ضوء فاسد

ضوء فاسد

* منصور هائل
يوم كانت حفلات التعذيب والقتل بالكهرباء تنحصر بنفر من المعتقلين السياسيين وأصحاب الرأي المخالف، كانت تحظى بالتفات منظمات المجتمع المدني والصحافة والأحزاب السياسية والجهات الدولية المعنية.
وكانت تنعقد الندوات والمسيرات والتظاهرات والإضرابات والمؤتمرات المحلية والدولية، وتسافر الوفود وتعود، وتنظم الحملات التضامنية، وتصدر الوثائق والأدبيات، وتبث وتنشر الأخبار والقصص المتوازية والمتقاطعة عن الانتهاكات الفظيعة المرتكبة بحق المعتقلين والبطولات العظيمة التي اجترحوها بصمودهم في وجه حفلات التعذيب بالكهرباء.
كانت التعبيرات الإبداعية بتلاوينها المختلفة تتجلى في تعاطيها لتلك (الحفلات)، ويمتد أثرها عميقاً وبعيداً، وتصل إلى الأقاصي المنسية وغير المنظورة على سطح المعمورة.
وكانت، ولا زالت، أفضل، وبالأحرى أشهر الروايات العالمية تدور حول (الحفلات) إياها، وقد طبعت لعشرات المرات، وتصدرت رفوف المكتبات لأحقاب مديدة، وحتى اللحظة، واستخدمت كوصفات سحرية لتفتيح كوى النور و(الثورة)، وتكرست وتأسطرت أسماء بعض المؤلفين كنجوم وأيقونات مستقرة في الأذهان والذاكرات، وعابرة للأوطان والقارات والأزمان.
كان ذلك يوم كان القتل بالمفرد والتجزئة، وكانت حفلات التعذيب بالكهرباء مقصورة على المعتقلين السياسيين فقط، وكان في الوقت متسع لتشييع ضحايا تلك الارتكابات بأنفاس ملحمية وأسماء بطولية، وكان موضوع التعذيب والقتل بالكهرباء (مركزياً)، وحوله تدور المواضيع الأخرى، فهو موضوع لاسع، لاذع، فاجع وخارق للمعقول.
وحين صارت حفلات التعذيب والحرق والقتل تستهدف شعباً بكامله، لم تحرك المنظمات والأحزاب ساكناً، ولم تكترث بهكذا مصاب جسيم وعظيم، وربما كان مرجع ذلك يكمن في أفق توقعاتها المتواضع الذي ارتسم بموجب أدبيات أقرت في مؤتمرات سابقة حالت دون رؤيتها لما يحدث اليوم والآن فهو غير وارد في الوثائق ويستعصي على القياس بسوابق، وممتنع على (الإفتاء)!
وإذا كانت هذه الفعاليات معذورة في عدم قدرتها على النظر في هذا التقتيل اليومي المبرمج والمجاني والعشوائي والعام، وفي عدم اكتراثها بأخبار العائلات التي قضت حرقاً والبيوت التي آلت إلى أنقاض ورماد وذكرى دخان بسبب جرعات التعذيب العبثية وتقطيع تيار الكهرباء بين الثانية والثانية.
إذا كانت هذه الأحزاب معذورة على خلفية ما سلف، فهي ليست معذورة في إقدامها على تعظيم ثروة القتلة من النافذين الفاسدين الذين أبرموا صفقات ضخمة لاستيراد المولدات والفوانيس الصينية، ومولوا بالخفاء عمليات تخريب محطات الكهرباء، وتفجير وإعطاب كيبلات توصيل تيار الكهرباء من مأرب إلى صنعاء منذ أشهر، وكانوا وراء تكبيد الحكومة خسارة شهرية تقدر بستة ملايين دولار شهرياً مقابل ضخ الطاقة الكهربائية من مولدات شركة جريكو البريطانية القابعة على سفينة في البحر الأحمر قبالة سواحل الحديدة، علاوة على مليون دولار كلفة الديزل الذي تعمل به مولدات الحكومة في المدن.
وهي غير معذورة، أي المنظمات والأحزاب، في تهافتها على شراء المولدات الكهربائية المستورة من قبل النافذين الفاسدين حتى ولو كان مقصدها من ذلك هو قراءة وثيقة لإنقاذ الوطن. كيف يكون إنقاذ الوطن بضوء فاسد؟
وغير معذورة في عدم مطالبتها بمحاكمة العابثين بمصائر وأقدار وحيوات الأبرياء، الذين أغرقوا العباد والبلاد في الظلام، وحولوا حياة الناس إلى جحيم، وأرصفة الشوارع إلى طواحين، وأشاعوا التلوث والسرطنة في الأذهان والأبدان والهواء، وأشاعوا مناخات (الصفقة) والطلقة والحرق والسرق والنهب والخراب الشامل.
وغير معذورة في تخليها عن واجب الكشف والإبلاغ عن أصابع جريمة تقطيع أوصال شبكة الكهرباء القديمة، والحيلولة دون تشغيل الجديدة، وحرمان السكان من المياه، والنفاذ من باب انعدام بل إعدام تلك الخدمات للتربح والكسب الخاص والشخصي، الإجرامي بامتياز.
وإنها لمفارقة جسيمة ومتجسمة في موقف هذه المعارضة المتمثل بشراء مولدات كهربائية من غيرما سؤال عن انهيار خدمات الكهرباء، وعن تحويل شرذمة من النافذين (الزعران) ومحدثي النعمة إلى مليونيرات بين ليلة وضحاياها، بدلاً من تكبيلهم ووضعهم في قفص الاتهام لمحاكمتهم وإنزال أشد العقوبات بحقهم جزاء ما اقترفوا من جرائم ارتكست بالبلاد إلى عصر الظلمات والتوحش والبدائية
[email protected].