الأمطار حولته إلى مأوى للكلاب ومصدر للأوبئة والروائح الكرية

الأمطار حولته إلى مأوى للكلاب ومصدر للأوبئة والروائح الكرية

كارثة بيئية تهدد ساكني حي “شعب عماق” وسط مدينة إب
* إب – إبراهيم البعداني
على بعد نحو 200 متر من مبنى فرع صندوق النظافة في محافظة إب، يعيش نحن 5 آلاف نسمة في حي “شعب عماق” -أحد أحياء مدينة إب- كارثة بيئية وإنسانية حقيقية: تحولت منطقتهم إلى مستنقعات من مياه البيارات والقاذورات وأكوام القمامة والنفايات المكدسة داخل المنطقة، ومنتشرة بشكل كبير ومخيف أمام البيوت، وأصبحت المنطقة مأوى للكلاب الضالة التي وجدت فيها مرتعاً خصباً لها بسبب تلك القاذورات والقمامة التي عجز عمال النظافة عن الوصول إليها.
هطول الأمطار بشكل غزير على مدينة إب، في الأيام الماضية، كشف سوءات السلطة المحلية التي فشلت بل عجزت عن إيجاد حلول ومعالجات للمنطقة المنكوبة، خاصة بعد أن غمرت السيول عشرات المنازل، فيما تعيش بقية البيوت مهددة بالانهيار على ساكنيها بعد أن أحدثت هبوطاً وتشققات فيها مما سبب تسرب المياه إلى أسفل المنازل، وأصبح يشكل خطراً عليها بعد استقرار المياه في أساسات المنازل ما جعلها شبه عائمة.
أشياء كثيرة تصيب المرء بالدهشة حين يصل إلى هذا الحي الذي يقع داخل مدينة إب مركز المحافظة، وتحديداً أحد أحياء مديرية المشنة عاصمة المحافظة.
يقع حي “شعب عماق” بالقرب من منطقة مفرق جبلة (دار الشرق) في قلب مدينة إب، ويعد من أخصب الأودية الزراعية والسياحية بالمدينة.
بدأت محنة ساكني الحي منذ 10 سنوات. ومنذ ذاك الحين ومطالبتهم للسلطات المحلية بتوفير الخدمات الضرورية والأساسية أسوة ببقية مناطق المدينة، مستمرة ومتواصلة. ومن أهم مطالبهم: المياه وشبكة الصرف الصحي، ومعالجة العشوائية في المخططات العمرانية التي وضعتها المحافظة، والتي تعد من الأسباب الرئيسية في جلب وحدوث هذه الكوارث المتكررة، حيث تم عمل مخططات للمنطقة لشق شوارع بعرض 15، 20 متراً، لكن على الطبيعة فإن عرض الشوارع ما بين 3 و5 أمتار، مما سبب ضيق هذه الشوارع في تجمع مياه الأمطار وحبسها في منازل المواطنين.
كما أن هذه الشوارع أصبحت تسبب ضرراً للسيارات التي تمتنع من الوصول إلى المنطقة، خاصة الوايتات، فأصحابها يرفضون بيع المياه لسكان المنطقة بسبب ضيق وتعثر تلك الشوارع التي تحولت إلى حفر كبيرة يصل عمق بعضها إلى أكثر من مترين، رغم وصول ثمن الوايت إلى 5 آلاف ريال.
كذلك الحال في السيارات الأخرى التي يرفض أصحابها نقل المواد الغذائية إلى منازل المنطقة، فيضطر الأهالي إلى نقلها على ظهورهم، وسعيد الحظ منهم من يظفر بحمار يحمل عليه أمتعته.
الكارثة الكبيرة التي شهدتها المنطقة كانت نهاية الشهر الماضي، حيث توفيت 6 نساء من سكان المنطقة حين تعثر إسعافهن إلى المستشفى حين كن في حالة وضع بسبب امتناع أصحاب الباصات والسيارات عن الدخول بسياراتهم إلى المنطقة بسبب تعثر الشوارع التي لم تعد صالحة للحمير، مما أدى إلى إجهاض النساء الست وموتهن جميعاً.
وحين حاول الأهالي لفت أنظار المسؤولين في المحافظة من خلال الشكاوى والمناشدات الكثيرة لم يلقوا أي إجابة أو اهتمام حيث اعتبر المسؤولون ذلك قضاء وقدرا.
معاناة الأهالي لازالت قائمة حيث يشكل طفح البيارات كارثة بيئة حقيقية، وأصبحت المنطقة وأصبحت بؤرة للبعوض والذباب، وتحولت إلى مستنقعات مليئة بالمياه الراكدة، وصارت الروائح الكريهة والجيف تفوح فيها محدثة أزمة حقيقية بعد تلوث الهواء. في حين مشروع شبكة الصرف الصحي متعثر منذ سنوات. اتضح بعدها أنه مشروع وهمي حيث اكتفت السلطات المحلية بوضع غرف تفتيش للمجاري نشرتها في المنطقة أثناء موسم الانتخابات الماضية كنوع من الدعاية الانتخابية لمرشح الحزب الحاكم. في حين أن الشبكة لم توصل بمنازل الأهالي.
كذلك مشروع المياه المتعثر رغم أن السلطات المحلية فرضت على الأهالي مساهمة في المشروع تصل إلى 30 ألف ريال على كل أسرة، وصل المبلغ إلى أكثر من 250 مليون ريال، واكتفت السلطات هناك بإيصال مواسير مياه فارغة أكلها الصدأ، وأثناء هطول الأمطار خلال الأيام الماضية، كشفت السيول كل تلك المشاريع الوهمية.
عشرات المنازل أصبحت عرضة للهدم بفعل التشققات التي أحدثتها السيول التي تسربت إلى أساسات المنازل.
القمامة صارت تشكل خطراً بيئياً ومعيشياً كبيراً بالنسبة للسكان؛ بسبب انتشارها بشكل كبير ومخيف، حيث يتعذر على سيارات النظافة الوصول إلى الحي لانتشالها بسبب وعورة الطريق، خاصة والمنطقة لا تبعد عن الشارع الرئيسي (مفرق جبلة) سوى متر واحد فقط.
وحسب أهالي الحي، فإن مناشداتهم وشكاواهم إلى المحافظ والمسؤولين لم تفدهم بشيء، ولم ينتج عنها سوى زيارة الأمين العام للمجالس المحلية إلى المنطقة، واستماعه إلى معاناتهم والكارثة التي لحقت بهم بسبب إهمال السلطة. مضيفين أنه (الأمين العام) كان محرجاً بشكل كبير، مستغرباً من أن تكون هذه المنطقة إحدى مناطق مدينة إب (عاصمة المحافظة)، وعلى الفور تناول هاتفه المحمول واتصل بمدير عام الأشغال، وأطلعه على ما شاهده وما حل في المنطقة، مطالباً إياه بسرعة التحرك والنزول إلى المنطقة لعمل معالجات وتوسعة الشوارع وتعبيدها وشفط مياه البيارات وإيصال شبكة الصرف الصحي و… الخ.
وبعد انتهائه من تلك المكالمة قال للأهالي: خلاص كل مشاكلكم سوف يتم حلها بعد ساعات، ولن تقلقوا بعد الآن. كان هذا قبل شهور. وكانت تلك المكالمة لتهدئة الأهالي. ولا زالت المنطقة تعيش أوضاعاً مأساوية، وبات الأهالي محاصرين في منازلهم ينتظرون الفرج.

***
عزلة الهشمة في تعز تغرق في مجاري المدينة منذ 30 سنة محرومة من كل شيء،والآن تنوي
السلطة المحلية في المحافظة أن تقدم إليها مكافأة مجزية: تحويلها إلى مقلب قمامة 25
 ألف إنسان داخل بالوعة
* تعز – عبدالرحمن نصر
أهالي عزلة الهشمة في مديرية التعزية شمال مدينة تعز، محرومون من استنشاق الهواء النظيف منذ 30 سنة. ولأن هذه المنطقة صارت طريقاً تصريفياً لمجاري المدينة، فإن هؤلاء السكان الذين يربون على 25 ألف نسمة، يخوضون صراعاً مريراً مع الأمراض الفتاكة منذ مطلع السبعينيات.
ومع كل هذه الكارثة البيئية، التي ينتج عنها إصابة ما يقارب 70 شخصاً شهرياً بمختلف الأمراض، فإن السلطة المحلية في محافظة تعز تتوعد هؤلاء المعذبين بكارثة إضافية: مقلب قمامة!
مطلع الأسبوع اعتصم العشرات من أبناء عزلة الهشمة في منطقة البريهي بتعز، يستغيثون بالسلطة المحلية وبكل المعنيين بشؤون الإنسان والبيئة أن يجنبوا عزلتهم هذه الكارثة “وأن تذهب السلطة المحلية بمقلب القمامة إلى مكان آخر بعيداً عن منطقتهم”.
وفي البيان الذي وزعوه للناس وللمسؤولين في تعز ووسائل الإعلام أكد الأهالي رفضهم القاطع “لما تنوي السلطة المحلية القيام به من نقل مقلب قمامة تعز الكائن في مفرق شرعب إلى منطقة البريهي”. وعبروا عن استيائهم الشديد من هذه العملية التي تنوي السلطة تنفيذها “دون مراعاة لصحة الإنسان”. ولفتوا إلى أن هذه المنطقة (البريهي بشكل عام والهشمة بشكل خاص) تعاني من التهميش والظلم الحاصل عليها من قبل الدولة بسبب تحويلها إلى منطقة موبوءة وملوثة وحرمانها من كل المشاريع والخدمات التنموية “طوال 30 سنة”.
المواطنون الذين توجهوا إلى البريهي غاضبين على القرار الجديد والكارثي للسلطة المحلية، شكوا حالهم إلى الله وإلى العالم، وقالوا: “نحن منذ السبعينيات نتحمل الأضرار والبلاوي الآتية من المجاري، والآن يريدون مكافأتنا بكارثة إضافية”.
هذا صحيح، والذي يذهب إلى عزلة الهشمة يشاهد المأساة الإنسانية بأم عينيه. فالملاريا تفتك بالناس بلا رحمة، وبسبب انعدام مياه الشرب النقية فإن البلهارسيا والحمى المالطية وأمراض الكلى والمسالك البولية تفعل فعلها في الصغار والكبار. فضلاً عن تفشي حالات الفشل الكلوي بشكل مروع. وفوق كل هذا فإن هذه العزلة محرومة من الضوء، إذ لم تدخلها خدمة الكهرباء حتى اليوم، وهي التي لا تبعد عن المدينة إلا عشرات الكيلومترات. يقول المواطنون: “ومع كل هذا الوضع التعيس تفاجئنا السلطة المحلية في المحافظة بمخطط لنقل مقلب القمامة إلينا”.
“النداء” زارت المنطقة واستمعت إلى شكاوى المواطنون وتأوهاتهم. يصب شلال المجاري على أودية المنطقة وأموالها ملحقاً بالأرض والسكان أضراراً بليغة. وبحسب الشيخ عبدالجليل شعلان، الناطق بلسانهم، فإن مساحات زراعية واسعة أتلفت بالمجاري وخسرها أصحابها تقدر بالملايين “دون أي تعويض”.
وحول قصة تحويل مقلب القمامة من مفرق شرعب إلى عزلة الهشمة، قال الشيخ عبدالجليل: “إن السلطة المحلية في المحافظة كانت تبنت إقامة مشروع تدوير النفايات على مساحة من أراضيهم تقدر ب25 ألف قصبة”، وهو الأمر الذي جلب السرور والفرحة إلى قلوب السكان، لكن هذه الفرحة لم تبرح أن تبددت، فقد كشفت لهم الأيام أن ذلك المشروع ما هو إلا تمويه على المواطنين “والغرض منه تأسيس وتمهيد لإقامة مقلب نفايات”.
اكتشف المواطنون الخدعة وأخذوا مصعوقين يرفضون الموضوع بشدة. لقد شكلوا من بينهم “اللجنة الشعبية لمناهضة مقلب القمامة”، وباشروا نصب الخيام في البريهي للتعبير عن رفضهم القاطع للقرار.
لكن إذا ما نفذت السلطة قرارها وحولت هذه المنطقة الموبوءة بالمجاري، إلى مقلب قمامة أيضاً، فإنها قد حكمت على هذه المنطقة بالفناء. وإذا كانت الأمراض بلغت حداً لا يوصف من الفتك بأرواح المواطنين هناك، حيث 70 مريضاً كل 30 يوماً، فكيف سيكون الوضع الصحي بعد وصول مقلب القمامة.
يصف عبده يحيى جميل، وهو موظف برتبة مساعد طبيب في المركز الصحي بالمديرية، حالة الاستقبال اليومي للمرضى بأنها “أشبه بجائحة طاعون”. وقال: “نحن في المركز الصحي منذ 9 سنوات لا نستطيع أن نقدم سوى خدمة الإسعافات الأولية من معاينة وولادة ولقاحات وضرب إبر”. هذا كل ما يستطيع المركز الصحي الوحيد تقديمه. لا تتوفر أدوية ولا حتى الخدمة الأساسية للكادر الطبي في المركز.
والدولة كمسؤولة عن مواطنيها هناك، لا يدفعها الشعور بالواجب لتوفير “ولو حتى الحد الأدنى من الدواء” حسب أحد المواطنين، الذي قال: “ولا حتى الشعور بالرحمة والحياء”.
ويضيف جميل، شارحاً المصيبة: “تخيلوا كم مرة نطالب مكتب الصحة بتوفير مستلزمات دواء أساسية، لكن يا فصيح لمن تصيح”.
لا يبدو أن أحداً هناك لا يزال بريئاً من المرض، وكشفت الدكتورة أمل محمد القاتكى، التي تعمل في مركز البريهي للأمومة والطفولة، أن معظم حالات الولادة “التي نولدها لا تخلو امرأة من نقص دم وملاريا وتيفوئيد”.
وحده البعوض من ينعم بالراحة في “الهشمة”، وحتى الوسائل الوقائية منه كالناموسيات وغيرها لا تتوفر لدى المواطنين.
وقال سيد سلطان عبدالغني، وهو في حيرة من أمره: “أنا أتفكر هل الدولة لا يعنيها هؤلاء الناس أم أنها تتلذذ بالنظر إلى الهشمة وهي تغرق في بالوعة”.
وأضاف، وهو الأمين الشرعي للعزلة، مؤكداً وقوف المواطنين في وجه هذا التهديد الجديد لحياتهم: مقلب القمامة. متسائلاً: “هل المطلوب منهم مشروع إنقاذ للناس أم يزيدوا يدفنونا تحت أكوام القمامة!”.
لكن رئيس المجلس المحلي مدير المديرية محمد سعيد ردمان نفى أن يكون المقصود من هذا المشروع مقلب قمامة “وإنما إنشاء مصنع لتدوير النفايات”. وسألته “النداء” عن القرار المتخذ بهذا الشأن كيف وعلى أي أساس، أجاب بكل ثقة: “هذا ليس قرارنا ولكنه قرار مدروس من المجلس المحلي في المحافظة”. وقال إن دواعي نقل القمامة من مفرق شرعب إلى الهشمة اضطراري: “كون المساحة في مفرق شرعب لا تكفي”.
أما مدير صندوق النظافة والتحسين في المديرية فقد اعتذر عن الإدلاء بأي توضيحات صحفية، متحججاً بأن “الوقت وقت عيد.. وبعدا بعدا..”.
إجمالاً فإن أهالي هذه العزلة المنكوبة ينتظرون من السلطة المحلية في تعز أن تنظر لحالهم الأليم “وأن تعيد النظر في هذا القرار الذي يهدد وجودهم في تلك المنطقة”.
لم يعد هؤلاء الناس واثقين بأي وعود رسمية لإنقاذهم. فقد خبَّرتهم الأيام والسنون أن كل الوعود السابقة كانت كذباً، “ودائماً تأتي نتائجها عكسية” كما قال أحدهم. فقد وعدوهم بمحطة معالجة في 2001 وفي 2002 ولم يحصل، ومنَّوهم بعملية تنقيب أكيدة عن مياه شرب “وحفر آبار ارتوازية.. وكم وكم يا وعود”.