حين يكون العطش نتاجاً للفساد

حين يكون العطش نتاجاً للفساد

غياب الدولة يحرم القاعدة من الماء، ويهدر عشرات الملايين!
> يحيى هائل سلام
مرةً أخرى، المسؤولون المحليون بمديرية ذي السفال، يتصرفون على نحوٍ مشابهٍ للسخرية، ومعززٍ للعطش، يعيد طرح سؤال العدائية للقاعدة، ومن دون علامات تعجب.
سؤالٌ مشروع، لعله القادر على تفسير فصل الملهاة الجديدْ:
أول أمس، آلات الحفر الارتوازي، أنهت أعمالها في منطقة تبعد ثلاثة كيلو مترات تقريباً إلى الشمال من مدينة القاعدة، 592 متراً، هو المدى الذي بلغته في الأعماق، وما من حصادٍ غير الزبد، وأكثر من 15 مليون ريال ذهبت جفاءً، لم تنفع الناس.
إلقاء اللوم على الغيب، طريقةٌ في الهروب مشينة، لا تصلح لأي شيءٍ، بما في ذلك، لعبُ دور أوراق الشجر، لمواراة سوأة الالتفاف على وجع المدينة، حاجة الناس إلى الماء، باستبدال موقع الحفر المفترض، في ظرف يوم وليلة، بموقع آخر بديل.
في هذا الموقع البديل، لم يكن الماء، على ما يبدو، هو ما تبحث عنه قيادة السلطة المحلية، كل ما كانت تبحث عنه، ليس أكثر من حفرة، تدس رأسها فيها، كملاذٍ أخير، في مواجهة الهشاشة، والعجز عن ممارسة دور الدولة!
ثمة بيانٌ وتبيانٌ لذلك:
قبل أكثر من شهرين، كانت آلات الحفر الارتوازي، في طريقها إلى قرية “خنوة” القريبة من مدينة القاعدة، وتحديداً، إلى أحد المواقع المملوكة لمؤسسة المياه، وكانت المؤسسة اشترته قبل سنوات، في ضوء تقارير فنية حددت المكان نقطة حفر لسد شيء من حاجة القاعدة إلى الماء، لكنْ، آلات الحفر لم تتمكن من بلوغ المكان، ارتدت على أعقابها، وكانت مجاميع مسلحة أجبرتها على ذلك.
آبارها التي تستنزف المياه الجوفية لري مزارع القات، لعلها قد تتأثر بالحفر في موقع المؤسسة، إن ذلك هو دافع المجاميع المسلحة في موقفها العدائي ذاك، ولم يكن “الكلاشينكوف” هو كل ما في حوزتها، ثمة توجيهات استصدرتها لتعزيز الموقف، وكان أحد وكلاء المحافظة هو مصدرها، والذي لكَمْ تبدى في توجيهاته تلك وكيلاً لمزارع القات أكثر منه وكيلاً لآلاف البشر.
المسؤولون المحليون في المديرية لم يكونوا أحسن حالاً من وكيل مزارع القات، فهم بدلاً من أن يمارسوا دور الدولة، تحولوا إلى شيوخ قبائل، يلتمسون رضا المجاميع المسلحة، فتخلوا عن الموقع المحدد للحفر، ومعه تخلوا عن الدراسات والتقارير الفنية السابقة، ثم راحوا يستجلبون ما يبدو (باراسيكولوجياً) أكثر منه (جيولوجياً)، وخلفه، قادوا آلات الحفر إلى حيث لا مجاميع مسلحة في انتظارهم، ولكنْ، لا ماء، كذلك.
ليست هذه هي المرة الأولى التي يتصرف فيه المسؤولون المحليون بمديرية ذي السفال على هذا النحو تجاه القاعدة، فهم قبل أكثر من عامين فعلوا الشيء نفسه، لقد حملهم آنذاك ذوو المصالح وأصحاب النفوذ على إزاحة نقطة الحفر عن مكانها المحدد في الدراسات الفنية أكثر من 50 متراً، ولأنه في بلادنا فحسب، الفساد يمارس بمحاضر رسمية، فقد وقعوا محضر الإزاحة، وبتوقيعهم، أكثر من 12 مليون ريال تلاشت في غياهب حفرة يتراءى فيها السراب، وتفوح منها رائحة الجريمة.
لم يجدوا من يحاسبهم، من يقولُ لهمْ: عيْب، لذلك تمادوا، كرروها اليوم، وسوف يفعلون غداً، وهذا هو حال الدولة/ الحفرة