محنة معتقلي الحراك السلمي

محنة معتقلي الحراك السلمي

> مضان مغاير في حياة أسرة حسين زيد بن يحيى
> علي شايف الحريري.. من سجن الغربة إلى غربة السجن
> لماذا أنت في المعتقل؟

للعام الثاني على التوالي يكتسب رمضان معاني مختلفة لدى أسرة الناشط والكاتب الصحفي حسين زيد بن يحيى.
النهج الأمني الذي تعتمده السلطات حيال الحراك السلمي الجنوبي يكاد يجرِّد رمضان من عناوينه: الرحمة والتسامح والسلام. وبالنسبة لعائدة (18 سنة) ومُهاب (17 سنة) وآية (10 سنوات)، وزكريا (8 سنوات)، فإن رمضان عندهم صار يساوي غياب الأب.
في رمضان من العام الماضي أمضى الأب لياليه في عتمة معتقل الأمن السياسي، ولم يُطلق سراحه إلا قبل العيد بأيام. والآن فإن زوجته وأبناءه الأربعة يتجمعون كل مساء حول مائدة الإفطار لكنهم إذ يدنو موعد أذان المغرب لا ينتظرون الفرح كما غيرهم من الأسر، بل تتعاظم «مشاعر الحرمان من الأب» لديهم، فيتوجهون بالدعاء إلى المولى لفرج كربة أبيهم.
أعتقل حسين زيد بن يحيى، 47 عاماً، صباح الأربعاء 6 مايو الماضي في نقطة «دوفس» الشهيرة بينما كان متجهاً إلى مدينة عدن.
بعد مغادرته المنزل في زنجبار صباح اليوم نفسه أقتحمت مجموعة أمنية البيت، وقاموا بتفتيش كل من فيه، وكل مافيه.
«لم يبرزوا إذناً بالتفتيش من النيابة»، قالت زوجته لـ«النداء».
أضافت: «عندما اقتحموا البيت قلنا لهم حسين مش موجود، لم يصدقونا». وتابعت: سببوا لنا خوف، وخاصة الأطفال، وقد جلسوا داخل البيت حوالي ساعة، وعندما وصلهم خبر اعتقال حسين على طريق عدن، خرجوا».
خرجوا مخلفين وراءهم الرعب. ففي ذلك الصباح كانت «آية» تستعد للذهاب إلى المدرسة لأداء الاختبار، لكن اختباراً آخر اقتحم عالمها وبيت أسرتها. وعندما غادر رجال الأمن كان الرعب يسكن قلب الإبنة الصغرى لحسين، وهي لم تقو على مغادرة البيت لمدة أسبوع. «ظلت أسبوع خايفة»، أكدت أمها لـ«النداء». وقد تجاوزت آية المحنة بفضل تشجيع والدتها ومعلماتها.
في «دوفس» تم اعتقال حسين الذي أودع سجناً في أبين يقع في اتجاه حصن شداد. وإلى هناك توجب على «مُهاب» الذهاب يومياً لإيصال الغداء لأبيه. وفي «اليوم السابع» حمل مُهاب الغداء، لكنه عاد مكسور الجناح. لم يجد أباه، وقد أبلغه الحرس بأن حسين نُقِل إلى صنعاء.
بعد نحو شهرين غادرت الزوجة وأبناؤها زنجبار بحثاً عن الأب المختفي في العاصمة. كانت وجهتهم الأمن السياسي. وهناك أمضت زوجة حسين وابناؤها ساعات طويلة قبالة البوابة كي يُسمح لها بالدخول لزيارته.
«كل يوم كنا نرجع حاملين (وجبة) الأكل التي يرفضوا إدخالها إليه، ونحمل معنا أيضاً وجعنا ومخاوفنا على صحته»، زفرت الزوجة قبل أن تلتقط معنى السلوك الأمني حيال الأسرة، قائلة: «كانوا يريدون إذلالنا». لكن أم عائدة لم تُذل فقد تعالت على أوجاعها وصمدت أمام بوابة الجهاز الأمني الذي صار منذ عامين وجهة أسر المعتقلين القادمة من المحافظات الجنوبية والشرقية. وقد سُمح للأسرة بالدخول لزيارة حسين.
قالت أم عائدة: «اندفع أبنائي بسرعة نحو المكان المخصص للزيارة، كانوا يظنون أنه في انتظارهم لأخذهم بالأحضان، لكنهم اصطدموا بشبك حديدي، وعندما بحثوا عنه وجدوه هو الآخر وراء شبك حديدي آخر».
أضافت: «لم نتمكن حتى من سماع صوته جيداً، فقد كان المكان مزدحماً بأسر أخرى، وبعد عشر دقائق كان وقت الزيارة قد انتهى».
«حسين ليس مجرماً حتى تتم معاملته هكذا»، خلصت قبل أن تختم حديثها لـ«النداء» بمناشدة المسؤولين في السلطة من أبناء الجنوب والقياديين في الحراك، معاً، بالعمل من أجل إطلاق سراح كافة المعتقلين على ذمة الحراك، وليس حسين فقط، فهؤلاء المعتقلون -هي تقول- أبناؤكم واخوانكم، وهم مظلومون ويحتاجون إلى نصرتكم.
 
***
  علي شايف الحريري.. من سجن الغربة إلى غربة السجن

> الضالع – فؤاد مسعد
داهمت أجهزة الأمن السعودية مساء 20 أغسطس 2008، السكن الخاص بالشاب علي شايف الحريري واقتادته من بين زملائه إلى السجن دون أن يدري الجريرة التي اعتقل بسببها، كما لم يدر زملاؤه في غربته أي مكان قصده رجال الأمن السعودي وهم يعودون بالشاعر الحريري مكبلا بالقيود، كان أهله ينتظرون عودته بعد غربة عام عن أسرته وأطفاله الصغار بينما كان لمسؤولي أمن المملكة وجهة نظر أخرى، حيث تم الإبقاء عليه في السجن لفترة تقارب ثمانية أشهر استمرت حتى مايو الماضي حين قررت أجهزة أمن السعودية ترحيله مع زميل آخر إلى اليمن لتتلقفه أجهزة الأخيرة (اليمن طبعا) بحضنها الدافئ/ سجن الأمن السياسي كمكان يليق بمسافر قضى بعيدا عن بلده قرابة العام، فيما أمضى ثلثي العام الثاني في سجون الغربة، والآن يكمل الشهر الرابع في السجن.
“النداء” زارت أسرة السجين علي شايف في الضالع والتقت شقيقه عبود الذي قال: بعدما علمنا انه تم ترحيله إلى اليمن لم نكن نعرف مكان اعتقاله، وبعد شهر تواصل معنا وأخبرنا انه في سجن الأمن السياسي، مؤكدا أنه خلال الشهر التالي لوصوله خضع لتحقيق متواصل، يستدرك عبود شايف (20 سنة)، وإلى الآن لم يحولوه إلى النيابة أو المحكمة!
عبود قال لـ”النداء” إن عائل الأسرة السجين بدا شاحبا على غير عادته، ولوحظ أن جسمه فقد الكثير من وزنه، كما فقدت الأسرة التي يعد علي أكبر أبنائها مصدر دخلها الوحيد، إذ الوالد بلا راتب وصار طاعنا في السن، ولم يعد بمقدوره سوى انتظار الإفراج عن ولده الذي ما ترك أسرته إلا بحثا عن الرزق ولو في بلاد الغربة.
هاجر علي إلى السعودية قبل عامين، ومن يومها لم ير أطفاله، وخصوصا الصغير أمين البالغ من العمر عامين، والذي لم يقدر له رؤية والده بالمرة. قبل ولادته كان الوالد الشاب قرر السفر للعمل في السعودية، وحينها كانت نسرين في الثامنة من العمر، بينما كان عبدالفتاح يتخطى السنة السادسة. الآن يضيف كل منهما سنتين أمضياها شوقا لرؤية والدهما الذي قضى العامين الأخيرين متنقلا بين سجن الغربة وغربة السجن.
وعلى الرغم من شوق علي لأبنائه إلا أنه لا يود أن يروه وهو مكبل بالقيود خلف القضبان حتى لا يتأثروا بالوضع الذي يعانيه، ربما يبدو محقا في ذلك فهو شاعر غنائي مبدع، ويعرف قيمة الشعور والأثر الذي يمكن أن يلحق بأطفاله لو رأوه على هذه الحال.
عبود قال لـ”النداء” أمس الثلاثاء إن إدارة السجن تسمح لهم بالزيارة مرة واحدة كل أسبوع، هو من يتولى القيام بها وحيدا وسط ظروف قاسية تعيشها الأسرة في منطقة حرير شمال شرق الضالع.
في هذه الأيام الأخيرة من الشهر الكريم تتطلع أنظار الجميع صوب أملهم الوحيد ممثلا بالإفراج عن ابنهم، دموع والده الذي تجاوز الستين من العمر كفيلة بالتعبير عن الأسى الذي لحق بالأسرة جراء اعتقال علي الذي يعد أكثر من مجرد عائل يتحمل مسؤولية الأسرة.

***
                                                    لماذا أنت في المعتقل؟
> محمد علي محسن
الشاعر المهاجر علي شائف الحريري يؤتى به من معتقله في المملكة العربية السعودية إلى معتقل آخر في وطنه اليمن، 8 أشهر قضاها في الأول على ذمة حراك الجنوب وبتهمة نشر أخبار على موقع “الضالع بوابة الجنوبـ”، و4 أشهر أُخرى في معتقله الثاني الذي مازال فيه حتى اللحظة رهن الاعتقال دونما محاكمة أو عودته لأهله وأولاده في جبل حرير أسوة بقيادات حراكية اقتيدت إلى الحبس العام الفائت، بل وأسوة بزميله المغترب المفرج عنه قبل أشهر.
عام كامل أمضاه المعتقل الحريري في الحبس، لا أحد يعلم بظروف وملابسات اعتقاله في المملكة أو عن جريرته الخطرة بحق الوحدة والوطن حتى يتم حبسه هذه المدة الطويلة بعيداً عن أهله وذويه ووسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية والإنسانية، فكل ما هو متوافر لدينا أن اقتياده للحبس تم على ذمة موقع إخباري، بمعنى آخر إن وسيلته الكلمة والفضاء المفتوح على الجميع، فعلى افتراض أن وسيلته انفصالية الخطاب فهل الوحدة بخطابها ووسيلتها وفعلها بألف خير؟
لنفترض جدلاً أن شاعرنا المهاجر نظم قصيدة شعر أو كتب مقالة أو نشر خبراً ضد الوحدة ومؤيداً للعودة إلى ما قبل 22 مايو 90، فهل الدولة اليمنية الموحدة لا تقوى أو تتحمل قصيدة أو رأياً من هذا القبيل؟ إذا كانت بهذا الوهن والمنطق السقيم فعليها إذن ملاحقة كل صوت معارض للوحدة بدءاً بعلي سالم البيض مروراً بصحف ومواقع الكترونية وكتاب وقيادات تدعو جهرة للانفصال، وانتهاءً بآلاف المتظاهرين الرافضين لوحدة ما بعد 94.
في آخر لقاء جمعني بالمعتقل الحريري قبل مغادرته إلى مكان عمله في السعودية، كان في سوق مدينة الضالع، حينها لم أجد معه غير مخطوطة لمجموعة قصائد رائعة كتبها في الغربة، فالرجل مذ عرفته ليس من هواة البارود والدم والإرهاب حتى يتم ملاحقته في قوته، كما أنه إنسان مرهف بالمشاعر والأحاسيس وملتزم بالقانون والنظام، ولا أظنه منتمياً للقاعدة أو من قطاع الطرق وخاطفي السياح، وعليه كان يمكن إحضاره بإخطار كتابي أو اتصال هاتفي بدلاً من اعتقاله بالتعاون مع أمن المملكة، وبتلك الطريقة المهينة التي جعلته يقبع 8 أشهر في السعودية قبل نقله إلى بلاده على طريقة الزعيم عبدالله أوجلان.
أخي الشاعر: أقول لك وأنت خلف الجدران؛ لا تبتئس ولا تحزن، فأنت في بلدك المسمى اليمن، فاعذرنا جميعاً إن لم نزرك في معتقلك، فنحن لا نعلم أن الحال وصل بنا إلى هذا المآل العبثي المستهتر الفوضوي المهين! فلولا قراءة اسمك الأسبوع الفائت ضمن قائمة ال33 معتقلاً في صنعاء، لما عرفنا جميعاً، على الرغم من أن مدة الاعتقال طويلة. إننا مثلك أيها الصديق، فكل منا في سجن كبير لا أحد منا يعرف الآخر بسجنه، بتهمته، بمكان اعتقاله..
حقيقة لقد صدمنا نبأ اعتقالك منذ عام، فقل ما شئت واكتب ما تريد شعراً ونثراً، فلست وحدك اليوم، ويكفي أنك بمعية السفير عسكر والبرلماني أحمد بامعلم والأكاديمي الدكتور حسين العاقل وزملاء الحرف فؤاد راشد وصلاح السقلدي… والقائمة طويلة من الأسماء غير الضالعة بالإرهاب أو الاختطاف أو الفساد أو النهب.
أما صاحبك كاتب هذه السطور فليس له سوى كتابة المرثيات لوحدة شعب ووطن، فماذا عساي قوله لأولادك وأهلك الذين هم بانتظار خروجك من السجن لا من بوابة المطار مثل كل مرة؟ لمن هم لا يعلمون بحبسك ولا يقرؤون ما تكتبه في النت ولا يؤيدونه ربما، لكنهم بكل تأكيد سيدركون من الآن وصاعداً لماذا أنت في المعتقل منذ عام ودون محاكمة؟