بعد أن تعذر على منظمات الاغاثة والسلطة المحلية توفير

بعد أن تعذر على منظمات الاغاثة والسلطة المحلية توفير

                   نازحو المزرق: الحوثيون تمترسوا في منازلنا وقذائف الجيش دمرتها
> “النداء” – حجة
أطفال بثياب مهترئة.. بالية، تكسوها ابتسامة باهتة، في ظلال أسرهم التي لا تغيب عنها كآبة ما آلت إليه أحوالهم، حيث الوجوه “رجالا ونساء” شاحبة، تنتظر ما ستجود به المنظمات الدولية والمحلية من غذاء ودواء وكسوة وخيام.
“المزرق” إحدى مناطق مديرية حرض بمحافظة حجة القريبة من محافظة صعدة، بطبيعتها كئيبة قاحلة، وزادتها المأساة الإنسانية التي حطت رحالها فيها كآبة وبؤسا.. أكثر من 270 أسرة من منطقة الملاحيظ بمحافظة صعدة شردتها حرب “قذرة” لا يدري كل طرف على ماذا يقاتل الطرف الآخر.. هي مأساة إنسانية: تشريدا وقتلا وجراحا.
“النداء” زارت منطقة المزرق بمديرية حرض، وتلمست عن قرب بعضا من معاناة النازحين الفارين من سعار المعارك في صعدة إلى هذه المنطقة القاحلة، وحشروا في مخيمات نصبتها منظمات دولية والسلطات المحلية بمحافظة حجة. هناك لا ترى أحدا يبتسم. وهذا في حد ذاته خلاصة المأساة.
مئات الأسر وآلاف المواطنين.. بلا مأوى
عدد النازحين في “المزرق” يكشف مدى عنف الحرب السادسة منذ أيامها الأولى، إذ وصل عددهم خلال الأسبوعين الماضيين ومناطق أخرى في مديرية بكيل المير المحادة لمحافظة صعدة من مناطق محافظة حجة، إلى أكثر 455 أسرة تقبع في مخيمات نصبتها منظمات دولية ومحلية، فيما تشير معلومات بأن هناك العشرات من الأسر النازحة لم تنضم إلى تلك المخيمات، بل نزلت في قرى متفرقة من تلك المديريات، ينتظرون ما تجود به قبائل تلك القرى من مأكل ومشرب وكساء، بعد أن أكلت المعارك ممتلكاتهم.

***
ضرب من الجيش.. وتهديد من الحوثيين
في “المزرق” يقول نازحون طلبوا عدم ذكر أسمائهم، إنهم واجهوا ظلما من طرفي القتال (الجيش والحوثيين)، حيث كانت تقصفهم مدفعيات الجيش حتى تدمر منازلهم فوق رؤوسهم، وتقتل من تقتل وتصيب آخرين بصورة عشوائية، فيما الحوثيون من الطرف الآخر يهجمون علينا في منازلنا ليقاوموا الدولة منها، وإذا رفضنا دخولهم أو حاولنا طردهم منها يهددوننا بالقتل، بل وفي كثير من الأحيان يقتلون الشخص منا مباشرة، لذا بمجرد أن يدخل الحوثيون إلى قرانا نغادر منها مباشرة لأن قوات الجيش لا تفرق بين حوثيين أو غيرهم، الأمر الذي اعتبروه زاد من مأساتهم، مطالبين الدولة باتخاذ إجراءات سلمية للقبض على من تريد من الحوثيين وتجنب الإضرار بالمواطنين.

***
تلوث البيئة.. أولى بوادر المخيمات
ومع مرور الأسبوع الأول من تواجد النازحين في مخيم المزرق بحرض، بدأت أولى بوادر التلوث البيئي الناتج عن مخلفات ونفايات الأسر، التي تراكمت يوما بعد آخر. وبرغم توجيهات محافظ حجة –بحسب ما نُشر- للسلطة المحلية واللجان العاملة في المخيم بسرعة توفير ناقلة لجمع النفايات وحرقها بعيدا، وكذا عمل الإجراءات اللازمة لتصريف مخلفات الأسر، إلا أن التعامل مع تلك التوجيهات يسير بسرعة السلحفاة، الأمر الذي ينذر بكارثة تلوث بيئية كبيرة وانتشار الأمراض المعدية بين النازحين التي سيكون لها عواقب وخيمة.

***
مناخ متغير.. غير أحوالهم
فروا من لهيب المعارك لاجئين إلى أماكن آمنة، نزلوا من الجبال واستقروا في “المزرق”. وهناك تكفلت البعوض وحرارة الجو بمراسيم الضيافة. والآن يمضي الأطفال والنساء وكثير من الرجال بالحمى والملاريا والإسهالات وغيرها من الأمراض. في المقابل لازالت الخدمات الصحية المقدمة متواضعة بحسب النازحين الذين يؤكدون أنهم لا يلقون الرعاية الصحية اللازمة، مما سبب لهم متاعب أخرى إلى مأساتهم الكبرى: تشريدهم من مساكنهم.

***
نزوح غير متوقع
وضع مخيم المزرق للنازحين بمنطقة حرض الحدودية بائس إلى حد كبير، بسبب عمليات النزوح الجماعي الكثيف التي فاقت توقعات وقدرات المنظمات الدولية لإيوائهم وتوفير كافة المتطلبات الأساسية لهم.
الغذاء، الصرف الصحي، وسائل الطبخ، الخدمات الأساسية في حالة نقص شديد، والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة لم تأل جهدا في تأمين ذلك، لكن كثرة الضغط اليومي عليها من النازحين يضعها في موقف حرج لمواجهة المتطلبات اليومية المتضاعفة.
وأشار العديد من النازحين إلى أن في مقدمة المشاكل التي يعانون منها في مخيم المزرق قلة الغذاء بسبب عدم توفير سوى الخبز وعدم توفير وسائل الطباخة للنازحين، ما يدفع بهم إلى الاعتماد على وجبة واحدة فقط في اليوم، مؤكدين أن عدم وجود حمامات في مخيم النازحين، جعل النساء في وضع حرج للغاية، حيث لا يستطعن قضاء الحاجة سوى مرة واحدة في عتمة الليل.
وأمام مشهد المعاناة الإنسانية لأبناء محافظة صعدة النازحين، واستمراء السلطة لإطالة حرب لا يعرف الهدف منها حتى الآن، يبقى الضحية مواطن مغلوب على أمره.. أطفال ببراءتهم.. نساء بكرامتهن.. ورجال فقدوا الكرامة وسيادة النفس إلى أن تنهض همة الضمير الإنساني لدى تجار الحروب.
مشهد الحرب لازال قاتما في صعدة، غير أن الرؤية الواضحة تبقى في إفرازاتها للمعاناة التي تزداد يوما بعد آخر لعشرات آلاف الضحايا من القتلى والجرحى والمشردين. لكن هذا لا يوقف السلطة عن التباهي بأنها قدمت كسرة خبز لنازح أو شيعت آلاف الشهداء أو رصدت ما خلفته دباباتها من ضحايا.