المعارضة.. والسير على أربع – د. سعودي علي عبيد

المعارضة.. والسير على أربع – د. سعودي علي عبيد

في الأنظمة الديمقراطية توجد معادلة أساسية، تتمثل بوجود سلطة حاكمة يقابلها معارضة سياسية نشطة وفاعلة لهذه السلطة. و من المؤكد بأن هذه المعادلة، قد نتجت على أساس العملية الانتخابية السليمة والحرة، مع تساوي كل الاحزاب والفعاليات السياسية في الحقوق والواجبات. وكما وصلت هذه السلطة إلى سدة الحكم، فإن المعارضة لها الحق في الوصول إلى الحكم، وفق مبدأ التداول السلمي للسلطة، أي عن طريق صناديق الانتخابات ايضاً وفقط.
وفي كل الدول التي تسلك الطريق الديمقراطي- كما وصفناه أعلاه- توجد هويات سياسية واضحة ومحددة لكل الفعاليات السياسية التي تشارك في هذه اللعبة السياسية. فهناك احزاب يسارية، وأخرى يمينية، وبينهم أحزاب الوسط، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع الأخرى. كما توجد تحالفات سياسية، قد تكون بهوية ذات مزيج من الأحزاب المختلفة الهويات. إلا أن ما يجمع بينها هي البرامج المشتركة، أو ما يطلق عليها «برامج الحد الأدنى».
وإذا حاولنا أن نطبق الوقائع السابقة على واقعنا السياسي، فسنجد أن هذا الواقع يؤكد لنا الحقائق الآتية:
أولاً: تفتقر أحزاب المعارضة إلى أي توصيف سياسي دقيق لجوهر النظام السياسي القائم في اليمن. مثلاً من حيث القوى الاجتماعية التي تنعكس مصالحها السياسية والاقتصادية في هذا النظام، أو من حيث شكله الخارجي: أهو رئاسي أم برلماني، أم هو مزيج أم غير ذلك كله.
ثانياً: تفتقر أحزاب المعارضة إلى برامج سياسية، تستهدف بواسطتها الانتقال من حالة المعارضة إلى الإمساك بسدة الحكم، وما وجدناه لدى بعضها من برامج، لا يعدو سوى وصف للحالة السياسية للبلاد بشكل عام، وليست برامج عملية بديلة للبرنامج الذي تقوم السلطة الحاكمة بتنفيذه.
ثالثاً: وإذا ما تذكرنا برنامج احزاب اللقاء المشترك، الذي تم الاعلان عنه مؤخراً، فإن هناك عدداً من الانتقادات الموجهة إليه، لعل اهمها: الأول، يتمثل في تجاهل هذا البرنامج للمسألة الجنوبية، بما يعني تجاهله للجزء الاساسي الآخر من مكوني دولة الوحدة، وبما يعني ايضاً عدم حماس قطاع واسع من شعب الجنوب لمثل هكذا برنامج. أما الانتقاد الثاني، فيتمثل في افتقار هذا البرنامج إلى الآليات العملية، التي بواسطتها يتم تحويل هذا البرنامج إلى فعل أو وسيلة، يتحول بموجبها هذا التكتل السياسي (اللقاء المشترك) من معارضة إلى سلطة حاكمة.
رابعاً: برغم وجود هذا التكتل، باعتباره أداة سياسية معارضة، إلا أننا نجد عدداً من الأحزاب المحسوبة على المعارضة، واقعة خارج إطار هذا التكتل، بل وتفتقر إلى أية علاقة تنسيقية، أكان مع اللقاء المشترك، أم فيما بينها، ومن بين هذه الأحزاب حزبي رابطة أبناء اليمن والتجمع الوحدوي اليمني، فكيف يمكن ان يستقيم الأمر؟ خاصة وأن هذا الواقع يصب في خدمة السلطة الحاكمة، ويضعف المعارضة.
خامساً: تأسيساً على المعطيات السابقة الذكر، نلاحظ ان العلاقة بين سلطة الحكم والمعارضة، تتسم بتبعية ومهادنة الثانية للأولى، والدلائل على ذلك كثيرة، نذكر منها:
1 – كل الأحزاب خارج الحكم تعتبر نفسها في خندق المعارضة لسلطة الحكم، المتمثل -مجازاً وليس حقيقة- بحكومة حزب المؤتمر الشعبي العام، الذي استحوذ على النسبة المريحة جداً في الانتخابات النيابية الأخيرة، ناهيك عن وجود رئيس دولة من اللون ذاته. ومع كل ذلك لم نلاحظ أي نشاط سياسي معارض حقيقي وموحد ضد حكومة المؤتمر الشعبي العام، وقد استمرت هذه الحالة فترة ليست بالقصيرة. ومثل هكذا سلوك، لاشك بأنه يصب في صالح السلطة الحاكمة، بل ويقويها.
2 – ومرة أخرى نؤكد أن كل أحزاب المعارضة، لم تمتلك برامج سياسية عملية تلامس متطلبات الناس. وهذا يعني ان هذه الاحزاب لم تستطع ان تسوِّق نفسها كمعارضة مؤهلة وبديلة للسلطة الراهنة، وأنها من جهة أخرى تعمل على تقوية السلطة الحالية، ببرنامجها المعروف لدى لناس.
3 – ومرة أخرى نؤكد أن المعارضة حتى بعد تنظيم نفسها في تكتل اللقاء المشترك، الذي لم نجد له أي توصيف (جبهة عريضة، أم تنسيق، أو تجمع مرحلي… إلخ) لم يخرج برنامجها عن نطاق البرنامج الوصفي، الخالي من آليات العمل الميداني. وما سمعناه حتى الآن من العديد من زعماء احزاب المعارضة من أنها تمتلك مبادرات لتحويل برنامجها إلى فعل. ولكن كيف؟ ومتى؟ لا ندري!!
4 – إذا عدنا إلى توصيفنا الذي بدأنا به موضوعنا هذا، المتمثل في معادلة السلطة والمعارضة، فإن وجود سلطة ظاهرة للعيان، هو واقع ملموس كذلك. ويثبت ذلك حالة الإفقار المتزايد للشعب، والفساد المستشري، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي الضارب باطنابه في كل اتجاه، ناهيك عن الحالة السياسية والأمنية السيئة، التي تعيشها البلاد. وبرغم ذلك كله، فإننا غير متأكدين من وجود معارضة سياسية فاعلة، إلا إذا اعتبرنا مقرات هذه الاحزاب، دليلاً على وجود هذه الاحزاب، علماً بأن هذه المقرات قد تحولت إلى ما يشبه الدكاكين التي تعيش كساداً مميتاً.
5 – وإذا عدنا مرة أخرى إلى توصيف «السلطة/ المعارضة» فكيف نفهم هرولة وتبعية ومهادنة المعارضة للسلطة في أكثر من مناسبة؟ وفي ذلك سوف أورد بعض الأمثلة:
أ- كل المؤشرات والشواهد تؤكد أن النظام السياسي المتوافر في اليمن ليس ديمقراطياً؛ ذلك لأن كل آليات الحكم المتوافرة، لا تستطيع أن تنتج لنا سوى نظاماً شمولياً – في أحسن الظروف- إن لم يكن أسوأ من ذلك. وإن هذه الآليات، لا يمكن أن تهيئ أية ظروف من أجل التداول السلمي للحكم، أي أن نظام الحكم والسلطة الحاليتين، ستظلان باقيتين بموجب هذه الشروط المتوافرة حالياً.
ومع كل وضوح هذه الحقيقة وسطوعها، إلا أننا لم نجد أي حزب من أحزاب المعارضة، قد ذهب إلى توصيف النظام السياسي باعتباره نظاماً شمولياً، أو أبعد من ذلك، بل مازال الكل يتحدث عن وجود هامش ديمقراطي، ولكننا لا نجده إلا في أذهان هذه المعارضة الغائبة والمغيبة. إلا إذا كان المقصود بالهامش الديمقراطي، هو عدم امتناع السلطة عن شن هجوم ضار دموي ضد معارضيها والتنكيل بهم، بما يذكرنا بفترة ما قبل توحيد الشطرين. ونعتقد أن ذلك لا يمت بصلة لوجود تغييرات في جوهر وسلوك هذا النظام، بل له علاقة فقط بالرقابة الدولية وعلاقة النظام بالخارج. أما السلطة فإنها تتمنى في كل لحظة، العودة إلى الماضي لكي تعلق المشانق لمعارضيها في كل ساحة. وقد برهنتُ على غياب هذا الهامش، في دراسة غير منشورة بعنوان «جوهر النظام السياسي في اليمن».
ب- لاحظنا مراراً أن السلطة ممثلة برئيس الدولة، هي التي تتبنى المبادرات لعقد المشاورات واللقاءات أو غيرها مع أحزاب المعارضة. وقد لا تكمن المشكلة في هذا السياق فقط، ولكن المشكلة او سمِّها الكارثة، تكمن في كيفية تعاطي المعارضة مع هكذا موقف.
فمن خلال مراقبتنا لهذه المسألة، لاحظنا أن المعارضة لم تمتلك رؤية وطنية موحدة تجاه كل المسائل المثارة في هذه اللقاءات أو المشاورات، بل حضورها غالباً ما يكون مفككاً ومجزأً، وهذا ينسجم تماماً مع رغبة الحاكم. والمصيبة الكبرى هي أن احزاب المعارضة جميعها تقريباً، دائماً ما تنظر إلى رئيس الجمهورية باعتباره حكماً للجميع، أو أنه خارج معادلة السلطة، أو هو الأب الروحي للسلطة والمعارضة، وهذه لوحدها كارثة مميتة. وقد تناست المعارضة أن هذا الحاكم، هو ذاته من يحكم البلاد منذ عام 1978م، وأنه هو رئيس حزب السلطة «المؤتمر الشعبي العام»، وهو من يعين رئيس الوزراء والحكومة ويقيلها متى يشاء، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو رئيس القضاء الأعلى، وفوق ذلك كله، فهو الجاثم بقوة على الثروة وما في حكمها.
والخطأ الأكبر في تعاطي المعارضة مع هذه المسألة، يكمن اولاً في عدم توضيح اجندتها ومطالبها التي تضعها في هذه اللقاءات لجماهيرها، وما هي ردة فعل السلطة أو الحاكم في تلك اللقاءات، وما هو تقييمها لها. الأمر الآخر الملفت للانتباه والاستغراب معاً، هو اتسام تلك اللقاءات بنوع من السرية، وهو اسلوب يتعمده الحاكم، لكي يظهر المعارضة بشكل غير لائق امام جماهيرها، والمهتمين بالشأن السياسي اليمني بشكل خاص.
ج- دائماً ما تبلع المعارضة الطُعم الذي ترميه السلطة لها. ومن ذلك حشْر المعارضة في فهمها للديمقراطية في نمط الانتخابات البرلمانية والرئاسية فقط. ومع ذلك لم تستطع المعارضة الاستفادة من هذا المعطى؛ ذلك لأن احزاب المعارضة، لم تضغط على السلطة باتجاه توفير الظروف الملائمة والصحية، كشرط مسبق لاشتراكها في العملية الانتخابية. ويأتي في مقدمة هذه الظروف: تصحيح قانون الانتخابات وتغيير شروط الترشح لرئاسة الدولة، وتغيير اللجنة العليا للانتخابات، بحيث تكون مستقلة ومحايدة تماماً، وهكذا الحال بالنسبة للجان الأساسية والفرعية والأصلية، ولجان تصحيح سجل قيد الناخبين. ويأتي في سياق ذلك، تحقيق الفصل التام بين السلطة وحزبها من جهة، والمال العام والإعلام ومؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية من جهة أخرى.
وقد يقول قائل إن المعارضة، ممثلة بأحزاب اللقاء المشترك، قد تطرقت إلى هذه المسألة. والإجابة نعم، ولكن بشكل متأخر وفي الوقت الضائع. وما نراه أن السلطة لم تعبأ باحتجاجات وانتقادات المعارضة، علماً بأن المتبقي على موعد الانتخابات الرئاسية والمحلية، ليس كثيراً. وبرغم ذلك كله، فإن احزاب اللقاء المشترك لم تحسم أمرها من مسألة المشاركة في الانتخابات من عدمها، بل والمأساة أننا نسمع بعض اقطاب المعارضة من يدعو إلى المشاركة في مهزلة الانتخابات، وفي مثل هذه الشروط والظروف، التي تطالب المعارضة ذاتها بتصحيحها.
ومن المؤكد بأن المشاركة في الانتخابات، وبهذه الشروط والظروف التي تفرضها وتتحكم السلطة بها، يعني بالضرورة إعادة انتاج النظام السياسي الراهن، مما يعني تأكيد و تقوية شرعية وجوده. ومثل هكذا سلوك سياسي من المعارضة، لا يساوي إلا الموت، إما إنتحاراً وإما بواسطة فاعل خارجي، والأمر سيان، والنتيجة واحدة، وسوف نتناول هذه المسألة في موضوع قادم.
6- من عثرات المعارضة السياسية اليمنية، سقوطها المتتابع تحت اقدام السلطة، وذلك من خلال انجذاب احزاب المعارضة إلى المعارك الجانبية التي تفتعلها السلطة، بقصد إلهائها عن المعركة الاساسية. وفي هذا المجال توجد كثير من الحالات، ولكن سأكتفي بمشهد حديث جداً، وهو قصة الصحفي «الكميم» مع الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني، الاستاذ ياسين سعيد نعمان. وقد اطلع كثير من القراء على تفاصيلها من الصحف. ومن جانبي سأكتفي بالتعليق عليها سريعاً:
1 – ابدأ بالقول إن المسألة في الأساس مفتعلة. وإن الهدف الرئيس منها ليس تحوير أو حتى تزوير إجابات الدكتور «نعمان»، والدليل رد فعل الشخص المستهدف من ذلك الفعل. ولكن الهدف الحقيقي هو افتعال معركة جانبية من السلطة، مع المعارضة بشكل عام، والحزب الاشتراكي بشكل خاص. ولأن الصحفي المحترم لا يقوم بمثل هكذا فعل، إلا إذا كان لـ«الكميم» وظيفة او وظائف أخرى، ليس من بينها وظيفة الصحافة.
2 – بهذه المسرحية الهزيلة، تكون السلطة قد حققت هدفها، وهو جر المعارضة إلى معركة مفتعلة، وإبعادها عن المعركة الرئيسة ولو لبعض الوقت.
3- لقد ظهر الحزب الاشتراكي اليمني في المشهد السياسي العام نرجسياً؛ لأنه اظهر حبه وخوفه المبالغ على أمينه العام من تهديد الصحفي الكميم، مع ان السلطة تقتل في كل لحظة تقريباً أعداد غير معروفة من مواطنيها، دون ان يهب احد للدفاع عنهم، حتى المعارضة ذاتها التي تتفاخر بأنها «من، وإلى، ومن أجل الشعب»!!
4 – وفي كل المعارك التي افتعلتها السلطة للمعارضة، فإن الأخيرة دائماً ما تفشل في الاستفادة الجيدة منها، وتحويلها لصالحها. وقد اضاعت المعارضة فرصتها الذهبية، بعدم استغلالها حادثة اغتيال الشهيد جار الله عمر، الأمين العام المساعد للحزب الاشتراكي اليمني، حينئذ. ولم تفعل معارضتنا ولو جزءاً من مئة، مما فعلته المعارضة اللبنانية في رد فعلها على حادثة اغتيال رفيق الحريري، رئيس الحكومة اللبنانية، وقتها.
وكما ضاع دم الشهيد جار الله عمر، وصار مجرد ذكرى، فستنسى المعارضة معركتها الرئيسة، وهي الوصول إلى السلطة لتصحيح النظام السياسي بأكمله؛ وسبب ذلك أن معارضتنا مازالت تمشي على أربع.