النوبة يشكك في مجلس قيادة الثورة، وعلي ناصر والعطاس يتعرضان لحملة تشويه ضارية

النوبة يشكك في مجلس قيادة الثورة، وعلي ناصر والعطاس يتعرضان لحملة تشويه ضارية

تشنجات في جسم الحراك، وتحذيرات من مؤامرة لتفخيخه من الداخل
>صنعاء-” النداء”
الضالع – فؤاد مسعد
 يستعيد بعض ناشطي الحراك الجنوبي هذه الأيام تجربة الدمج القسري بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير، اللتين كانتا تقاومان الاحتلال البريطاني. ففي 13 يناير 1966، وبفعل ضغوط مباشرة وقاسية من الحكومة المصرية ومكتبها العسكري في تعز، تم الإشراف على الدمج بين الجبهتين وإعلان جبهة التحرير؛ لكن الجناح الراديكالي في الجبهة القومية الرافض للدمج استطاع كسب تأييد القادة الميدانيين داخل الجنوب والانسحاب من جبهة التحرير. وبعد نحو عام تمكنت الجبهة القومية من إقصاء جبهة التحرير، علاوة على فصائل أخرى، بعد حرب أهلية مصغرة، لتنفرد بقيادة الدولة الجديدة في الجنوب بعد مفاوضات مع الإدارة البريطانية.
في مايو الماضي التقى ممثلو 4 هيئات ومكونات للحراك الجنوبي في منزل طارق الفضلي في مدينة زنجبار، وأعلنوا تشكيل “مجلس قيادة الثورة السلمية” برئاسة علي سالم البيض، النائب السابق للرئيس علي عبدالله صالح.
ولئن حقق “إعلان زنجبار” زخماً كبيراً يومذاك، فإن تحفظات عديدة بدأت تصدر عن قيادات في الحراك، أبرزها وآخرها تلك التي تضمنها بيان للهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب، أحد المشاركين في “إعلان زنجبار”.
البيان الذي صدر في 30 يوليو، وتم تذييله باسم ناصر النوبة، رئيس الهيئة، حذر من التحاق عناصر، لم يسمها، بالحراك مؤخراً بقصد اختراقه من السلطة. وإذ شدَّد على الطابع السلمي للحراك، أشار إلى مؤامرات تحاك لتفخيخ الحراك من الداخل، وجره إلي العنف، بما يمكن السلطة من التحكم “بأية حلول يُراد فرضها على شعب الجنوبـ”. وإلى اختراق الداخل، انتقد النوبة قيادات جنوبية في الخارج تريد الاستفادة من الحراك لتقوية مواقعها، عبر التعويل على بعض دول المنطقة.
“النوبة” لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد التحذير والتنبيه دعا إلى تشكيل جبهة وطنية عريضة تضم هيئات ومكونات الحراك، بما فيها المكون الجديد (مجلس قيادة الثورة)، مختتماً بيانه بعبارة لحسن باعوم، الذي وصفه بالمناضل الجسور، تقول: “لا خوف على الجنوب إلا من الجنوبيين”.
قبل النوبة بنحو شهرين، كان أمين صالح، أحد قيادات المجلس الوطني (برئاسة حسن باعوم)، قد سارع إلى نقد خطوة تشكيل “مجلس قيادة الثورة السلمية”، إذ اعتبر “إعلان زنجبار” وما تلاه من بيانات عملاً هداماً، يفرق ولا يجمع.
وقال إن هذا التشكيل هو تكرار أحمق لتجربة الدمج القسري بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير. مؤكداً أن المجلس الوطني (الذي شارك ممثل عنه في اجتماع زنجبار) لا يوافق على ما ورد في الإعلان، لافتاً إلى أن المجلس الوطني لم يكلِّف أي عضو من أعضائه بحضور الاجتماع. ومعلوم أن حسن البيشي، القيادي في المجلس الوطني، حضر اجتماع زنجبار، وشارك في محضر الاجتماع، وظهر اسمه في إعلان تشكيل “مجلس قيادة الثورة” باعتباره ممثلاً عن المجلس الوطني.
وإلى الموقف المعلن لأمين صالح، يؤكد آخرون من ناشطي المجلس الوطني اعتراض حسن باعوم على هذا التشكيل الخاطئ. وحسب أمين صالح فإن قيادات المجلس الوطني، في المستوى المركزي وفي المحافظات والمديريات، تعترض على “مجلس قيادة الثورة”، وتعلن رفضها مثل هذه الإجراءات والخطوات الارتجالية التي تضر بوحدة الصف الجنوبي والقضية الجنوبية.
لكن محمد طماح، القيادي في المجلس الوطني، والذي يقدم نفسه بوصفه النائب الأول لباعوم، نفى في مايو الماضي وجود أي اعتراض، داعياً أعضاء المجلس الوطني إلى الانخراط في مجلس الثورة خلال الفترة المحددة للدمج وفق إعلان زنجبار (20يونيو- 20 يوليو).
وعلى مدى الأسابيع التالية لإعلان زنجبار، جرت مياه عديدة في نهر الحراك المضطرب. وقد صدرت بيانات وبيانات مضادة خلال الشهر الماضي، أبرزها تلك التي ذكرت أن اجتماعا لهيئة رئاسة المجلس الوطني أقر تكليف أمين صالح محمد، النائب الأول لرئيس المجلس، بالقيام بصلاحيات الرئيس حسن باعوم، الذي غادر إلى الخارج لغرض العلاج.
ناشطون في الحراك يحاولون حالياً احتواء الخلافات داخل جسم الحراك. وطبق العميد علي مقبل صالح، أحد مؤسسي جمعيات المتقاعدين العسكريين، فإن الحراك في حاجة ملحة لحاضن سياسي واجتماعي يحمي مكوناته من قمع السلطة وأجهزتها. وفي اعتقاده، حسبما قال لـ”النداء”، أن “مجلس قيادة الثورة السلمية” يمثل بداية جادة لتوفير هذا الحاضن شريطة استكمال الحوار. ولفت إلى أنه وعدد من زملائه يقومون حالياً بمساع لإقناع قيادات في مكونات الحراك بالرؤية المؤيدة لخطوة التوحيد.

***
“الدمج القسري” المستحيل
لا مجال لـ”الدمج القسري” في حال الحراك، لأن الحراك حتى الآن بدون راع إقليمي أو دولي، خلاف حال الجبهة القومية ومنظمة التحرير. علاوةعلى أن المكونات الحالية للحراك ترتكز على اعتبارات جهوية أو شخصية، بينما كان البعد “الوطني الجنوبي” حاكما لسلوك الجبهتين المتصارعتين قبل 4 عقود. وأخيرا فإن أيّاً من المكونات الحالية لا يملك فرض نفوذه خارج مناطق مؤسسيه، وبالتالي فإن استدعاء “الدمج القسري” في الوقت الراهن يعبِّر فقط عن درجة انغماس ناشطي الحراك في “الماضي الجنوبي”.
والثابت أن علامات تشنج بدأت تظهر على جسم الحراك، جراء اعتقاد بعض القيادات في الداخل والخارج بأن ساعة الحسم اقتربت. ويمكن رد بعض هذه التشنجات إلى تلك الفجوة بين “الغضب الجنوبي” حيال الإقصاء السياسي والتهميش الاقتصادي والاجتماعي والسلوك العنفي للأجهزة الأمنية، وبين إدراك قادة الحراك لمحددات وتصورات وأولويات الفاعلين في البيتين الإقليمية والدولية.
ويمكن تقدير هذه الفجوة بين ما يعتبره قادة الحراك “قضية جنوبية عادلة” وبين المقاربات الحذرة لدول الإقليم والغرب حيال الجنوب في التوقعات العالية التي ولدها بيان السفارة الأميركية بشأن الاحتجاجات في الجنوب مطلع مايو الماضي؛ إذ اعتبرها بعض المحسوبين على الحراك مؤشراً إلى تدخل خارجي وشيك لصالح الحراك. وكذلك الأمر فيما يخص ما تنشره صحف سعودية وخليجية من افتتاحيات وآراء. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحراك، بما هو حركة شعبية بدأت عفوية ثم راحت بالتجريب تطور خطابها وأدواتها، لم ينشغل كثيراً بالإقليم والعالم، خصوصاً وهو يواجه تحديات يومية في “ساحات الحرية”.
زد على ذلك أن قادة الحراك في الداخل بدوا في محطات عديدة خلال العامين الماضيين وكأنهم قد فوضوا قيادات جنوبية في الخارج مهمة الاتصال الخارجي، حتى وهم يقلِّلون أحياناً من قدر وكفاءة بعض الشخصيات المتواجدة في الخارج.
بكلمة أخرى فإن قادة الحراك الذين يعرفون جيداً، بالتجربة وبالاحتكاك، السلطة التي يعارضونها، ويصفونها بسلطة الاحتلال، لم يُظهروا، في أكثر من محطة، علامات على أنهم يعرفون أصدقاءهم، سواء في الداخل اليمني أم في الخارج. بل إن بعضهم أبدى، مراراً، عدم اكتراث بالخارج، منطلقاً من روحية استشهادية أخروية تستنسخ من تجارب الماضي (الجنوبي) والحاضر العربي في فلسطين وغيرها.
أياً ما كان فإن ظهور علي سالم البيض في 21 مايو الماضي كان له مفعول سحري على معنويات القادة الميدانيين للحراك، الذين خاضوا خلال العامين الماضيين حروباً سرية وعلنية على احتكار تمثيل الجنوب. وجاء “البيض” ليضع حداً لسؤال التمثيل، بمؤهلاته السياسية والاعتبارية التي تخوله تمثيل “القضية الجنوبية” في المحافل الإقليمية والدولية.
غير أن علي سالم البيض، بشخصيته الرومانسية – وربما أيضاً بنزعاته الفردية، عبَّر عن “القضية الجنوبية” بدءاً من مطلبها الأعلى، ما حدَّ، على ما يبدو، من هامش حركته الإقليمية والدولية، وحال دون التقائه بشخصيات يمنية جنوبية في الخارج لها مكانتها في الداخل والخارج، ورؤاها وتقديراتها، مثل الرئيس الأسبق علي ناصر محمد ورئيس الوزراء الأسبق حيدر العطاس. وبدلاً من أن يسهم “رموز الجنوبـ” في الخارج في ترميم صدوع الداخل، امتدت نطاق الحملات والمناورات على الضفتين.
وخلال الأسبوعين الماضيين شنت مواقع محسوبة على الحراك حملة تشكيك ضد علي ناصر والعطاس بسبب بيانهما المشترك الصادر غداة أحداث زنجبار في 23 يوليو الماضي. وقد ذهب بعض هذه المواقع بعيداً في نقد الرجلين إلى حد اتهامهما بالتآمر على الجنوب و”رئيسه الشرعي” علي سالم البيض. وترجح مصادر خاصة في الحراك أن تكون دوائر استخبارية اخترقت الحراك في بعض المواقع للمضاربة فيما بين أقطابه في الداخل أو فيما بين رموزه في الخارج.
يشار إلى أن البيض دعا المجتمع الدولي إلى التدخل لحماية “الشعب الجنوبي” من قمع السلطة، فيما تمسك علي ناصر والعطاس بموقفهما الداعي إلى الحوار الوطني، وطالبا بسحب الجيش من القرى والمدن، وأدانا بشدة “مذبحة زنجبار”.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التصعيد غير المسبوق في الداخل لم توازِه حركة سياسية وإعلامية في الخارج، ما قد يفرض على مكونات الحراك إعادة ترتيب أولوياتها وتكتيكاتها للحؤول دون كسر إرادتها أو شرذمتها.
على أن ذلك كله رهن بردم الفجوة بين الغضب والإدراك، بين القدرات والتوقعات. وذلك يستدعي حساً سليماً بالواقع اليمني وتعقيداته، وإدراكاً مبنياً، على حقائق ومعطيات ومصالح، لحركة الفاعلين في الإقليم والغرب، وطرح الأساطير جانباً، خصوصاً تلك المؤججة للنزعات الانعزالية التي تلتقي في النهاية مع مقاربة البعض في السلطة للجنوب باعتباره محض جغرافياً، نافية التاريخ وحركة البشر من الحساب.