السرطان.. لعق بطيء للأرواح

السرطان.. لعق بطيء للأرواح

– محمد العلائي

كائن هلامي حافٍ من أية إشارات حياة تذكر.. يرتطم بوجودك، يباغتك، ويتكفل بعبورك قبل أن تعبره، لن ينقض عليك لممازحتك ولمحض الاختباء في تجاويفك. وكما لن يدعك تخلع جسدك له وتستل رفات روحك إلى السماء، وحده اذا نبت بأحشائك سيلوكك كعلكة فاخرة ويبصق رممها إلى الحفرة الأبدية!
ذلك هو السرطان، من داهمه سيظل يلعق حتفه برويّة مريرة، وأناة مغتصبة.
ليس خبيثاً وفقط، بل عدائي شرس؛ يهشم الاجساد والأرواح وينقلها إلى الفناء الأزلي. هو ذا يفرد مساحاته، ظلاله القميئة، على حيوات العالم، القى شراكه ليقطف، لحظة بلحظة، مسراتنا اشواقنا، جثاميننا من ثم.
12٪ من الوفيات الكلية السنوية في العالم علّتها السرطان وفقاً لتقارير منظمة الصحة العالمية.
20 ألف إصابة سنوية في اليمن -على اعتبار ان الف حالة لكل مليون، كما تكهنت بذلك المنظمة- ومركز يتيم يؤوي 44 منكوباً لا غير.
لسنا نعرف أن أحداً، إن لم يمت، غادره دون عاهة غائرة، دون فقدان عضو، دون سقم دائم.
هل هو داء الانقراض الذي يتهدد سلالة البشر أم ان التلاشي يتربصه على ايديهم؟ من ينسف من؟ لا اسوأ من الإنكفاء العاجز أمام رعب لا يسعنا منازلته عدا على صفحات الجرائد، ليس أكثر.
قصدنا مطلع الاسبوع المركز الوطني للأورام، وليس من أحدٍ بوسعه انكار الجهود الباهضة بممكنات ضئيلة، حقاً هم جديرون بالشكر والإطراء ايضاً.
فخدمات علاجية مجانية على مدار اليوم ومن 100 إلى 120 حالة تُستوعب في قسم الاشعاع و40 للعيادة الخارجية، غير أن الأسرَّة الشحيحة لم يعد في وسعها احتضان اكثر من مريض للسرير الواحد.
الحاصل أن مريضين يرقدان على سرير، مع هذا هم لن يطمحوا لحجرة للمريض، بل سرير يمكث فيه ما لا يقل عن 5 أيام لتلقي الجرعات المخصصة ثم يرثه من بعده آخر.
شاهدناهم مركونين كأزهار ذاوية حد اليباس. ذعر وغبن يترصدهم كل يوم. يتشاطرونه بالتفاوت، كلهم طرائد الموت، او لربما هو طريدتهم النافرة منهم اللامكترثه بعدْوهم إثرها.
حال ولوجك تخفت البهجة وتغوص في ضوضاء الالم الذي يهيئك للبكاء كملاذ مريع.
أنين ضاجَّ ينهطل كما لوكان كورال تأبيني فاجع. اضمحلال، خفوت، انطفاء، على اسرة شبحية امتطتها أكوام البؤس الثقيلة التي لا أشد وجعاً من حملها.
بذلنا جهداً مضياً للحصول على إحصائية ولو لم تكن دقيقة لحالات الاصابة في اليمن غير تلك التي قدرتها المنظمة الدولية غير أنا لم نوفق، كما عز علينا الحصول على تعريف يؤطر معرفياً هذا الداء فما وجدنا التعاريف إلا متنافرة متضاربة، أدقها ذاك الذي يقول انه داء غير معروف وعلاجه مجهول.
نحن في اليمن، زيادة على العالم، مصابون بالذرائع التي تفضي للسرطان المحتم. كالشمه، القات، المبيدات التي يتواجد منها، طبقاً لدراسات، ما يربو على 700 مبيد.
المركز الوطني للأورام أفادنا بعدد الحالات التي استقبلها منذ نحو 4 سنوات التي هي بحسب ادارة الاحصاء (4650) حالة.
وهو إلى ذلك لا يعاني إلا من الكثافة الهائلة وعدم توافر جراحة فيه؛ لضيق المبنى فقط.
غالبية المرضى من الارياف النائية ولذا فالمركز يضطلع بمهمة التوعية والتثقيف إلى جانب العلاج الاشعاعي والكيميائي.
ثمة مؤسسة أخرى، حريٌ بنا ان نعرج عليها في هذا الصدد، هي المؤسسة الخيرية لدعم مراكز مرضى السرطان رفعت مؤخراً شعار «معاً نهزم السرطان» وتنهض بفعاليات كان آخرها مهرجان خطابي وفني حضره نائب الرئيس وندوة علمية تحت عنوان «السرطان في اليمن المشاكل والحلول».
حتماً السرطان، بما هو كائن زئبقي خارق القوة، داءٌ غريب الأطوار، يتردى امام صغره المخيف آدميون أشداء، يصرعهم ببشاعة، بوحشية عبثية، إذ أنه يتموضع في دواخلهم، يتناسخ وينسرب إلى بقاع لن يتعقبه فيها أحد، ليبدأ اقتناص، كل يوم، كمشة من انفاسهم إلى أن يجففها أخيراً ويصل بهم إلى ضفاف اللاعودة.
نتمنى على من وسع الله في ارزاقهم ألا يظلوا نائين عما هو البذل في سبيله منفعة جليلة لأنفسهم، قبل من يوجه لهم هذا البذل.
وقرصة أخيرة في أذن الحكومة: كثفوا موازنة وزارة الصحة وهي بدورها تصب جلها لانشاء مراكز لمقارعة هذا الداء عوضاً عن ضخ الاموال إلى «شوالة» العبث.

[email protected]