نازحون في صنعاء محاصرون من العودة إلى أسرهم في مخيمات صعدة

نازحون في صنعاء محاصرون من العودة إلى أسرهم في مخيمات صعدة

بعد أن حاربوا الحوثيين شهرين، مستندين إلى دعم السلطة بالسلاح والغذاء، انقطعت المعونات عن غالبية أبناء منطقة “ساقين”، ما أجبرهم على الرحيل مفرغين من أي ممتلكات. تركوا كل ما يملكونه وفروا بأنفسهم وأولادهم إلى مناطق أقل خطراً وأكثر عناءً وفقراً.
في صنعاء التقت “النداء” مجموعة من أبناء “ساقين”، الذين ينزلون فيها قسراً جراء قطع الطريق المؤدي إلى صعدة. من بين هؤلاء “حمود محمد عبدالله صلاح عقبة”، الذي يعدم أية أخبار عن أسرته، النازحة في بيت عمه في محافظة صعدةن منذ غادرها قبل نحو أسبوعين لغرض متابعة “اللواء علي محسن” لمساعدتهم وتجنيده هو وأخيه عرفاناً لما بذلوه في القتال مع الدولة.
“حمود” أحد أفراد أسرة قوامها 20 فرداً. تم التنكيل بهذه الأسرة ومئات الأسر، ونزحت إلى صعدة في ليل 8 يونيو الماضي. ويقول إن معارك عديدة دارت بينهم (مقاتلين من “ساقين”) وبين حوثيين، استمرت شهرين. حاصرهم الحوثيون في المدينة، فيما تولت الدولة دعمهم بـ”الذخيرة والمونة والمواد الغذائية”. كانوا يقاتلون بكل عزيمة، إلى أن انقطع عنهم الدعم المادي والمالي، “وبعدين وصل الدعم إلى ناس ثانيين، واحنا ولا عاد ادوا لنا شيء، لا فلوس ولا سلاح ولا أكل ولا شي… وهذا ما أدى تفككنا”.
ويصف اللحظات الأخيرة لهم في “ساقين”: “زاد عدد الجرحى في صفوفنا، وانتظرنا العون من الدولة؛ لكنه لم يأتِ”. بدأ الضعف يسيطر عليهم، وبدؤوا يفكرون في الأطفال والنساء.
في 11 مساء من يوم 8 يونيو خرجت أسرة “عقبة” من بيتها سراً، ونزحت بالتدريج إلى منزل أحد أقربائهم في أطراف مدينة “ساقين”، وبعد 3 أيام إلى مدينة صعدة. “خرجنا من بيوتنا حفاة عراة، مزارعنا وبيوتنا دمرت، وخرجنا بالنساء والأطفال فقط”، يرصد حركة نزوحهم. بعد 3 ساعات من إخلاء بيت عضو المجلس المحلي “محمد عبدالله صلاح عقبة”، والد “حمود”، قصفه “الحوثيون” ولم تحصر الأضرار حتى الآن. بعد فرارهم سيطر الحوثيون على المواقع.
ولفت “حمود عقبة” إلى أن قائد المنطقة الشرقية، “علي محسن” دعاهم بعد نزوحهم إلى صعدة ووعدهم بمكافأتهم ومعالجة الجرحى منهم؛ لكنهم لم يحصلوا على خيام إيواء، ولم تقدم لهم جمعية الهلال الأحمر أي مساعدات، وتعتمد أسرتهم على راتب والده البسيط، وتعاني أوضاعاً مالية لم تشهدها الأسرة من قبل. ويذكر “حمود” أن لوالده مواقف جيدة مع الدولة: “هو أول من رفع تقارير عن حركة الحوثي عندما كان مديراً للأمن في مرّان سنة 1994، وحارب ضد الحوثيين في أكثر من منطقة”.
 
***
مزود الخدمة
دعت الحاجة إلى أن يعود “يحيى محمد الذويد” للمطالبة بمستحقات مالية لدى وزارة الأشغال العامة والطرق بعد أن كان قد توقف عن المطالبة بها في 2005. ويقول إن نزوحهم وتركهم لتجارتهم في مدينة “ساقين” كلفتهم الكثير.
في 28 مايو الفائت، تعرض “يحيى” لإصابة بطلق ناري في يده اليسرى، أثناء عودته من صعدة محملاً سيارته (الهيلوكس) بالمواد الغذائية لإنقاذ المواطنين المحاصرين في مدينة “ساقين” من قبل “الحوثيين”. انتظروه “الحوثيون” في الطريق. وعند عودته أطلقوا عليه النار، فأصيب في يده اليسرى أثناء ما كان يتحدث بالتلفون، فظنوا –حسب قوله– أنه يبلغ بهم، فباشروه على الفور. نُقل مباشرة إلى مستشفى “ساقين”، ومنه إلى مستشفى السلام بصعدة.
قدم “يحيى” إلى صنعاء بعد خروجه من المستشفى بأيام، وبعد أن لحقته أسرته إلى صعدة، لا زائرة، بل نازحة أجبرتها الحرب على الفرار. ويشكو: “لا أعرف ما جرى بمحلي التجاري وأملاكنا ودبات الغاز… بعد نزوحنا”. وأضاف: “احنا الآن مشردين، واحنا ثلاثة أخوة، كنا معتمدين على التجارة والمقاولة والزراعة، ما احنا موظفين ولا مستفيدين من الدولة شي”. وقال: “معنا ضمانة في الأشغال العامة نراجع فيها من بعد ما نزحنا، على شان نصطرف، ولا رضوا يدوها”. هذه الضمانة موقفة في الوزارة منذ 2005. وأوضح أنه يصرف الكثير مما ادخره في السابق على متابعة الضمانة، وأنه حاول مراراً مقابلة نائب وزير الأشغال ليشكو له عرقلة المعاملة في وزارته وأنهم لا يقدرون حالته كنازح يحتاج إلى المبلغ الذي يقدر بنحو مليون ريال، “ما عاد باقي معي إلا الضمانة! كان معي زلط في البنك استغرقتها في نقل أسرتي وللمراجعة بعد الضمانة”.
 
***
محارب استثنائي براتب زهيد
يحارب “مجلي عبدالله مجلي” في صفوف السلطة بالتعاون؛ فهو لم ينضم إلى كشف المجندين العسكريين بعد، وقاتل ضد الحوثيين حتى أصيب في أجزاء متفرقة من جسده.
لقد انضم إلى صفوف المقاتلين الشعبيين من مديرية “ساقين” وصرفت له قطعة سلاح. وتولى قيادتهم “الشيخ عبدالخالق بشر”. ويقول “مجلي”، 40 عاماً، إنه بدأ في القتال ضد الحوثيين منذ بداية الحرب على صعدة وبراتب زهيد: 18 ألف ريال.
كان يعود من المواقع القتالية سالماً. ولكن عند عودته مساء 16 أبريل الماضي، وقعت الحادثة: ترصدته مجموعة مسلحة بالقرب من بيته، وقايضوه: تسليم سلاحه لقاء سلامته. هو قال إنه وعلى بعد أمتار من بيته “راجعاً من الموقع العسكري التابع لعبدالخالق بشر، وصلت وقدامي عصابة من الحوثيين، وأحاطوا بي وقالوا أسلم سلاحي، لكني رفضت وقاومتهم، وافتعلت (جرحت) بطلقتين، في يدي اليمين ورجلي اليمين”. حينها توقف إطلاق النار وانسحب أولئك، فيما جرّ الجريح نفسه إلى داخل منزله، ونُقل إلى مستشفى السلام بصعدة، ومنه إلى المستشفى العسكري بصنعاء. في الأسبوع الثاني من إصابته كان بيته على موعد آخر: أطلقت مجموعة مسلحة يقول إنها تابعة للحوثيين النار على منزله، وأصيبت زوجته بطلقة في بطنها، “وبعدين أخرجوا أولادي وزوجتي من البيت وأحرقوه”، قال. وزاد: “أسعفوا حُرمتي إلى مستشفى السلام وأسروا ابني نبيل (17 عاماً) ومازال ممسوك عندهم إلى الآن، وأسرتي نصفها في صعدة ونصفها هانا”. التزم له “علي محسن الأحمر” بالعلاج والتعويض؛ لكنه ما يزال بدون رقم عسكري ويعمل “تبع الشيخ عبدالخالق بشر، بدون رقم عسكري بدون شي”. وقال إنه لا يستلم من الدولة سوى 18 ألف ريال، وأنه بعد أن أصبحت أسرته ضمن آلاف النازحين في صعدة لم يصرف له من الهلال الأحمر “إلا كيس حب، ودبة زيت و5 كيلو فاصوليا و5 كيلو تمر، والآن قطعوها من بداية هذا الشهر”. جاء إلى صنعاء لغرض العلاج، والآن عجز عن العودة إلى مخيمات النازحين التي يعيش فيها أبناؤه حياة بائسة. “نشتي نروح إلى صعدة والطرق مقطوعة علينا، واحنا من المقاتلين مع الدولة”.
ويعتبر “مجلي” من المقاتلين الاستثنائيين الذين يسمون بـ”الجيش الشعبي”. ويقول إنه جُرح وهو في مهمة القتال مع الدولة، لكنه واجه الموت وأصيب إصابات بالغة لم تبرأ حتى اللحظة وما يزال بدون رقم عسكري ولا راتب معتمد يضمن به العيش هو وأسرته.
 
***
قتال في واجهة أخرى
فرضت الأوضاع على الجندي “عبدالله عبدالرحمن النجم” (20 عاماً) أن يكون جزءاً من الأحداث التي تواجه مديرية “ساقين”. في مطلع يناير الماضي، مُنح إجازة عسكرية من معسكره: “اللواء 17 مشاة” في عبس، فرجع لزيارة أسرته في “ساقين”. وحينما وجد الأمور غير مطمئنة، حد قوله، مكث وقتا أطول، ودخلت منطقته جغرافيا الحرب السادسة، فبقي للمشاركة في محاربة الحوثيين هو وعدد من أبناء المنطقة المجندين في معسكرات خارج المحافظة.
تفهم قائد اللواء وضعهم، وظلوا يستلمون رواتبهم بدون أي خصميات حتى شهر يونيو، وبعدها أوقفت. “كانوا يوعدونا أيام الحرب أنهم بايسوُّوا لنا المستحيل؛ لكن الآن تخلوا عنا ونسوا جهودنا، بعد أن غامرنا وقاتلنا وتشردت عائلاتنا”. وإلى “النجم” يوجد نحو 20 جندياً شاركوا في الحرب الأخيرة في مسقط رؤوسهم رغم أنهم مجندون في مناطق أخرى.