د/ محمد حسين حلبوب والمهندس وحيد علي رشيد يكتبان عن خيار الفدرالية

د/ محمد حسين حلبوب والمهندس وحيد علي رشيد يكتبان عن خيار الفدرالية

فشل الوحدة الاندماجية في ضمان الاستقرار السياسي لليمن
د. محمد حسين حلبوب*
منذ عام 1918 وحتى الآن، جرب اليمنيون العيش في أربعة كيانات سياسية، تتصف بأن جميعها دول اندماجية. ويختلف بعضها عن بعض في طبيعة النظام السياسي، أو شكله، أو درجة حريته، أو وسيلة تحقيقه. وذلك على النحو التالي:
التجربة الأولى: الوحدة الاندماجية، بنظام ملكي، تقليدي، غير ديمقراطي، خلال الفترة 1918 1962 (المملكة المتوكلية اليمنية).
التجربة الثانية: الوحدة الاندماجية بنظام جمهوري رأسمالي غير ديمقراطي، 1962 1990، (الجمهورية العربية اليمنية).
 التجربة الثالثة: الوحدة الاندماجية بنظام جمهوري، اشتراكي، غير ديمقراطي، خلال الفترة، 1967 1990، (جمهورية اليمن الجنوبية الديمقراطية الشعبية).
التجربة الرابعة: الوحدة الاندماجية بنظام جمهوري، راسمالي، ديمقراطي، 1990- 2013 (الجمهورية اليمنية).
وكان عدم الاستقرار السياسي، والصراعات الدموية، هي السمة السائدة للتجارب السياسية الأربع، دون استثناء.
ومن وجهة نظرنا فإن الوحدة (الاندماجية)، وليس غيرها، هي السبب الأساسي لعدم الاستقرار السياسي في اليمن. وذلك للاسباب والعوامل التالية:
1 أن الطبيعة الجغرافية المتنوعة لليمن، والطابع القبلي للمجتمع، والتاريخ المتباين لمكوناته السياسية السابقة، تفرز تباينا واضحا في الهوية الثقافية والمذهبية بين المناطق اليمنية. والوحدة الاندماجية لا تساعد على ضمان حقوق أصحاب الهويات الثقافية أو المذهبية الخاصة.
وتظهر مطالباتهم بحقوقهم وكأنها محاولة للاستئثار بنصيب أكبر من الثروة والسلطة، فتنتشر الكراهية ضدهم، مما يؤدي إلى تصدع الوحدة الوطنية للدولة وعدم الاستقرار السياسي.
2 أن الوحدة الاندماجية قد فشلت في ضمان الاستقرار السياسي للمكونات السياسية الأصغر السابقة لدولة الوحدة اليمنية. لذلك فإن فشلها في ضمان عدم الاستقرار السياسي بعد التوسع الجغرافي للدولة اليمنية، أمر طبيعي ومنطقي.
3 أن النظام الجمهوري، يجعل إمكانية الوصول إلى السلطة في متناول جميع أفراد المجتمع، وبالتالي من الطبيعي أن يزداد عدد المتنافسين عليها. لكن الدولة الاندماجية تركز السلطة في أيدي عدد قليل من الأفراد. وهكذا فإن الوحدة الاندماجية تجعل النظام الجمهوري عاملا مساعدا على عدم الاستقرار السياسي.
4 أن الوحدة الاندماجية تجعل الديمقراطية وسيلة لتهميش الحقوق السياسية لأصحاب الهويات الخاصة، وهكذا فإن الوحدة الاندماجية تجعل الديمقراطية عاملا مساعدا على عدم الاستقرار السياسي.
5 أن الوحدة الاندماجية، تفرض وجود سلطة مركزية مسيطرة بالكامل على السلطة والثروة، وبوجود الضعف والقصور في منظومة الحكم الرشيد، فإن الحرمان والتمييز الاقتصادي لسكان المناطق البعيدة عن المركز، يصبح أشد. مما يساهم في عدم الاستقرار السياسي.
6 في الدولة الاندماجية، المتصفه بالمركزية الشديدة والقصور في منظومة الحكم الرشيد، يتحول التمايز الاجتماعي الناتج عن النظام الرأسمالي الحر إلى تمايز مناطقي، حيث تتركز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد الموجودين في المركز. لذلك يعاني سكان المناطق البعيدة عن المركز بالظلم الاجتماعي، والحرمان والتمييز الاقتصادي، مما يتسبب في عدم الاستقرار السياسي.
7 أن الإجماع الوطني، الذي حازت عليه وثيقة العهد والاتفاق في عام 1994، يعتبر اعترافا إجماعيا صريحا بفشل الوحدة الاندماجية.
وهكذا يمكن الخروج بالاستنتاجات التالية:
1 إن المجتمع اليمني خلال القرن العشرين قد جرب الوحدة الاندماجية (الطوعية، والقسرية)، بنظام سياسي (ملكي، وجمهوري)، وبآلية حكم (ديمقراطية، وغير ديمقراطية)، وبمشروعية سياسية (دينية، وثورية، وانتخابية)، وبنظام اقتصادي (تقليدي، ورأسمالي، واشتراكي)، وقد فشلت تجارب الوحدة الاندماجية الأربع في ضمان الاستقرار السياسي لليمن.
2 إن الوحدة الاندماجية في اليمن أصبحت خطرا على الوحدة الوطنية، والجمهورية، والديمقراطية.
3 إن تغيير النظام السياسي والانتخابي في اليمن ليس سوى حل جزئي لا يخدم سوى مصالح فئات محددة. ولن يتحقق الاستقرار السياسي لليمن إلا بالانتقال إلى وحدة غير اندماجية، تسمح بالمشاركة الشعبية الواسعة في السلطة والثروة، كما تسمح باستيعاب التنوع الثقافي والمذهبي للمناطق اليمنية.
إن ضمان الاستقرار السياسي لليمن يمكن أن يتحقق من خلال الاتفاق على عقد اجتماعي جديد مبني على مبادئ الطوعية، والجمهورية، والديمقراطية، والفيدرالية.
فهل سيتحقق ذلك قبل التطهير العرقي والإبادة الجماعية، أم بعدها؟
 
                                                                                *استاذ الاستثمار والتمويل المساعد كلية الاقتصاد جامعة عدن
 
 
*الفيدرالية ووهم اللحظة
المهندس وحيد علي رشيد*
إن الحديث الذي نسمعه اليوم عن الفيدرالية، حديث فقد بريقه من الناحية الزمني، فالفيدرالية عادة يتم الحديث عنها عند توحيد الدول وعند نشوئها، كشكل من أشكال الاتحاد، بل تكاد تكون من أرقى أنواع الاتحادات التي تم تجريبها في عدد من البلدان، ولكن مقامها يتجلى وأثرها يعرف عند نشوء هذه الاتحادات.
أما بعد ذلك فهي لا تعدو أن تكون في البلدان الموحدة حديثاً عن توزيع السلطات والصلاحيات، أكثر منها شكلاً من أشكال نشوء الدولة. وقد تم ممارسة وتبني هذه الفكرة عند قيام الدول الاتحادية في العديد من بلدان العالم. وتعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من الدول العريقة في مجال نشوء الفيدراليات.
وقد نشأت فكرة الفيدرالية في الولايات المتحدة تحت وطأة التحديات الكبيرة التي عاشتها الولايات حديثة الاستقلال عن بريطانيا في عام 1774، كونت في البداية قبل تكوينها للاتحاد الفيدرالي الاتحاد الكونفدرالي الذي يوصف بأنه اتحاد استقلالي. وكان ذلك الاتحاد قد جمع الولايات ال13 الأولى التي نالت استقلالها من التاج البريطاني. وعندما رأوا أن التحديات الخارجية لا تزال في أوجها، وأن بريطانيا تتدخل في شؤونهم بما يهدد كياناتهم السياسية التي نشأت، لجؤوا إلى الاتحاد الفيدرالي بدلاً من الصيغة الاستقلالية. وعرف هذا الاتحاد بـ”دولة الولايات المتحدة الأميركية”، والذي تنازلت من خلاله الدول المكونة للدولة الجديدة عن كياناتها السياسية السابقة وعن شخصيتها الدولية لصالح شخصية دولية جديدة عرفت بالاسم المذكور آنفاً.
وهذا لا يعني أن التهديدات الخارجية هي فقط التي توحد الدول، ولكن هناك جملة من الأسباب الداخلية التي تحتم على مجموعة دول الاتحاد بالصيغة الفيدرالية. من هذه الأسباب: السعي لمجابهة التحديات الخاصة بالموارد، إذا كانت هذه الموارد لا يمكن استخدامها إلا بشكل مشترك، وكذا السعي لمجابهة تحديات الأرض الجغرافيا، إذا كانت الدول مترامية الأطراف ولا يمكن إدارتها إلا بتوحيدها عبر الشكل الفيدرالي الذي يجمع القوميات المختلفة والطوائف المتعددة ويتغلب على اختلافات الأعراق واللغات والأديان وغيرها من الخصوصيات التي قد تعوق في فترات تاريخية تطور الشعوبة وتقدمها.
ولقد أخذت الدولة الفيدرالية أشكالاً مختلفة في دول عديدة، منها الدول الرئاسية مثل الولايات المتحدة والبرازيل والأرجنتين، ومنها الدولة التنفيذية البرلمانية مثل بريطانيا وألمانيا والهند. وتتراوح هذه التجارب في تطبيقاتها وتشريعاتها وأجهزتها بموجب التطور التاريخي وخصائص هذه الدول التي اندمجت وكونت هذه الاتحادات.
فالرئيس في دولة مثل الولايات المتحدة هو المسؤول التنفيذي الأول في الدولة، وهو المحاسب أمام الأجهزة التشريعية والقضائية عن جميع الجوانب التنفيذية. أما في الدولة البرلمانية فإن المستشار أو رئيس الحكومة هو المسؤول التنفيذي الأول، ويبقى رئيس الدولة ممارساً الوظيفة البرتوكولية، وقد تعطى له صلاحيات للترجيح بين السلطات الثلاث في ظل مبدأ الفصل بين السلطات التي تتبناه الدول عادة.
وعليه فما يدور اليوم عن الفيدرالية في اليمن أرى أنه من باب المصطلحات السياسية التي يعتقد البعض أن لها مفعولاً سحرياً في إخراجنا من كثير من المشاكل التي نعاني منها. والحقيقة أن المصطلحات لا تسعفنا كثيراً، مهما كان بريقها، إذا لم نخدم قضايانا خدمة حقيقية من خلال التعرف على مشاكلنا وقضايانا بخصائصها ومفرداتها، على اعتبار أننا نتحدث عن فكرة مطلوب تطبيقها وليس سطرها في مقال أو إيداعها في صفحات الكتب والمجلات.
اليوم الحديث هو عن السلطة وتوزيعها: هل هي مركزية أم لا مركزية؟ والحديث اليوم عن السلطة وشكلها هل هو رئاسي أم تنفيذي؟ وهل هناك مداخل بين هذا النمط وذاك، أم أن الأمر يحتاج إلى غير ذلك؟ وأرى أن السلطة المحلية في اليمن يمكن توسيعها إلى أوسع الحدود، على أساس أن تربط بالصلاحية، لأنه لا حاجة لنا للدخول مرة أخرى في تجارب جديدة لإحراقها وعدم الاستفادة منها، فنحن جميعاً اليوم كيمنيين، مثلنا مثل بقية البشر في هذا العالم، نريد أن يفصل في أمورنا تحت سمعنا وبصرنا، هذه عاطفتنا وهذه بشريتنا وهذه فطرتنا، ولكن عندما تصطدم هذه العاطفة بعوامل أخرى لا بد أن تتوفر من خلال الجهد والعمل واستيفاء الشروط، ولا حاجة لتدمير هذه العواطف عبر تعريضها للصدمات ودورات الانكسارات والأخطاء.
فالسلطة المحلية التي نريدها لا بد أن تكون لها صلاحيات، والصلاحيات اليوم ليست توجيها مكتوبا ولا نصا قانونيا ولا حتى دستوريا، فقط؛ الصلاحيات هي بيئة نحن مسؤولون جميعاً عن توفيرها. فالسلطة المحلية التي يتم الحديث عنها اليوم من خلال المحافظات وصلاحيات كاملة، من الصعب الحديث عنها، إذ إن الصلاحيات الكاملة لا توجد حتى في أرقى الدول، إذ إن لكلٍّ سقفه وحدوده، ولا معنى للكمال هنا، والصلاحية تربط عادة بالبيئة المنسجمة التي تعطي صاحب القرار إنقاذ ما يقرره.
فالصلاحية في ظل نظام تعليمي ضعيف تعتبر صلاحيات ضعيفة. والصلاحية في ظل إيرادات ضعيفة تعتبر صلاحيات ضعيفة. والصلاحية في ظل ديمقراطية مبتدئة صلاحية مبتدئة. والصلاحية في ظل يأس وبؤس وقنوط صلاحية بائسة ويائسة وتبعث على الرثاء. وحينها كيف تفاجأ بأن السلطة المحلية بهذه الصلاحيات مواصفاتها ضعيفة مبتدئة بائسة. وعليه فالمطلوب منا كمثقفين ومشتغلين بالأمر السياسي وفعاليات مدنية مختلفة أن نطالب بالحد القابل للتنفيذ والتطوير، بما يتعلق بالسلطة المحلية. أما تطبيق مبادئ النظام الفيدرالي فيما يتعلق بالسلطة المحلية هو بحاجة إلى دراسة جادة ووقفات وطنية معرفية مخلصة وأقول إن أوضاعنا لا تزال تستدعي تدخلاً مركزياً مقناً منظماً يراعي المصالح العليا لهذا الوطن ويستمر في تطوير التجربة المحلية إلى آفاق يعتمد الناس فيها على أنفسهم في إدارة شؤونهم، وإذا تم إعطاء أولوية المركزية لسلطة على حساب مفاهيم الفيدرالية الصعبة بل والمستحيلة التطبيق حالياً يمكن أن يستمر في نمط التقسيم الإداري الحالي الذي وزع اليمن إلى 22 محافظة، أما إذا انحزنا للاتجاه المطالب بسلطة محلية ذات صلاحيات واسعة بل وحكومات محلية، فحينها من أين سنأتي لهذه السلطة بالموارد المادية والبشرية لأنه سيكون مطلوبا لكل محافظة مواردها الخاصة التي تقيم به أودها بالحد الأدنى وتسير شؤونها، ويكون التدخل المركزي هو ما يخص المشاريع التي تربط بين هذه المحافظات. أما إذا ظل تمويل مكتب البريد وبناء وتشغيل الوحدة الصحية والمدرسة والطريق يدفع له من أموال المركز فمن الصعوبة الحديث عن سلطة محلية واسعة الصلاحيات، 22 محافظة. وأما الفيدرالية وفي ظل أوضاعنا الحالية فلا تعدو أن نكون سحابة صيف ووهم لحظة. وإذا أردنا بحق بعض إيجابياتها وصلاحياتها فلننظر إلى أوضاعنا التي علينا ترتيبها حتى نستفيد مما استفاد منه الآخرون حقيقة لا وهماً وواقعاً لا خيالاً.
                                                            * أمين المكتب التنفيذي للتجمع اليمني للاصلاح بعدن