مشروع “رؤية الإنقاذ الوطني” يؤكد على ثوابت المشترك ويفصل في خيار الفدرالية اليوم

مشروع “رؤية الإنقاذ الوطني” يؤكد على ثوابت المشترك ويفصل في خيار الفدرالية اليوم

حل القضية الجنوبية أولاً وإشراك الحوثي في الحوار الوطني

 جذر الأزمة الوطنية هو الحكم الفردي العصبوي، وأبرز مظاهرها التوريث والقضية الجنوبية وحرب صعدة، والمدخل إلى حلها هو إزالة آثار حرب صيف 1994، والتحول إلى دولة لا مركزية بنظام برلماني.
هذه أبرز عناوين مشروع “رؤية الإنقاذ الوطني”، الذي أعدته اللجنة التحضيرية للحوار الوطني برئاسة محمد سالم باسندوة وزير الخارجية الأسبق.
يقع المشروع في 29 صفحة موزعة على مقدمة من صفحتين، و3 أقسام: الأول مخصص لتشخيص الأزمة السياسية والوطنية (8 صفحات)، والثاني يتضمن الحلول والمعالجات (18صفحة)، والثالث الذي يقع في نصف صفحة فقط (5 فقرات) يتحدث بشكل مبدئي وعام عن آليات الحوار الوطني (فقرة واحدة) والنضال السلمي (فقرة واحدة) والاتصال النوعي والإعلامي لحشد التأييد (فقرة واحدة).
التفاوت الكبير في حجم الأقسام يفصح، أولاً، عن يأس المعارضة (اللقاء المشترك) من إمكانية تحقق حوار وطني تكون السلطة طرفاً فيه. ويؤكد، ثانياً، أن الأطراف الرئيسية داخل اللقاء المشترك قبلت بحزمة من التسويات والاسترضاءات حفاظاً على استمرار التحالف المعارض الذي نشأ مطلع العقد الحالي. وبيَّن، أخيراً، أن “المشتركـ” واللجنة التحضيرية يتحركان في بيئة محكومة بـ«اللايقين»، ولذلك فإنهما تفاديا الخوض في آليات الحوار، وأطرافه، وتوقيته… إلخ.
> نظام برلماني وحكومة أغلبية ورئيس بروتوكولي
> 3-5 أقاليم لكل منها منفذ بحري
في القسم الأول يُعيِّن مشروع الرؤية الوطنية طرفاً وحيداً مسؤولاً عن الأزمة الوطنية، وهو الحكم الفردي الذي فرض نفسه كحاكم للبلاد ومالك لها في آن، معتمداً وسائل توريث السلطة والوظائف والمناصب العامة لجيل الأبناء عبر الاستحواذ على المزيد من الثروة والنفوذ، وجعل الولاء لشخص الحاكم وورثته معياراً للولاء الوطني ومصدراً له.
وفي المظاهر السياسية للأزمة يؤكد المشروع على مضامين رؤى وأوراق سبق لـ”المشتركـ” أن أعلنها خلال العام الماضي، وفي الصدارة منها استبدال الدول الوطنية المؤسسية بسلطة “اكتفت بحشد عناصر الدولة خارج نظامها المؤسسي لتأمين وظيفة تسلطية” تعوق بناء الدولة وتحمي السلطة العائلية.
وفي المظاهر الوطنية للأزمة يركِّز المشروع على القضية الجنوبية، التي هي “رد فعل طبيعي لفشل السلطة في إدارة مشروع الوحدة، وتحويله إلى مشروع للغلبة الداخلية” واعتماد نهج الحرب والفيد في الجنوب.
وإلى القضية الجنوبية يتحدث المشروع عن حرب صعدة كمظهر ثانٍ للأزمة الوطنية، معتبراً أن حرب صعدة بانفجاراتها المتكررة “عكست غياب النظام المؤسسي القادر على التعاطي مع التحديات الاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية من منظور وطني يتجاوز منحدر صراعات وحروب العصبيات”.
ويحمِّل المشروع السلطة مسؤولية سقوط آلاف القتلى والجرحى وتشريد عشرات الآلاف من الأسر، وذلك لأنها (السلطة) ظلت ترفض كل دعوات إيقاف الحرب، وتورطت في ترويح مشاعر الكراهية بين المواطنين، وتغذية نزعات العنف من أجل استمرار رأس السلطة في التربع على كرسي الحكم.
وعن المظاهر الاقتصادية والاجتماعية للأزمة يرى المشروع ارتباطاً وثيقاً بين تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وبين طبيعة الحكم الفردي الذي “عمد إلى التعامل مع الموارد والثروات الوطنية كغنيمة يتم تقسيمها وتوزيعها على القلة من الورثة وذوي القربى والموالين”.
 
***
وقف نهج الحروب الأهلية ومحاكمة
كبار المسؤولين عن نهب الجنوب
المشروع في قسمه الثاني (الحلول والمعالجات) يتابع اعتماد نهج راديكالي ينفتح على مكونات الحراك الجنوبي والحوثيين، وذلك اتساقاً مع مضامين القسم الأول التي تنوِّع على نغمةٍ واحدة: سلطة الفرد وورثته!
وعليه فإن عملاً وطنياً يهدف إلى رفع (إزالة) الظلم واستعادة الحقوق، عبر تقوية كل وسائل النضال السلمي وتوسيع نطاق الاحتجاجات، لم يعد مطلباً برنامجياً وسياسياً، بل ضرورة وطنية ترتبط بمصير الوطن برمته.
ويقترح المشروع 4 مهام عاجلة لوقف الانهيار، أولاها: الإيقاف الفوري لنهج القوة والعنف والحروب الأهلية وعسكرة الحياة السياسية والمدنية، وإنهاء التشكيلات والمجاميع المسلحة رسمياً (والمقصود هنا المليشيات القبلية وهيئات الدفاع عن الوحدة التي أُعلنت مؤخراً لمواجهة الحراك الجنوبي)، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ووقف المحاكمات السياسية، وسحب المظاهر العسكرية والاستحداثات الأمنية وإعادة الجيش إلى الثكنات. وثانيها: إزالة آثار حرب صيف 94 والحروب والصراعات السياسية السابقة واللاحقة، وإجراء مصالحة وطنية شاملة تفضي إلى تحقيق 11 مطلباً متصلاً بالأوضاع في الجنوب أساساً. والمهمة الثالثة هي محاكمة الفاسدين المتورطين في نهب أراضي وعقارات الدولة والمال العام والممتلكات التعاونية. يخصص المشروع هنا معنى “الفاسدين” بأولئك الكبار المسؤولين عن نهب الجنوب. والمهمة الرابعة تتلخص في جلب الحوثيين إلى طاولة حوار وطني شامل لبحث قضية صعدة والحروب المتكررة على ذمتها، وبما يكفل نزع فتائل الحرب ودورات العنف.

***
فدرالية أم حكم محلي؟
بعد المهام العاجلة المغمسة بحتميات ويقينيات يقارب المشروع –بحذر– أزمة بناء الدولة الوطنية الحديثة. ففي الجزء الثاني من قسم “الحلول والمعالجات” تتجنب اللجنة التحضيرية الفصل في طبيعة الدولة الموعودة: فدرالية أم بسيطة. فالمشروع إذ يؤكد على قاعدة اللامركزية في الحكم، يتذبذب بعد ذلك بين مطلبي الفدرالية والحكم المحلي (الحكومات المحلية)، موصياً بدراسة أعمق لتحديد نوع اللامركزية التي تحتاجها البلاد. ومعلوم أن هذا البند ما يزال معلقا في انتظار ما سيسفر عن لقاء المجلس الاعلى للمشترك واللجنة التحضيرية صباح اليوم (الاربعاء) بشأن خيار الفدرالية على أساس إقليمين: شمالي، وجنوبي.
وفي ما يخص خياري الفدرالية على أساس أكثر من إقليمين، أو الحكم المحلي الكامل، فإن اللجنة تشدِّد على ضرورة إعادة تقسيم الجمهورية إلى وحدات إقليمية كبيرة نسبياً تتراوح بين 3 و5 وحدات تتمتع بالشخصية المعنوية ويكون لكل منها هيئات حكم منتخبة انتخاباً حراً مباشراً. ومن أجل أن يلبي التقسيم الإداري (أو الفدرالي) الاحتياجات الوطنية، ترى اللجنة التحضيرية ضرورة توافر 6 معايير، هي:
1 – البعد الوطني والسياسي الذي يستهدف الاندماج الاجتماعي والوطني وتجاوز النزعات التقليدية القبلية والجمهورية والطائفية.
2 – البعد الجغرافي الذي يتعلق بمراعاة الترابط والامتداد المكاني ومقومات البنية التحتية.
3 – مراعاة التوازن السكاني والثقل الديموغرافي بين الأقاليم.
4 – البعد الاقتصادي، بما يضمن توفر المصادر الذاتية القادرة على تمويل مشاريع التنمية، ويكفل العدالة في توزيع الثروة.
5 – أن يكون لكل أقليم منفذ بحري لتسهيل حركته التجارية وتأمين موارد بحرية له (سياحة وثروة سمكية).
6 – البعد الاجتماعي التاريخي لتأمين التجانس والانسجام الاجتماعي والثقافي في إطار مكان كل إقليم.

***
نظام برلماني ورئيس بروتوكولي
في الجزء الثالث من «الحلول والمعالجات»، تقدم اللجنة التحضيرية كوكتيلاً مما تضمنته وثيقة العهد والاتفاق (فبراير 1994)، وبرنامج الإصلاح السياسي والوطني للمشترك (نوفمبر 2005). والوثيقتان انبنتا على الركيزة ذاتها التي انبنى عليها مشروع رؤية الانقاذ الوطني: جذر الأزمة في وجود حكم فردي (عائلي).
وإذاً فإن النظام البرلماني أهم أداة لتقويض سلطة الفرد. والانتقال إلى النظام البرلماني يقتضي تجريد الموقع التنفيذي الأول في الدولة من سطوته، وذلك بتفويض الأغلبية في البرلمان (حزباً أو ائتلافاً) سلطة تكليف رئيس الحكومة، على أن تكون الحكومة هي السلطة التنفيذية العليا التي تخضع لها كافة الوزارات والهيئات والمؤسسات والأجهزة المدنية والعسكرية.
ولسد أية منافذ لعودة الحكم الفردي، يحظر المشروع تولية أحد أقارب رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء -حتى الدرجة الرابعة من القرابة- في أحد المناصب التالية: رئاسة مجلس القضاء الأعلى، محافظ البنك المركزي ونوابه، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة ونوابه ومساعديه، قادة فروع القوات المسلحة (البرية، والبحرية، والجوية) ونوابهم ومساعديهم، رئيس الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ونوابه ومساعديه، ورئيس وأعضاء اللجنة العليا للانتخابات.
رئيس الحكومة -وفق مشروع الرؤية- يُكلَّف من مجلس النواب، بينما يُنتخب رئيس الجمهورية من اجتماع مشترك لمجلسي النواب والشورى. ومجلس النواب يتشكل من 301 مقعداً يتم انتخاب أعضائه بأسلوب التمثيل النسبي (قائمة مطلقة على أساس دائرة كبيرة)، في حين يتشكل مجلس الشورى من عدد أقل (من 150 مقعداً)، يُنتخب أعضاؤه بأسلوب مباشر، ويكون لكل إقليم العدد نفسه من الممثلين.
وبالانتقال إلى نظام برلماني، تنحصر اختصاصات رئيس الجمهورية -وفق المشروع- في تمثيل الدولة في المناسبات البروتوكولية، وقبول اعتماد المبعوثين الدبلوماسيين إلى الدولة بعد موافقة الحكومة، وإصدار القوانين التي يوافق عليها مجلس النواب، ومنح الأوسمة والنياشين بناءً على اقتراح رئيس الوزراء، والمصادقة على أحكام الإعدام أو العفو فيها بناءً على اقتراح رئيس الوزراء… إلخ.