حرب المياه

حرب المياه

> بلقيس اللهبي
معركة المياه معركة قديمة، خاضها الإنسان مع الطبيعة، بنى السدود وأنشأ صهاريج ضخمة وشيد مدرجات، وقام بما يسمى حصاد المياه، وكان يراهن في حروبه على قطع طريق الماء دون عدوه، ثم أخذت هذه الحرب أشكالا جديدة من تحويل مجاري الأنهار من دول عن دول مسببة أزمات سياسية وقطيعة بين الجارات قد تصل في بعضها إلى حروب طاحنة.
إلا أنها هنا حرب يومية تخوضها النساء خاصة، اللاتي يحملن قِرَبهن ويسرن لساعات لحمل المياه للشرب، أو يحملن الملابس والمفروشات لمسافات بعيدة لغسلها.
ليس أسوأ من معركة تدار في مطبخ، مهما تواضعت محتوياته، لا ماء فيه، أو توفير كميات منه لغسل أرتال من الملابس المتسخة. إن معركة المياه التي أدركها قدماء اليمنيين ووفروا كافة الأدوات لتجاوزها، هي المعركة التي ما زالوا يعيشونها حتى الآن، ولكن بعد فقدهم قدراتهم القديمة وتفكيرهم الفذ في مواجهتها، المظهر الوحيد الذي احتفظوا به هو قذارة الجسد والملبس والمسكن والشارع.
مشاهد:
1 – تسهر “رقية” طوال الليل بانتظار أن تسمع تباشير عودة الماء. عداد الماء مشترك مع الجيران، وبعد معارك ومشادات يومية تم الاتفاق أن يأخذوا الماء دفعة بدفعة، وهي تخشى أن تفوتها دفعة بيتها من المياه. جاءت المياه، ولكن الماء ضعيف جدا، من حنفية منخفضة جدا، تستخدم أوعية مسطحة قادرة على الدخول تحت الحنفية المنخفضة، وتظل طوال الليل تنقل الماء إلى خزان المياه المتواجد في حوش المنزل، وتعبئ كافة الأوعية الممكنة، يمر بها زوجها بعد أن توضأ في طريقة لصلاة الفجر.
2 – قبيل المغرب مشادة صاخبة بين الجارات: من منهن أحق بدفعة المياه الواصلة بعد انقطاع عدد من الأيام؟ كل تتهم الأخرى أنها لم تنتبه لدفعتها التي جاءت بالفجر. يشارك الأبناء والبنات في المعركة، إحداهن نامت عن دورها، كان يجب أن تحرس دورها جيدا، أحدهم ذهب ليصلي الفجر بعد أن استنفد مخزون الماء في وضوئه، ولم ينبه تلك النائمة لوصول الماء.
3 – قبيل الدخول إلى المنازل وعند العودة من “تفارط” متفرقة تلتقي الجارات عند مدخل الزقاق. لا يتبادلن الحديث عن الجو ومدى ربيعيته أو دفئه أو برودته “ها..” لسن غربيات “فاضيات”، إنهن عربيات بل هن من معقل العروبة، مواضيعهن أكثر أهمية، نقاشهن يخص السيادة،: كيف الماء؟ جا الماء؟ متى تعتقدي…؟ تضيف إحداهن وهي تشد على نقابها إلى تحت ذقنها وتضع يدها على “ما كان” خصرها، متخذة وضعية ولهجة الحاذق الذي كسب معركة هامة: “أمس كنت أصبن طول الليل بمناسبة حضور الماء، لكنهم قطعوا الكهرباء واضطررت لإكمال الغسيل بيدي… ملاعين لو انتظرت سيقطعون الماء”.
4 – وصلت العلاقة بينها وبين وكيل العمارة حد التهديد: لن أدفع فواتير المياه أو ثمن “الوايتات”. “سلمى” التي لم يكن ينقصها مسلسل قطع المياه بل يضاف إليه أن خزان شقتها هو الأخير والأكثر ارتفاعا عن بقية أقرانه من خزانات العمارة. بعد أن يملأ “الوايت” الخزان الأرضي للعمارة تبدأ المضخة الكهربائية برفع المياه إلى خزانات الشقق في الدور السادس “السطح”، وقبل أن تصل المياه إلى خزان شقتها ذي المشاكل المتعددة، تنقطع الكهرباء، لتعود “الكهرباء” بعد إفراغ غالب السكان خزاناتهم لحاويات إضافية في شققهم، وعند بدء التعبئة من جديد تجد أن الخزانات الأخرى امتلأت ثانية إلا خزانها، ينتهي الماء قبل وصوله إليه، لكن ألن يجيبها الوكيل غير إجابته المعتادة: اتركي الشقة؟!
5 – بعد انتظار طويل بجوار حنفية الماء التي انتهت من إصدار صوت الفراغ في جوفها، تذهب “أملـ” إلى البقالة لشراء دبتي ماء عبوة 10 لترات. يبتسم لها البقال معلقا “نشكر الحكومة التي تعطينا قضية ساخنة تشغلنا عن حروبها ومواجهاتها”! لم تستطع الابتسام، حمل الدبتين بدون لمس يدي البائع شغلها، فهو منشغل بالتحرش بزبونات بقالته أكثر من الحرب والماء. هزت رأسها ودفعت 100 ريال. إحدى الدبتين للمطبخ والأخرى للحمام، ليس مهماً الاستحمام، الحمد لله صنعاء برد، كيف عاملين سكان المناطق الحارة؟، فكرت.
6 – أرادت الاستحمام ستنتظر إلى أن تأتي مياه المشروع، ممتاز. بعد يومين جاءت المياه، تفتح السخان، تنقطع الكهرباء! غير مهم ستسخن المياه على البوتاجاز، آآآآآخ… انتهى الغاز. تتجه إلى متجر بيع اسطوانات الغاز، تجد طابوراً طويلاً، هناك أزمة غاز، لو كانت في مدينة أكثر دفئا لاستحمت من الحنفية مباشرة!
7 – “صلاح” رجل يؤمن بالمشاركة، هو وكامل عائلته يحملون الماء “بالجرادلـ” من “ماسورة” عداد الماء في باب المنزل إلى الخزان في سطح المنزل ذي الطابق الواحد. الماء ضعيف وليس بمقدوره إنشاء خزان أرضي أو تحمل كلفة المضخة.
8 – “إسماعيلـ” تاجر ولديه منزل ضخم ولكنه لم يضع “عوامة” في خزانه. يغرق الشارع بالماء المتدفق من خزانه في كل مرة يأتي فيها (ماء) المشروع. لديه خزان أرضي وتعمل مضخة المياه لديه أتوماتيكيا، ولديه مولد كهرباء، فقط ليس لديه عوامة لخزان السطح! جاره “صلاح” يفكر في كيفية تحويل مياهه المتدفقة إلى خزانه الفارغ!
9 – صنعاء مدينة تعاني الجفاف، وسيتم بناء عدد من المدن السكنية الاستثمارية فيها!