التكفير بوابة الحرب

التكفير بوابة الحرب

>عبد الباري طاهر
تنحدر المنطقة العربية إلى ما دون الحضيض. تُقبل البلاد العربية أو هي مقبلة على قبول التطبيع مقابل وعد كاذب بتعليق “الاستيطان”. قيادة المتطرفين الصهاينة “المنتخبة” لا تستطيع الكذب على المستوطنين، فهي ماضية ومتجهة بكليتها للاستيطان وتهويد القدس الكبرى التي تعني ابتلاع الضفة الغربي بالكامل، وستقام دولة أبو مازن وشلته في المريخ أو في بنك!
لا تقبل قيادة الصهاينة من أي كان حتى من حماتها في أوروبا وأمريكا، بينما ينصاع حكامنا لإشارة الإصبع من أمريكا. وليس في الأمر أحجية أو لغز، فقيادة الصهاينة منتخبة، وتنزل على حكم ناخبيها، وهي تعبر عن الإرادة المتطرفة والجهنمية للمغتصبين الصهاينة. أما حكامنا فجل مقدرتهم هي اغتصاب الحكم في البلدان العربية المغلوبة على أمرها، لذا فعداوتهم الدائمة ومعركتهم المستمرة مع شعوبهم.
يعجز الحاكم العربي عن قيادة بلده أو تحقيق الحد الأدنى من مطالبها، فيعالج العجز بإعلان الحرب على أمته وشعبه. لا يستطيع الحاكم العربي البقاء في الحكم إلا بتدويخ مواطنيه بالحرب، فالحرب عندهم هي الوسيلة المثلى والوحيدة للإجابة على أسئلة الجوع والعطش والأمية والبطالة وتغول الفساد والاستبداد.
اذا ما استثنينا لبنان والمغرب فإن الحكم العربي من الماء إلى الماء قائم في جوهره على الغلبة، وقانون القوة، حتى لو احتكم شكلياً إلى الانتخابات الصورية، والمعروفة النتيجة سلفاً.
في هذه البلدان المحكومة بالقهر يتحالف الحكم مع القبيلة والرأسمالية الطفيلية ورجال الدين الفاسدين وأحياناً التيارات السلفية ابتداءً بالدعوية وانتهاء بالجهادية.
لاحظ أديبان كبيران ومفكران مبدعان: هادي العلوي يرحمه الله وحلمي سالم شفاه الله، أن التيارات السلفية غالباً ما تقف على يمين السلطة، وهي قد تسبق السلطة وتجرها إلى مواقف أكثر استبداداً وتشدداً. والحقيقة أن العديد من الوقائع تؤكد ما ذهب إليه العلوي وحلمي، وعلى سبيل المثال ما يحدث الآن في السودان، فغلمان الرابطة الإسلامية، وهم من التيارات السلفية “المراهقة”، قد أصدروا بياناً يكفرون فيه أعضاء الحزب الشيوعي السوداني حتى ولو صاموا وصلوا. وهم لا يصادرون فقط حقاً من حقوق المواطنة تكفله الدساتير والإعلان العالمي والعهود والمواثيق الدولية، وإنما يصادرون الإيمان، وهو ما لم يعطه الله لنبيه. والحملة التكفيرية بالجملة تتخذ شكل الأوبئة الجائحة كالطاعون وإنفلونزا الطيور والخنازير. ولا شك أن الدولة السودانية الخارجة من رحم “الجبهة القومية الإسلامية” ليست بالبعيدة عن هذا النزوع الطاغوتي الذي يمتلك صكوك شهادات الكفر والإيمان في بلد طيب ومتسامح كالسودان.
هناك ترافد بين هذه التيارات والأنظمة المستبدة والفاسدة.
وفي السودان لعبت الجبهة القومية الإسلامية دور المحرض الأول في المواجهة بين الشمال والجنوب، وكانوا الأكثر تشدداً في الدعوة للحرب ضد الجنوب الكافر والوثني، ونظروا لوحدة العقيدة كضد لوحدة الأرض والإنسان. وفي اليمن كان الدعاة في التيارات السلفية أكثر حماساً لحرب 94 من الحكم نفسه.
من يتابع الصحافة والكتاب السلفيين حتى المودرن وخطباء الجوامع وأعضاء في مجلس النواب المحسوبين على هذا التيار، يدرك مدى التلمظ لسفك الدم وللفتنة والحرب.
مفردات التطهير والإبادة والاستئصال والأرض المحروقة والاجتثاث تدمغ الدعاة والمحاربين سواء باسم الدين أو القبيلة التي اعتبر بعض رموزها وقف الحرب خيانة وطنية.. تدمغهم “بمجرمي الحربـ”!
هذه المفردات الجهنمية لا يجوز استخدامها في مواجهة عدو خارجي. أما أن تستخدمها في مواجهة وطنك وشعبك وأهلك وأرضك فمنتهى الجنون. فالذي تقتله أخوك شيوعياً كان أو شيعياً، زيدياً أو شافعياً، يهودياً أو مسلماً، ولا يمكن للمنظمات الدولية والأمم المتحدة أن تبحث عن أدلة إدانة بالجرائم كالحالة الموجودة في مناطق القتال، وفي الخطاب الإعلامي الذي يتحدث عن الأرض المحروقة والاستئصال.
كل العوامل والأسباب لا تعطي للحوثيين التمرد على الحكم، وعندما ندين الحرب لا يعني بحال التعاطف مع الحوثي، فالحوثي ضالع في جريمة التمرد، ولكن الحرب تقوي الحوثي، وتدمر صعدة إنساناً وحضارة وتاريخاً. لا يمكن الحديث في الحرب الداخلية؛ حرب الإخوة الأعداء، بالاجتثاث والتطهير الذي قد يفسر بالتطهير العرقي أو الأرض المحروقة. وحتى لو كانت صعدة أرضاً صهيونية لما جاز الحديث عنها بهذا الأسلوب الهمجي والمتوحش.
لا يوقف حرب صعدة إلا معالجة ومداواة عللها وأسبابها، وهي عميقة الجذور، وبحاجة إلى عقل ومنطق ليس مهجوساً بالتعطش للدم أو منطق التطهير والاجتثاث والاستئصال. لقد قامت النازية والاستعمار والفاشية في العالم والصهيونية في فلسطين بأبشع من هذا النوع من الحروب، ولكنهم كلهم لم يتحدثوا عنه في خطابهم بمفردة واحدة من هذه المفردات المرعبة والبربرية.
لا يمكن أن نقف بحرب صعدة عند دعاوى الحوثيين وشعارهم القروسطي، فقضية الحرب الكريهة تطال المدنيين الآمنين الأبرياء بأكثر مما تصيب المتمردين المحاربين. يتحدث العالم الآن عن 250 ألف مشرد، وغداً أو بعد غد سيكونون آلافاً مؤلفة، وستكون الحرب اليوم أو غدا بوابة للتدخل الأجنبي بمختلف صوره وأشكاله.
وصدقاً ليست صعدة وحدها مشكلة اليمن، فكل مناطق اليمن تعاني الويلات، ولا يمنعها من الالتجاء لحمل السلاح إلا التمدن والتحضر أو الضعف، وربما الكمون أيضاً.
ولعل الجنوب أكثر مناطق اليمن غبناً لأنه جرى انقلاب عسكري دموي لإقصاء مشاركته، وتحويله إلى فيد وغنائم، ويقبع العشرات والمئات منهم في المعتقلات في عدن وحضرموت وصنعاء، منهم الصحفيان فؤاد راشد وصلاح الصقلدي، والسفير قاسم عسكر وناصر قزقوز وصلاح بن هامل ومحمد بافقاس من قيادات الإصلاح والتجمع الوحدوي، وعشرات بل مئات غيرهم. ما يعيب حقاً ويثير أكثر من سؤال هو خفوت صوت معارضة الخارج إزاء المعتقلين، وإجابة الأخ الرئيس عن التواصل المباشر مع قادة الحراك للجزيرة لا تكفي لتفسير خفوت الاحتجاج إزاء المعتقلين وهم بالمئات.
لا شك أن حرب صعدة السادسة قد غطت على ما عداها من أحداث على كثرتها، ولكن الصوت المعارض في الخارج يستطيع أن يرفع صوته في إدانة نهج الحرب المتواصل منذ 94، وأن يلفت أنظار العالم إلى معتقلين وقتلى بالرصاص الحي لاحتجاجهم السلمي، وهم بحال ليسوا بمحاربين، وإنما الدولة وحدها هي المحاربة ضد كل أبناء شعبها.
التدمير الشنيع ضد البشر والمساكن والمزارع، والخطاب المتوحش يبدوان كما لو أنهما يستعجلان التدخل الأجنبي، وينتظرانه على أحر من الجمر.