استقبلت السلطة اليوم العالمي للمختفين بإخفاء حالة جديدة احتفت بها قبل 5 أيام من الموعد. تجهل زوجته أسباب اعتقاله وإخفائه في أحد الأجهزة الأمنية الذي جاء لتفتيش منزله عقب ساعات على اعتقاله وصادر جهازين “لابتوبـ” وتلفونين سيار وأقراصاً مضغوطة، وتساءلت: هل لأ

استقبلت السلطة اليوم العالمي للمختفين بإخفاء حالة جديدة احتفت بها قبل 5 أيام من الموعد. تجهل زوجته أسباب اعتقاله وإخفائه في أحد الأجهزة الأمنية الذي جاء لتفتيش منزله عقب ساعات على اعتقاله وصادر جهازين “لابتوبـ” وتلفونين سيار وأقراصاً مضغوطة، وتساءلت: هل لأ

وليد شرف الدين، موظف برنامج الأمم المتحدة في قائمة الإخفاء القسري منذ شهر ونصف
> هلال الجمرة
احتفلت الأجهزة الأمنية في اليمن باليوم العالمي للمختفين هذا العام، قبل 5 أيام من موعده المقرر في 30 أغسطس. وحضّرت للاحتفال بهذا اليوم حالة جديدة ضمتها إلى قائمة المخفيين قسرياً: اعتقلت وليد محمد علي شرف الدين، 33 عاماً، واقتادته إلى وجهة غير معلومة.
ظهر الثلاثاء 25 أغسطس، ودّعت علياء إبراهيم الوزير زوجها وليد إلى باب شقته في بيت والده الجراح محمد شرف الدين، الكائن في حي وزارة العدل. ألقى الزوج التحية وقال لزوجته إنه سيذهب بسيارته (نوع بي إم دبليو سوداء) إلى الحلاق والمغسلة، وسيعود إلى البيت.
لم يأتِ الوقت المعلوم لعودة وليد، الذي اعتادت أسرته رجوعه إلى البيت بعد الرابعة عصراً. لكن حدثاً حصل قبل موعد العودة: دخلت امرأتان من الأمن على علياء وتولتا تفتيشها ثم أخبرتاها عن أن الجنود سيدخلون للتفتيش. دخل 8 مسلحين بزي مدني و3 من أفراد الأمن المركزي إلى الشقة وقاموا بتفتيشها بدقة. سألت المفتشين: هل لديكم أوامر بتفتيش المنزل؟ أجاب أحد الذين يرتدون الزي المدني: نعم. وأبرز لها ورقة لم تعرف مضمونها أو جهة صدورها.
وقالت علياء لـ”النداء”: استمروا في التفتيش 3 ساعات، وبعد انتهائهم أخذوا جهازين “لابتوبـ”؛ واحد خاص به والثاني خاص بالشغل، وتلفونين محمولين وأقراصاً مضغوطة وجواز سفر وأوراقاً أخرى.
أجروا تفتيشاً دقيقاً شمل المطبخ والحمام. وعند مغادتهم أبلغوا الزوجة رسالة مفادها: “وليد عندنا”. حاولت أن تستوضح منهم معلومات أخرى عن الجهة التي يمثلونها أو التهمة التي تم اعتقاله بسببها، فردّ أحدهم: “إحنا من جهاز أمني”.
منذ اليوم التالي، تحركت الزوجة للبحث عن زوجها لدى الأجهزة الأمنية تبعاً لتصريح المفتشين الذين خرجوا من منزلها مساء اليوم السابق. في البداية زارت الجهازين الأمنيين، وخلال استفسارها عن وليد هناك في “جهازي الأمن السياسي والأمن القومي والبحث الجنائي” اصطدمت بالإجابة نفسها في كل مرة ولدى كل جهة: مش موجود عندنا. وكانت تستوضح عقب ذلك: طيب أمس قال لي المفتشون إن وليد عندهم في جهاز أمني. لكنها فشلت في استخراج الحقيقة. وبعدها سلكت الطريق القانونية في الإبلاغ عن اختفائه ومتابعة النيابة العامة. ورغم ذلك لم تصل إلى خيط يدلهم على مكان وليد.
توقفت حياة عائلة وليد شرف الدين لحظة اختفائه. وحتى الآن ما يزال مصيره طي المجهول، فيما الأجهزة الأمنية تنكر وجوده لديها ما يضاعف من معاناة الأسرة ويعرضها للقهر والحرمان. وما يحير عقل زوجته هو لماذا اعتقلته الأجهزة الأمنية وأخفته؟ وما هي الجريمة التي ارتكبها ليعاقب بالإخفاء القسري؟ وتساءلت: هل لأنه هاشمي أم لأنه ينتمي إلى المذهب الاثنى عشري أم لأنه إنسان ملتزم؟
قبل يومين زارت علياء وابنتاها البتول، 6 سنوات، وزينب، سنتين ونصف، مكتب “النداء”، وشكون محنة الأسرة التي بدأت عصر ال25 من أغسطس الماضي. بدت علياء صريحة في كلامها عن حادثة اختفاء زوجها. وقالت إن المتابعة والاعتصامات قد أتعبتها، لكنها تقاوم اليأس للكشف عن مصير وليد.
“إحنا بنسير إلى الأمن السياسي والأمن القومي ونقول لهم أطلقوا سراح بابا، وهم يقولوا إنه مش عندهم. نشتي نعرف فين هو، نشتي نشوفه ويرجع البيت…”، قالت البتول. قطعت زينب كلام أختها وأفصحت عن الخوف الذي ينتاب شقيقتها الكبيرة: “البتول تجلس خائفة من العسكر لا يجو البيت يشلوها معهم”. استأنفت البتول البوح عن مأساة أسرتها وقالت: إحنا بنسير ونشل صور بابا ونقول لهم خرجوا بابا من الحبس”.
وتكونت لدى الصغيرتين اللتين لم يعرفا بعد ما هي المدرسة، صورة ذهنية عن الأمن والأجهزة الأمنية والجنود، مفادها: “أنا أكره العسكر لأنهم بزوا بابا وهم يحبسوا الناس”، قالت البتول. وتناضلان رفقة والدتهما للبحث عن العائل الذي أخفي قسرياً عن العالم الحر.
إن إخفاء أي مواطن (أو حرمانه من حريته) سواء بيد من السلطة أو جهة أو أشخاص، فإن ذلك يكون مسؤولية السلطة. وتعتبر القوانين الدولية ظاهرة الإخفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم. وأن تنفي الأجهزة الأمنية أن الشخص معتقل لديها يجعله خارج نطاق الحماية التي يوفرها له القانون، كما ويعيق لجوءه إلى القضاء. وغالباً ما يختفي أشخاص إلى الأبد ويظل مصيرهم مجهولاً، مما يجعل عائلته جاهلة لما حدث لهم وتعيش في كابوس أبدي.
لم تمنع أحكام وقرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية المتعلقة بمكافحة حالات الاختفاء القسري، أجهزة الأمن اليمنية من إخفاء موظف الأمم المتحدة وليد محمد شرف الدين، قبل 5 أيام فقط من احتفال العالم باليوم العالمي للمختفين، وتذكير فريق عمل الأمم المتحدة في بيانه من مقره في جنيف للدول بالتزاماتها بموجب الإعلان المتعلق بحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، الذي اعتُمد في 1992، ودعوتها للمجموعة لإجراء تحقيقات فعالة لبحث جميع حالات الاختفاء.
وإذ عبر الفريق المؤلف من 5 خبراء مستقلين، عن قلقه إزاء تزايد عدد حالات الاختفاء القسري في جميع أنحاء العالم، أكد تضامنه مع الضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان الممثلين لهم. مبدياً انزعاجه من قوانين العفو أو غيرها من التدابير التي تؤدي إلى الإفلات من العقاب وتتعارض مع الإعلان. وحث جميع الدول على الامتناع عن إصدار عفو أو سن قوانين من شأنها أن تعفي مرتكبي الاختفاء القسري من الإجراءات الجنائية والعقوبات.
وكان الفريق تأسس عام 1980، وتم تكليفه بمساعدة أقارب الأشخاص المختفين للتحقق من مصيرهم وأماكن وجودهم، وأيضا ليكون بمثابة قناة اتصال بين الأسر والحكومات المعنية.
ما زالت الأسرة جاهلة للجهة الأمنية التي اعتقلت قريبها، وصرحت لها أثناء قيامها بتفتيش البيت يوم اختفائه. فيما تواصل الزوجة بجسارة وإلحاح البحث وراء مصير الزوج الذي تركها صباح الثلاثاء، وتلقي بسؤالها على كل الجهات الدستورية في الدولة، كما على أجهزة الأمن التي مازالت تنفي مسؤوليتها في إخفائه. لاذت أسرة وليد بالنائب العام، وقد أحالها على نيابة أحالتها أيضاً إلى البحث الجنائي. لكن دون طائل.
خرجت أسرة وليد شرف الدين (والدته وزوجته وشقيقاته وبنتاه) رفقة نساء أخريات يقاسين المحنة ذاتها إلى الجهات الدستورية للمطالبة بالكشف عن مصير أقربائهن والاعتصام على أبواب هذه المؤسسات التي لم تفدهم بمصيرهم. وتتضامن مع هذه الأسر عديد منظمات حقوقية وإنسانية وعديد سياسيين وأعضاء مجلس نواب وإعلاميين وحقوقيين.
***
عُرف وليد باعتداله وبشاشته مع الجميع، وبحبه وارتباطه الشديدين لأسرته وزوجته وابنتيه. وتتحدث علياء إبراهيم الوزير، خريجة التجارة تخصص علوم سياسية، 2001، عن زوجها بحميمية: أب رحيم وعطوف، ويتعامل معنا بكل مسؤولية، ويبث فينا روح الفكاهة. وهو زوج وعالم من الأحلام والمشاعر، فلطالما شجعني في جميع الميادين.
ويعمل وليد الحاصل على بكالوريوس محاسبة من كلية التجارة والاقتصاد، مساعد حسابات في برنامج الأمم المتحدة، منذ عام ونصف تقريباً. ويعتبر متفانياً ومخلصاً في عمله.
وعلمت “النداء” أن مكتب الأمم المتحدة بصنعاء قدم سؤالا لوزارتي الخارجية، والداخلية اليمنيتين، عن سبب اعتقال، أو إخفاء وليد شرف الدين، إلا أنه لم يتلقَّ ردا سوى الإفادة بعدم العلم. ومازال المكتب يتابع الأمر وينتظر الرد الرسمي.
سعى وليد حثيثاً للعمل على إيقاف الحرب في صعدة وإعادة اخضرار السلام الذي يرجوه ربما كل اليمنيين غير المستفيدين من الحرب القذرة، من خلال العمل المدني والحقوقي الذي نسقت له العديد من منظمات المجتمع المدني في صنعاء في حملة مدنية “معاً ضد حرب صعدة”. وقبل أسابيع من اختفائه تم اختيار وليد شرف الدين في اللجنة التحضيرية في حملة “معاً ضد حرب صعدة”، وتحديداً في لجنة التواصل والعلاقات. ومعلوم أن حادثة إخفائه أجهضت دوره الطيب في الدعوة للسلام والإخاء، ورمته في طي المجهول.
وتشير المعلومات إلى أن وليد لم يكن له أي نشاطات سياسية، ولم يتلق تعليمه في أي مركز ديني، وأن ما تعرض له يأتي على خلفية انتمائه الديني الاثنى عشري، وربما عمله.
***
وعلى مدى 6 حروب متعاقبة، دأبت الأجهزة الأمنية في صنعاء على شن حملة اعتقالات طالت العشرات من الهاشميين وعدداً من الذين ينتمون إلى المذهب الشيعي.
وأدانت عدد من المنظمات الحقوقية حادثة اعتقال وليد محمد شرف الدين غير القانوني. وحذرت من أن يكون هذا الاعتقال بداية لسلسلة من الاعتقالات التعسفية والعشوائية التي تستند في معظمها على أسس مذهبية وسلالية، وتعتمد على عدد من الإجراءات الباطلة والمخالفة للقانون والدستور ابتداءً بالخطف والإخفاء القسري، مروراً بالمعاملة القاسية والمهينة داخل المعتقل، وانتهاءً باستمرار الاحتجاز لفترات طويلة دون تهمة.
ودعت هذه المنظمات (منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان، مؤسسة حوار للتنمية الديمقراطية، المركز اليمني لحقوق الإنسان، ومنتدى الإعلاميات اليمنيات) في بيان صدر عنها في اليوم الذي تلى وقوع الجريمة، كافة المنظمات المحلية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، للضغط على السلطات اليمنية لوقف الاعتقالات التعسفية على خلفية حرب صعدة، والإفراج عن جميع المعتقلين خارج إطار الدستور والقانون على ذمة هذه القضية، ومحاسبة منتهكي القانون مهما كانت مناصبهم.