كيف لي أن أخترق البوابات الحديدية لأرتمي في حضنك الدافئ؟

كيف لي أن أخترق البوابات الحديدية لأرتمي في حضنك الدافئ؟

الدكتور حسين العاقل يرسل من السجن المركزي برقية اعتذار إلى والدته في قسم العناية المركزه بعدن:
أمي الحبيبة “منزلة مثنى حسين عقلان الخيلي”، وأنت ترقدين في غرفة العناية المركزة بمستشفى البريهي محافظة عدن، تعانين كما أبلغني أخي صالح من مرض الجلطة الدماغية، بينما أنا جسدياً هنا أقبع ظلماً وقهراً في زنزانة السجن المركزي بصنعاء، وطيف روحي يحلق فوق جسدك الطاهر الممدد على سرير مرضك، وخيالي يحوم حولك يتلمس مواضع ألمك، ويقبل يديك وجبينك، ينحني خاشعاً متضرعاً إلى الله العلي القدير، راجياً أن يشفيك ويبقيك في صحة وعافية إلى أن أعود إليك إن شاءت قدرة ومشيئة الخالق الرحيم.
أمي يا من خفضت لك ولوالدي المرحوم مثنى، جناح الذل من الرحمة، إن بعدي عنك في اللحظات العصبية لمرضك، يجعلني في حالة من الحزن والغبن والكمد بسبب سجني القهري الذي حرمني من رعايتك والوقوف بجوارك مع أخي وأختي وأولادي وأسرتي وأهلي. ولكن أيتها المسكونة في جوارح فؤادي، أستميحك العذر ومن خالق الكون الرحمة والغفران، فحرماني من واجب الطاعة بتمريضك، لا يعني معصيتك وقلة حيلتي نحوك، وإنما هي سياسة البغي والاستكبار وجبروت الظلم والاستبداد التي حالت عني ملازمتك، فأنت يا أمي تعرفين كيف تم اختطافي من داخل حرم كلية التربية صبر –لحج، التي نسكن فيها، وكنت قبل ذلك عندما تسمعين أصدقائي وهم يحذرونني من مغادرة بيتي لأن أجهزة الأمن تترصد نشاطي وتحركاتي بهدف اعتقالي، وما زال صوتك الغاضب بذاكرتي حين كنت تردين عليهم بصرامة لماذا بايعتقلوا ابني؟ أيش عمل من جريمة؟ هل ارتكب جريمة قتل أو سرق أموال الحكومة؟ هل قام بعمل يغضب الله حتى يدوروا اعتقاله؟ وعندما كانوا يردون على أسئلتك البريئة بأن ابنك يكتب عن البترول ويوضح للناس كيف ينهبون ويتلاعبون بثروة النفط والغاز الطبيعي الذي يستخرجونه من المحافظات الجنوبية. وهذه الكتابة ممنوعة وخطيرة، ومن يكتب ويوضح الحقائق ويكشف أسرار النهب وفضائح الاستثمار الواهي يزعّل الحكومة ويغضب المسؤولين، ومن يتحدى الفساد الاقتصادي با يودوه “بيت خاله” (السجن)، وابنك ماشي تقرص على بطنه، فقد كشف بعض الأساليب الخاصة باستخراج النفط عندما كتب أبحاثاً ومقالات مدعومة بالحقائق والأرقام عن الشركات، وطرق التعاقد معها، وعدد القطاعات والحقول، وكمية الإنتاج اليومي والسنوي من آبار الضخ من محافظتي حضرموت وشبوة. ولهذا السبب نحذره من مخابرات السلطة وجواسيسها، فأجهزتها القمعية باتعتقله بتهمة التحريض على الانفصال وزعزعة الأمن، وتهم أخرى لا حصر لها جاهزة للتوزيع في قاموس سلطة الوحدة المعمدة بالدم، في 7/7/94. فربما يداهمون بيته أو يقبضون عليه بالطريق أو بالسوق، ويمكن أن يقتحموا الكلية ويدخلوا إلى قاعة المحاضرات ليقبضوا عليه.
أمي الغالية، وأنا أهيم بخيال ذاكرتي وأشجان عواطفي بالخوف عليك، أستذكر تلك اللحظات التي كنت تنتظرين وصولي إذا تأخرت بالعودة إلى البيت، وأنت في حالة من الخوف والقلق، وبرغم محاولتي إقناعك وطمأنتك إلا أنني أشعر بخطورة حالتك الصحية، والتي كانت بفعل جريمة اعتقالي وطول المدة والبعد عنك.
ولكن أيتها الحبيبة مهما أصابتنا من مصائب و أهوال ومواجع، فليس لنا سوى القول: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”، وسأبقى في سجني شامخاً صلباً، ومعنوياتي عالية، لأنني أحمل قضية وطنية تستحق مني، ومن كل الشرفاء والمخلصين، التضحية. وقدري أن أقوم بواجبي بما يرتضيه ضميري نحو أرضي وشعبي، فثروات الجنوب وخيراته ليست مباحة للصوص والطامعين، لذلك فإن ثقتي بمصداقية ما كتبته ونشرته من أبحاث ومقالات تمنحني يقين البراءة، وأن طريقة اعتقالي كانت غير قانونية، وتمت بأسلوب تعسفي، وجريمة أقدمت عليها أجهزة الأمن ومخابرات السلطة في محافظة لحج يوم 8 يونيو، وتولت اقتيادي مكبلاً بالقيود في 20 يونيو إلى صنعاء.
هذه الحماقة -يا أمي- التي انتهكت فيها أجهزة السلطة حريتي وكرامتي، وتعدت على حقوقي المكفولة دستورياً، وكيفت ضدي تهمة سياسية باطلة، ستبقى وصمة عار في جبين المتسلطين الذين يعتقدون أن بإمكانهم إذلال أبناء الجنوب الأحرار المدافعين عن حقوقهم وثروات أرضهم، أو أنهم باعتقال مئات الأبطال الذين تكتظ بهم السجون والمعتقلات يستطيعون إخماد الحراك السلمي في الجنوب، بعد أن تعاملوا مع أبنائه بأبشع سلوكيات الحقد والكراهية، وأطلقوا لأنفسهم عنان السلب والنهب والبسط والاستحواذ. فمن واجبي أن أصدح بقول الحق، وهناك كثيرو ن مثلي يكشفون أسرار ما تعرضت له أرضنا في الجنوب، فلن نخاف من همجية العابثين حتى وإن قذفت بنا في سجونها وأزهقت أرواح شهدائنا وسفكت دماء جرحانا.
فماذا أفعل يا من جنتي تحت قدميك، وكيف لي أن أحطم حواجز القضبان وأخترق مصاريع البوابات الحديدية وأدك أسوار السجن العالية المحصنة بالأسلاك القاتلة والحراسات الباطشة، حتى أتمكن من الوصول إلى بين أحضانك الدافئة وأستنشق عبق رائحتك الهانئة؟
فيا للحسرة فقد جفت دموع عيني وغصة الحزن تكاد تخنقني، فلا سامح الله من يستغل سلطته ويشبع رغباته العدوانية بتعذيب الأبرياء، ويستمتع بمعاناتنا وتقييد حريتنا. ولكن هيهات يا أمي، فالزمن دوار، وكل زمن له دولة ورجال، فصبراً جميلاً وعذراً مشفوعاً منك، ومن الله الرحمة والغفران.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 
                                                        ابنك المسجون في السجن المركزي بصنعاء
                                                            الدكتور حسين مثنى مسعد العاقل
                                                                        1/9/2009