إغاثة صعدة

إغاثة صعدة

* ماجد المذحجي
تخلق الحروب بيئة معقدة على المستوى الإنساني، ويصبح من الصعب، بالمعنى الفعلي، تلافي الأضرار الفادحة التي تخلفها على السكان في مناطق القتال، وهم المادة البشرية الأكثر قابلية لنيل الأذى بسبب العنف الذي ينفلت تبعاً للحروب. ميزة التطور القانوني الدولي ضمن زمن طويل هو كونه استجابة لتعقيدات الحروب بشكل أتاح خبرة واسعة وفعالة في التعامل مع التداعيات الإنسانية لها وباتجاه تنظيمها بشكل يضمن نسبياً توفير الحماية للأبرياء، إضافة لإنشاء قواعد صارمة تتعامل بشكل جاد مع تحايل أطراف الصراعات واحتمائهم بفكرة كون الحرب بشعة ولاتميز، باعتبار ذلك يعفيهم من المسؤولية، لتلزمهم بضرورة الحرص على عدم ارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان ومنح الفرص للجهود الإنسانية لحماية وتقديم العون للضحايا المدنيين أثناء فترة الصراع.
ينسحب كل ذلك بالضرورة على صعدة التي لم تستجب فيها الأطراف المقاتلة للضرورات الإنسانية التي أدت لها الحرب، ولم تلتزم بالقواعد القانونية الدولية أثناء الصراعات المسلحة. ولكن بالتأكيد يترتب عبء المسؤولية الأكبر على الحكومة باعتبار أن رعاية المواطنين وحمايتهم هو مناط تكليفها الدستوري، علاوة على كونها صاحبة القدرة في اتخاذ قرار الحرب ووقفه، ومن تمتلك الحصة الأكبر من القوة العسكرية، على الأقل نظرياً، ضمن المعادلة التي تجمعها مع الحوثي.
إن المأساة القائمة بسبب العمليات الحربية الواسعة تحتاج إلى حساسية رسمية حقيقية تستجيب لها، وعلى الأقل يجب أن يتم تبني المناشدات الأممية بوقف المعارك بين الطرفين بشكل مؤقت لضمان وصول المساعدات للنازحين وعلاج الجرحى، والتعامل بجدية، وهو ما ينسحب أيضاً على الحوثي، مع مقترح الأمم المتحدة الأخير بضمان ممر إنساني في صعدة لايتم استهدافه من الطرفين، وإمكانية وقف المعارك يومياً لساعات محددة لإجلاء السكان والجرحى في مناطق القتال.
الإشكالية الأخرى التي يخشى منها بالفعل هي كيفية إدارة المساعدات القادمة للنازحين، وهل هناك استجابة فعالة وفورية للاحتياجات التي يخلفها استمرار المعارك وبالتالي التعامل مع الموجات الإضافية المتوقعة من السكان الفارين من مناطق القتال. طبيعة التعقيد هنا هو تعذر إنشاء إحصائيات دقيقة لإعداد النازحين وبالتالي خلق تقييم للاحتياجات، واستمرار المعارك الذي يؤدي إلى إضافة مستمرة لايمكن تقدير حدودها، علاوة على ضعف حضور منظمات الإغاثة في صعدة بسبب المخاطر الأمنية العالية على موظفيها، وينحصر الحضور في مخيمات النازحين على الهلال الأحمر اليمني الذي يحتكر ضمنياً الموافقة الرسمية على تلقي المساعدات وتوزيعها، حيث تقوم المنظمات الدولية الإغاثية بتقديم الدعم عبره، وتساهم بمستوى أخر في تقديم المساعدات للنازحين منظمات خيرية وطنية مثل مؤسسة الصالح وجمعية الإصلاح الاجتماعية الخيرية، وفي ذلك يخشى من الخلفية السياسية لهذه المنظمات التي تؤدي إلى ادوار خارج الوظيفة الإغاثية وبشكل ينالها فيه شبهة التحيزات السياسية والفساد الذي تؤدي إليه، حيث تصل شكاوي، لم يتم تأكيدها، من أطراف عدة بتوزيع بعض المنظمات الخيرية الوطنية جزء من المساعدات المخصصة للنازحين على أفراد الميلشيات القبلية التي تقاتل إلى جوار القوات الحكومية والتي يقوم أفرادها ببيع هذه المساعدات للتربح منها. وهو شأن إن حدث فهو يفصح عن كارثة خطيرة في عمليات الإغاثة مما يحتاج إلى تحرك عاجل ومحاسبة جادة لمنع تكرار ذلك وخلق رادع يمنع من التصرف في المساعدات الخاصة بالنازحين المصابة بالشح في الأساس.
[email protected]