناء، وله أحر التحايا وكل المحبة.
والمحبة لصديقي وابن عمتي وعمي الحبيب عبدالرقيب علي أمين الذي جمعنا في مساء رمضاني لا ينسى بمن لا ينسى: أيوب طارش عبسي عافاه الله وأطال عمره، وباركه كمعلم كبير لفن الحب.
[email protected]