تنمية تراوح مكانها

تنمية تراوح مكانها

8 أدوار و120 حماماً ل 100 موظفاً في وزارة الاعلام
على مرأى من المخططين والمانحين أنفقت الملايين على إنشاء مقر لهيئة تم إلغاؤها
*محمد شمس الدين
من غير المستبعد أن تفوز اليمن بالمرتبة الأولى كدولة فقيرة على مستوى الشرق الأوسط و أفريقيا بعد أن حصدت ذات المستوى في الشرق الاوسط الكبير,فرغم شحة الموارد المحلية وسواء الخدمات إلا أن القائمين على إعداد برامج التنمية وتخصيص القروض والمساعدات يتعاملون مع تلك الموارد وكأنهم يعيشون في بلد غير اليمن, فبدلاً من دراسة احتياجات المجتمع وتحسين الخدمات الضرورية وإخراج البلد من الظروف الصعبة التي تمر بها, ذهبوا إلى توسيع مكاتبهم وزخرفتها, حتى يمكن القول إن قياس النمو في اليمن لن يكون بمقارنة عدد السكان مع عدد المنشئات وعدد الأطباء وجودة الخدمات وعدد المدارس والمدرسين وجودة التعليم ونسبة الحاصلين على مياه الشرب النقية ونسبة الإنفاق على تلك الخدمات, بل من خلال عدد البوابات وضخامتها وعدد المكاتب الحكومية والمساحة المخصصة لكل موظف في الجهة التي يعمل بها، كما هو حال وزارة التخطيط والتعاون الدولي أو من خلال مقارنة عدد الموظفين بعدد الحمامات كما هو حال وزارة الإعلام.
مشروع توسعة مستشفى الكويت الجامعي ما يزال هيكلاً منذ ما يزيد عن خمس سنوات, كما أن غيره من المستشفيات والمراكز الصحية أُنفق على زخرفة المنظر الخارجي لها ملايين الدولارات في حين تفتقد للتجهيزات الطبية الضرورية. وتحولت منشأت صحية وتعليمية أخرى إلى مخازن لأعلاف الماشية. ورغم هذا يتم توجيه الموارد المحلية والخارجية نحو بناء مراكز جديدة ومقرات ضخمة وأسوار وبوابات والاهتمام بشراء الأثاث الفاخر, ففي وزارة الإعلام مثلاً لا يتجاوز عدد موظفيها المرتبطين بمهام 100 موظفاً، مشتتين في مبنى مكون من ثمانية طوابق ويتراوح عدد الحمامات فيها حول 115 حماماً، ويقال إن العدد اكبر من هذا الرقم, أي أن لكل موظف حمام ونصف!
 هل تذكرون الهيئة العامة لتنمية المناطق الشرقية التابعة لوزارة الزراعة؟ تم إلغاء الهيئة بمجرد إلانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة لمبناها وابوبتها التي كلفت مليارات الريالات. ظل موظفوها بدون مرتبات لعدة أشهر.
لكن على افتراض إن القائمين على تلك الهيئات و الوزارات لم يقرءوا  التقارير الدولية التي تنتقد الدول النامية لإنفاقها على الكماليات, وإنهم غير مدركين مصلحة الوطن ولا علاقة لهم ببرامج الإصلاحات التي حولها البعض إلى “برامج مصالح شخصيه”، وتوجيه المنح والقروض لمشاريع الإصلاحات التي تذهب كمرتبات وبدل سفر لشلة محدودة تفتقد القدرة على الاستفادة من التجارب البسيطة للدول الأخرى بل وصل بالبعض ممن يدعون الفهم ويتحدثون عن خلو وزارة التخطيط من الكفاءات إلى نسخ خطابات وبرامج دول أخرى, فعقد مقارنة بين نصيب الفرد اليمني من المساعدات الدولية والقروض مع  نصيب الفرد في دول أخرى منتقداً الدول المانحة، مما دفع ممثل إحدى الدول إلى الرد بسخرية قائلاً: ” تلك الدول لديها قدرة استيعابية فيما أنتم عاجزون عن استخدام ما قدم لكم”.
نسخ خطابات وبرامج الدول الأخرى وتقديمها على إنها من إبداعاتهم يحتاج إلى قليل من العقل والجهد ففي اليمن يرتفع عدد الفقراء وتترك المشاكل دون حل على عكس  ما هو حادث في دولة اوغندا.
 نقد الطريقة التي تقاد بها وزارة التخطيط لايستهويني، فأنا لم افقد مصلحة أو أسعى  إليها، كما إني لم اقفز للكتابة في الصحف بل قدمت النصح واطلعت وزيرها على وثائق فساد بين الحين والآخر، منبهاً إلى محاولة المقربين منه إعاقة الاستفادة من المساعدات الدولية وإخفاء الوثائق والمراسلات, وكانت آخر مكاشفة بالوثائق قبل ما يقارب ستة أشهر. وفي كل مرة أتحدث معه عن قضايا فساد يمسك معاليه تلفونه المحمول محركاً مفاتيحه كمن يلعب “أتاري” أو لكأني كنت أتقدم إليه بطلبات شخصية وليس وثائق فساد بملايين الدولارات. هذا ما أردت توضيحه لمن يعتقدون أن مقالاتي السابقة هي استهداف شخصي.
 أليس من الخجل  أن يقوم  منظرو الإصلاحات بتحويل معهد لتدريب الذي تم إنشاؤه لعقد الدورات التدريبية التي تنظمها الجهات الحكومية والمنظمات الدولية للمتدربين من الداخل أو بمشاركة متدربين من بلدان أخرى، كما هو الحال في معظم الدول، إلى مكتب لنائب رئيس الوزراء وشلة الصندوق الاجتماعي رغم ضخامة وسعة مبنى وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووجود العديد من المكاتب الخالية من الموظفين! قد يقول قائل إني تركت قضايا فساد كبيرة مقابل الحديث عن قضايا صغيرة, لكني أود إن أقول أن وزارة التخطيط والتعاون الدولي هي عقل الدولة.
 أود أن اذكرهم بمقال لصحفيه أمريكية أدهشها أن مرافقها اليمني يمتلك سيارة “بورش” في بلد فقير مثل اليمن. وبمجرد مقارنة بسيطة بين الإجراءات التي اتخذتها دول أوروبية كبرى مقارنة مع ما اتخذته حكومتنا سنجد حجم العبث وعدم إحساس القائمين على الإصلاحات بحجم المشكلة الاقتصادية التي تمر بها البلد, فإحدى الدول الأوروبية قررت منع تقديم القهوة والشاي كجزء من حزمة إجراءات تقشفية للتخفيف من أثر الأزمة المالية العالمية, في حين إن حكومتنا لم تكلف نفسها مراجعة البرنامج الاستثماري ووقف المشاريع والنفقات العبثية مثل بوابة وسور هيئة تنمية المناطق الشرقية المقابلة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي التي شُيدتْ هذا العام على مرأى من القائمين على برامج الإصلاح المالي والإداري والمانحين.
 لنسأل القائمين على الإصلاحات كم هي المبالغ التي ستوفر للخزينة العامة لو تم إعادة توزيع الوزارات والهيئات المستأجرة على المباني الحالية؟ وماذا لو أن وزير الإعلام تخلّى مؤقتاً عن هوايته الأثيرة في توزيع صكوك الولاء الوطني وتفرغ لحصر عدد موظفي وزارته واحتياجاتهم من الحمامات والمكاتب, ومنح ما تبقى لوزارة المغتربين ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي إذا فعل هذا سيقدّم خدمة جليلة للنظام! يكون قد خدم النظام وماذا لو أن نائب رئيس الوزراء وزير التخطيط والتعاون الدولي والمسؤول الأول عن الإصلاحات وجه وزارة حقوق الإنسان ووزارة أخرى بالانتقال إلى مبني وزارة التخطيط, بعد أن دفعة الفاسدون لتحويل معهد التدريب إلى مكاتب له ولشلة الصندوق الاجتماعي؟ لعل ذلك الإجراء يكون مبررا مقنعاً لانتقال الوزير من المكتب القديم لمن يعرفون سعة  وزارة التخطيط التي أصبحت خالية على عروشها وتحول الكثير من موظفيها إلى بطالة مقنعة بعد أن فتك بالوزارة فيروس الوحدات.
في حفل افتتاح مستشفى الشرطة خاطب رئيس الجمهورية شعبه الفقير بان عليهم أن يتلقوا العلاج في الداخل بدلاً من الذهاب إلي الخارج. لم يتضح للكثيرين من كان يقصد الرئيس في ذلك الخطاب: هل كان يقصد الفقراء الذين لا يجدون تكلفة نقل مرضاهم إلى اقرب مستوصف ناهيك عن تكلفة العلاج ونفقات الإقامة في مراكز المدن، أم أن فخامته وجه خطابه للأغنياء الذين يصرف لهم بدل العلاج سنوياً من الخزينة العامة للدولة، كأعضاء الحكومة والبرلمان ومجلس الشورى والمحافظين؟ في حال أنه قصد الفئة الأخيرة, كان يتوجب عليه أن يوجه الحكومة بإيقاف بند العلاج المقر في  الميزانية العامة, وتوجيه تلك المبالغ لتحسين الوضع الصحي في المستشفيات القائمة، أو أن يوجه نائب رئيس الوزراء للشؤون  الاقتصادية وزير التخطيط والتعاون الدولي، وشلة الصندوق الاجتماعي بالتخطيط للدوام يوماً واحداً في مستشفى الثورة ليروا معاناة الناس وإكتضاض عشرات المرضى والجرحى كنموذج لما نراه في طوارئ المستشفات العامة, فرغم الجهود المتواصلة التي يبذلها طاقم المستشفى وإدارته نلحظ أكثر من شخص يتزاحمون على السرير الواحد فيما آخرون يفترشون الأرض، وسيارات النجدة تأتي بعشرات الأفراد بين الحين والأخر من ضحايا الحوادث المرورية، ويتجول الطبيب والممرضون بين عشرات المرضى في غرفه لا تتجاوز أبعادها عشرة في عشرة أمتار، وكأنهم يتجولون وسط قطيع من الأغنام، فيما آخرون يلفظون أنفاسهم ويبيعون  ممتلكتهم في انتظار الموعد المحدد لدخولهم غرفة العمليات.
 وفي المقابل يحرص بعض المسئولين على ضخامة المكاتب التي يرفلون فيها لكأنهم أمراء يصطافون في جزيرة أطلسية! كما يحرص البعض على توجيه المساعدات والقروض نحو الصندوق الاجتماعي لبناء وحدات صحية معظمها لا يتوفر لها الكادر الوظيفي وتبنى بشكل عشوائي، فنسبة الوحدات الصحية العاملة في محافظة مأرب لا يتجاوز 30% من الوحدات التي تم إنشاؤها وقس على ذلك.
 في ظل الاستغلال السياسي والاقتصادي الذي تمر به البلد وخروج مئات المتظاهرين في لحج وأبين مطالبين بتوفير مياه الشرب، فإن المعنيين في وزارة التخطيط لم يولوا أي جهد للاستفادة من القروض والمساعدات لشراء مضخات وصيانة شبكات المياه وحفر أبار جديدة، بل يوجهون تلك المنح بما يخدم مصالحهم الشخصية، حيث يتم تخصيص ملايين الدولارات لما يسمونه مشاريع الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي تحتاج إلي قرار سياسي وقيادة صادقة, كون المشكلة معروفة والحلول سهلة دون حاجة لتخصيص ملايين الدولارات.
 ورغم إحاطة المانحين بجوهر المشكلة غير أن بعض الدول انساقت وراء مقترحات الفاسدين وأصحاب المصالح الخاصة, فدوله مثل ألمانيا قدمت لليمن العديد من المشاريع الخدمية في عدة مجالات أبرزها مشاريع المياه والصرف الصحي ومشاريع الصحة العامة والتعليم وغيرها، مشاريع لا ينكرها إلا جاحد, غير أن الفاسدين وأصحاب المصالح الخاصة دفعوها مؤخراً لدعم ما يسمونه مشاريع الإصلاحات.
[email protected]