قلبي على وطني

قلبي على وطني

وقلبي على وطني قصيدة شهيرة رثى بها الشاعر السوداني الليبي محمد الفيتوري الشّهيدين: عبدالخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ عندما أعدمهما النّميري، واختتمها “كلما زيفوا بطلاً قلت قلبي على وطني”. قلوب الأمة كلها على فلسطين، ففلسطين التي كانت بالأمس القريب القضية المركزية، قضية العرب الأولى، والخط الأمامي للمواجهة مع الرجعية والاستعمار، غدت إشكالية ديمغرافية، أو تنازلاً على أرض غير مسكونة يجري البناء فيها. يصرخ الأمين العام للجامعة العربية السيد عمرو موسى بشجاعة (قل نظيرها) لا تطبيع قبل وقف الاستيطان، و(لاحظوا وقف الاستيطان)! ويبدو أن مطلب الإدارة الأمريكية بوقف الاستيطان والنمو الطبيعي للمستوطنات أكثر جدية وأهمية من مطالبة أمين الجامعة الذي يربط التطبيع بوقف المستوطنات ليس إلاّ.
أما أبو مازن مهندس القناة الأمنية الموصلة إلى مدريد وأوسلو، فيعتبر مؤتمر فتح إنجازاً عظيماً ويجسد أولوية التصارع مع حماس.
الصراع بين فتح وحماس له الأولوية عند قيادتي فتح وحماس. تتغاضى فتح أو بالأحرى قيادة أبو مازن عن مذبحة غزة وكأنها تقول “لم أرض بها ولم تسؤني”، أو تحمل فيها قيادة حماس مسؤولية جرائم حرب الإبادة الإسرائيلية. لم يعد جدار الفصل العنصري قضية. كما يجري السكوت والتغاضي عن تهويد القدس وتهديم عشرات المنازل، والحفريات تحت المسجد الأقصى.
مأساة أبو مازن أن دعوى إسرائيل التوراتية في الضفة: يهودا والسامرة حسب التأويل التوراتي تلغيه تماماً. فأبو مازن حتى لو قبل بإسرائيل وبجدرانها واستيطانها فإنه (كعنصر عربي) غير مرغوب فيه في ظل العنصرية الصهيونية الداعية ليهودية الدولة، والتي ترى الضفة أرض يهودا والسامرة.
أما مشكلة إسرائيل مع غزة فإنها تنظر إليها كبقعة معادية، وعداوتها تأتي من وجود حماس أو أن وجود يضيف تعقيداً عدائياً.
ولدى إسرائيل كما لدى قادة حماس إمكانية التفاوض والوصول إلى هدنة، وقد حصل ذلك أكثر من مرة.
أما المشكلة مع السلطة وأبو مازن فإنها لا يمكن حلها حتى لو قبل أبو مازن أو سلم بكل المطالب الإسرائيلية. فهي تريد الضفة خالية من الوجود العربي الفلسطيني، وهذا ما تتعامى عنه قيادات في فتح.
خلاف قيادة فتح وحماس لا يجعل الطموح الإسرائيلي مستحيلاً، ويجعل أيضاً احتمال الأرض البديلة قائماً وممكناً.
يتخذ خلاف الإخوة الأعداء فتح وحماس صيغة “التضاد” بالمعنى اللغوي والمنطق الأرسطي. “فالضدان لا يجتمعان”، وإذا وجد أحدهما نفى الآخر. فالعمى نفي للإبصار، كما أن الموت نفي للحياة.
لم يعد أبو مازن يتحدث عن حدود 4 حزيران 67، ولا عن عودة اللاجئين، ولا عن القدس، وهي القضايا الثلاث التي تمسك بها الشهيد أبو عمار ودفع حياته ثمناً لها.
تعطي قيادة فتح الأولوية في الصراع للمواجهة مع حماس والعكس صحيح، ولكن إسرائيل لن تترك لقيادة فتح ترف التصارع في أرض “توراتية”.
لقد قدمت حماس لأبو مازن هدية ثمينة بحجز أربعمائة كادر فتحاوي من حضور المؤتمر، فكثير من هذه الكوادر محسوب على دحلان العضو المتربص حسب التسمية الجزائرية للعضو المرشح، وربما إن رفض أبو مازن إطلاق سراح أعضاء حماس في سجون السلطة يستبطن هذه الرغبة!
تهديد السلطة آت من إسرائيل، فهي حقيقة لا تريد وجوداً فلسطينياً في أرض تدعي توراتيتها. أما التهديد الذي تواجهه حماس فإن التشدد الذّي انتهجته في مواجهة الناس في غزة والأطراف الأخرى قد ارتد عليها. فالتشدد لا يلد إلا تشدداً أكثر تخلفاً وجهلاً. فجماعة جند أنصار الله التي أعلنت إمارة إسلامية في مسجد ابن تيمية برفح في خطية صلاة الجمعة، إنما تقاتل بسلاح انتزعته من يد الخطيب الآخر هنية. فهنية وقيادة حماس قد زرعوا التشدد الديني ليحصدوا تشدداً أكثر خطورة وضرراً.
تصارع قيادة فتح وحماس وسياساتهما وقمعهما للحريات العامة والديمقراطية، والتعذيب حد الموت في المعتقلات لا وظيفة لها غير تبرير جرائم إسرائيل أو على الأقل التقليل من خطورتها. كما تحول الصراع من صراع عربي إسرائيلي إلى صراع فلسطيني فلسطيني. ومن تابع وقائع المؤتمر الذي خلا من أية وثائق سياسية مهمة أو تقرير سياسي عام، أو دراسة تحليلية للوضع، أدرك أن المواجهة القائمة والقادمة هي مع قيادة حماس.
أما حماس فقد أقامت سياستها منذ التأسيس في الثمانينيات على المواجهة مع التيارات اليسارية والقومية والعلمانية. فلها “أفضلية” السبق!
لا مشكلة لحماس مع إسرائيل طالما وهي محاصرة بها وبمصر، وطالما وحماس تقبل بالهدنة.
أما قيادة فتح فإنها حتى لو قبلت بإدارة ذاتية محدودة الصلاحيات، ومنزوعة السلاح، ولا علاقة لها بعودة اللاجئين، أو الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران، ونسيان القدس الشرقية، فإن ذلك غير كافٍ، لأن المطلوب اجتثاث الفلسطيني من أرضه إلى أرض بديلة.
ولا معنى للحديث عن يهودية الدولة غير “الترانسفير”. أما العرب الأشاوش وبالأخص أصحاب المبادرات، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد التطبيع بدون قيد ولا شرط، وحقيقة لم يعد هناك قيد أو شرط، فإسرائيل وحدها من يضع القيود والشروط. المطلوب إذن القبول بقيادة إسرائيل للمنطقة كلها.
والفاجعة أن يعطى لإسرائيل هذا الدور بعد هزيمتها في لبنان، وحرب إبادتها في غزة.
لقد نجحت القيادتان من وضع حد للانتفاضة الأولى والثانية. الأولى باتفاقات مدريد وأوسلو، وعودة المنظمة إلى رام الله، والثانية بالعسكرة، وبالصراعات الداخلية، فعملياً لم يعد الصراع بين قيادات فتح وحماس مع إسرائيل، وإنما الصراع الأساس بين القيادتين الفلسطينيتين، وحتى دعوات التصالح والحوار بينهما تنطوي على قدر من الوقيعة والإدانة والمكر، لأن كل طرف يريد إظهار الآخر، وكأنه ضد الحوار. كما أن الأجهزة الأمنية ذات القبضة الحديدية على المشرد والمحتلة أرضه، فهو يتعرض للقمع والاضطهاد وسلب الإرادة، بل والخطف والإخفاء والتعذيب حتى الموت، ويتحدث الفلسطينيون في الضفة عن الأسرى والمعتقلين في سجون حماس، وفي غزة يتحدث الفلسطينيون عن معتقليهم في رام الله.
ويخفت الحديث عن أكثر من 12 ألف فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بمن فيهم القائد الفتحاوي مروان البرغوثي، وقيادات ووزراء ونواب من قيادة حماس.
ولن نستغرب إن سمعنا غداً أو بعد غد بانقلاب في الضفة، أو صدور إنذار إسرائيلي بإخلاء الضفة من أهلها والدفع باتجاه الشرق.