بالبكاء صار أكبر

بالبكاء صار أكبر

> منصور هائل
السياسي الشجاع هو الإنسان في كل حالاته، في ضعفه وقوته، في صمته وكلامه، في مسراته وأحزانه.
وهو من يبكي ويضحك ويرقص ويغني على رؤوس الأشهاد، وقد علمنا نيلسون مانديلا أن الرقص كان من الوسائل الناجعة للاندماج بشعبه، وممارسة أرقى أشكال الاحتجاج والرفض والاعتراض التي أفضت إلى تقويض وإسقاط أعتى نظام عنصري شهده تاريخ البشرية في القرن العشرين.
السياسي هو من يبكي ويلعب ويحلم ويحب، وليس من يكذب ويقتل وينهب، وينكث في العهود والمواثيق، ويتقلب في المواقف ويستبدل أصحابه كما يبدل جواربه.
والسياسي هو من يتوسل السياسة أسلوباً رشيداً لإدارة فن العيش، ووسيلة لتدبير شؤون الحياة وتصريف الشأن العام بأفق عقلاني يستوعبه فضاء المدينة وتنتظمه الأطر والعلاقات والتفاعلات المدنية، التي كانت باستمرار، ودائماً، شرطاً لازماً لتخلف وازدهار الفعل السياسي الشاهد على اقتران ظهور السياسة بميلاد المدينة، وصار من غير الممكن أن تحضر السياسة وتغيب المدينة والعكس.
وعلى ذلك يكون السياسي مدنياً أو لا يكون، وهذه قاعدة لا تحتمل الاستثناء حتى في اليمن حيث تعلو أصوات تحقير وتأنيث وتعهير المدينة بالتلازم مع ازدهار واستعار البداوة الفجة وانفجار قيمها الأكثر بدائية وتوحشاً، وهي قيم طاردة للسياسة والمدينة، وناطقة بلسان حقبة ما قبل السياسة والمدنية.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الجملة الهمجية الشعواء التي يتعرض لها المناضل الوطني البارز الأستاذ القدير محمد سالم باسندوة، صاحب المشوار السياسي الطويل والأدوار المشرفة من يوم انخراطه المبكر في معارك حروب التحرير ضد الاستعمار البريطاني بالكلمة والعمل المسلح والسياسي، وفي تمثيل بلاده والتعبير عن قضاياها في المحافل الدولية، ومنها الأمم المتحدة مطلع ستينيات القرن الماضي، ومروراً بمحطات ومواقع صحافية وثقافية وسياسية ودبلوماسية كثيرة ورفيعة هيأت له أسباب التطور الثقافي والسياسي، ومكنته من نسج شبكة علاقات وصداقات وطيدة ومتنامية مع نجوم الصحافة والدبلوماسية ومع وزراء وأمراء ورؤساء، وملوك، وانفتحت أمامه أبواب التكسب والثراء واسعة، ولكنه لم يركن إلى الدعة حتى بعد أن صار رأسماله الرمزي كثيراً وكبيراً، وكان بمقدوره أن يسحب منه وينتفع به كيفما شاء، وأن ينتجع أينما شاء، ويتقلب بالديباج والحرية وبين الجواري الفاتنات، ويحل الكلمات المتقاطعة ويقرأ التسالي، ويكتب ما شاء من التسالي ويعلن أنها “مذكرات” مكتوبة بـ”الرمالـ”!
كان بمقدوره أن يحتفظ بوقار تمثال من شمع على غرار غيره من “الأحرار المناضلين الكبار” الذين لم نعد لم نسمع بهم إلا في نشرات الأخبار، وما أكثر تلك الأسماء التي لم نعد نسمع بها إلا بعد أن يصبح أصحابها من انجازات السيد الرئيس الحريص، دوماً وأبداً، أن يكون في مقدمة الموكب المهيب لمشيعي “المناضل الراحلـ”، الذي قضى جل عمره في “خدمة الثورة والجمهورية والوحدة”، و… انتهى إلى مجرد فقرة في خبر من أخبار إنجازات الرئيس في نشرة الأخبار الرئيسة.
كان بمقدور الأستاذ باسندوة أن يكون “إنجازاً” رئاسياً، غير أنه رفض وبدا كمن ظل محتفظاً بنرجسيات الفتى المسكون بهواجس الرفض والتمرد والثورة والحرية والتحرر، وتجلى ذلك الفتى الذي كانه باسندوة وهو في عنفوان الاعتراض مع فارق بسيط تبدى في حقيقة أن اعتراضه ومعارضته للفساد والاستبداد الراهن أصبح مضفوراً بحكمة السنين وخبرة العمر والتاريخ.
واستفز وطاويط الخسة والدناءة ومنابر إعادة إنتاج الغباء والسفاهة التي أطلقت قذائفها الفاسدة عليها ونشرت روائحها الكريهة التي أزكمت الأرجاء وارتدت على أصحابها وعرَّت عقيرتهم المستثارة بوجه من استطاع هزمها بالبكاء، فهو بكى خراب وطنه في اللحظة التي استدعت تدخل الدموع على خط التعبير الإنساني السخي عن مشاعر لا تقولها الكلمات.
ذلك هو محمد سالم باسندوة الكبير من لحظة انخراطه في حروب التحرير ضد المستعمر الأجنبي إلى أن صار أكبر عندما بكى وكفه مبسوطة بوصفة إنقاذية لـ”الوطن” وإنقاذ أولئك الذين عجزوا عن إنقاذ أنفسهم من أنفسهم.
وصار أكبر وهو يتقدم الصفوف المعارضة بعد نيف وسبعين، وليس ثمة ما يجدد العمر وما يعيد اخضرار الشباب، وما يجعل الحياة ذات جدوى غير الالتزام بالسير على خط الأحلام والرهان على الحرية والتعاقد مع أشواق التحرر والانطلاق في بداية جديدة تفرضها دقات الساعة القائلة:
إذا كان الاستعمار استبداداً خارجياً، فالاستبداد استعمار داخلي -بحسب الرائع أبو بكر السقاف عافاه الله وأطال عمره.