في محاولة لترقيع فساد المؤسسة الإقتصادية وتربية إب

في محاولة لترقيع فساد المؤسسة الإقتصادية وتربية إب

                         النيابة العسكرية توجه باستقطاع الملايين من مرتبات المعلمين
> يحيى هائل سلام
مطلع الأسبوع الماضي، وفي خطاب رسمي أُرسلت نسخة منه إلى جهات رسمية عليا بينها الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، أبلغ وزير التربية والتعليم جميع مكاتب وزارته في المحافظات وقف التعامل المباشر بنظام القروض.
من وجهة نظر الوزارة، يعود السبب في إصدار مثل تلك التوجيهات إلى ما يترتب على نظام القروض من أعباء إدارية. ويقول فيصل غالب، مدير عام شؤون الموظفين بالوزارة: “بسبب ضخامة عدد الموظفين، وكذلك تعدد مؤسسات الإقراض، فقد أصبحتْ إجراءات القروض تأخذ من الجهد والوقت أكثر من المهام الأساسية المناطة بمكاتب التربية”!
ويضيف: “ثم إن التوجيهات لا توقف العمل بنظام القروض بصورة كاملة، ولكنها تقصر دور مكاتب التربية على تزويد الموظف بما يمكنه من إثبات كونه موظفاً حكومياً أمام مؤسسات الإقراض. أما ما يتعلق بالإلتزامات المالية، فيمكن للمؤسسات تحصيلها بالاتفاق مع الجهات التي تقدم خدمات صرف المرتبات، مثل مكاتب البريد، وليس بطريقة الخصم المباشر من كشوفات المرتبات”.
صحيح أنه ما من أحد في وسعه تأكيد ما إذا كان تزايد المشكلات المصاحبة أو الناجمة عن العمل بنظام القروض، هو من بين دواعي الوزارة في موقفها، وأكثر من ذلك، أن تكون مشكلة بعينها، هي المعنية بمثل تلك التوجيهات، أو على الأقل دفعت أكثر من غيرها الوزارة في اتجاه مثل ذلك الموقف.
لكنْ ما هو مؤكدٌ، أن توجيهات الوزارة جاءت متزامنة مع حالة حيرة وإرباك يعيشها مكتب التربية والتعليم بمحافظة إب على خلفية واحدة من أكبر فضائح القروض في البلاد، بدأ فتيلها بالاشتعال مطلع العام 2007، وآنذاك سرعان ما تم إخماد الحريق، غير أن النار ظلت تحت الرماد، وعلى غير حسبان، كما وعبر مسار هو اليوم موضع ريب وشبهات، أخذت قبل أكثر من أسبوعين، تتصاعد ألسنة اللهب!
نيابة استئناف المنطقة العسكرية المركزية، برئاسة القاضي (عقيد) فضل عبدالله علي، توالي التحقيق مع ملاطف الرفيق وآخرين. والأول هو المدير السابق لفرع المؤسسة الإقتصادية اليمنية بمحافظة إب. أما موضوع التحقيق فهو القروض الممنوحة لموظفين في التربية والتعليم بالمحافظة، وطالما أن مراجعة للأوليات قد جرت من قبل المختصين بفرع المؤسسة ومكتب التربية (إدارة القروض)، إذاً فليتمْ وابتداءً من شهر يوليو 2009 استقطاع أقساط مالية من مرتبات 112 موظفاً، وبإجمالي يقترب من حدود العشرين مليون ريالْ، والبقية تأتي لاحقاً.
ليس حرفياً، إنما بهذا المعنى، وفي مذكرتين منفصلتين بتاريخ 13/7/ 2009، خاطبت النيابة العسكرية مدير مكتب التربية والتعليم بمحافظة إب. وهذا بدوره، أدار إليه ظهر إحدى المذكرات، ثم بدأ الكتابة. كتب ما معناه: أيتها الشعبة المالية، على الحالات الصحيحة، نفذي الخصم بموجب أمر النيابة، وما ظهر من خطأ فله حكمه. وعن الحالات المرفوعة من النيابة، والتي لم تراجع من قبل المكتب، فيتم إيقاف مرتباتها، والإحالة للنيابة. أما ما جاءت به المؤسسة، وليس من بين هذا ولا ذاك، فلا شأن لنا به، وعليهم تحمل مسؤوليتهم.
كشوف الأسماء الواردة من النيابة العسكرية، وقبل أن تأخذ طريقها إلى الحاسب الآلي للبدء في الإستقطاع، مرت للمراجعة في إدارة القروض. ومثلما بنت النيابة توجيهاتها بالاستقطاع على القول إن الأوليات تمت مراجعتها من قبل تلك الإدارة، كذلك فعلت إدارة القروض عند وصول الكشوف إليها، إذْ زينت أعالي الكشوف بالعبارة: “روجع وعلى مسؤولية النيابة والمؤسسة”!
لكن ما مدى استعداد النيابة العسكرية لتحمل مسؤولية كل تلك الفوضى والعبث المشاع؟ هذا السؤال يسبقه سؤال آخرٌ أهم: هل النيابة العسكرية هي المسار الصحيح للنظر في الخلافات المالية بين المؤسسة والمعلمين؟!
عبدالرحمن سعد، وهو مدير عام الشؤون القانونية بوزارة التربية والتعليم، لا يعتقد ذلك، وفي تصريح لـ”النداء” قال: “القضية تسير في غير مسارها القانوني الصحيح”.
ثمة فرصة توافرت لتأخذ القضية مسارها الصحيح، ذلك أنه في تاريخ 29/7/2009، وبموجب شكوى تقدم بها عددٌ من المدرسين حول استقطاعات من مرتباتهم، يعتزم مكتب التربية تنفيذها لمصلحة المؤسسة الاقتصادية، أمرتْ نيابة الأموال الابتدائية في محافظة إب مدير التربية بإيقاف الخصم من مرتبات المدرسين وإرسال المتسببين إلى النيابة.
العجيب أن مدير مكتب التربية والتعليم، وهو دكتورٌ يلقي بين الحين والآخر محاضرات على مسامع طلاب الجامعة، فعل العكس، إذْ أحال الشاكين إلى النيابة العسكرية، ومعهم مذكرة نيابة الأموال بعد التأشير عليها بما يلي: “تقدم مع خالص التحية للإخوة النيابة العسكرية للعلم والإحاطة، علماً أن الشاكين من المطلوب الخصم عليهمْ”.
مدير عام الشؤون القانونية بديوان المحافظة، حامد الحكمي، اعتبر أن النيابة العسكرية لها اختصاصاتها المحددة في القانون. وقال متحدثاً لـ”النداء”: توجيهات نيابة الأموال العامة ملزمة لمكتب التربية والتعليم، فهي المخولة قانوناً النظر في مثل هذه القضايا”.
إن التفسير الوحيد لتلك الجاذبية المتبادلة بين النيابة العسكرية ومكتب تربية إب هو الواحدية في الهدف: محو إفرازات فوضى إدارية متوزعة بالتساوي بين فرع المؤسسة ومكتب التربية، وفي طياتها أكثر من واقعة فسادْ.
مبتدأ الحكاية عقد اتفاق بموجبه تقدم المؤسسة تسهيلات للمدرسين في حصولهم على معروضاتها من السلع التجارية، ومن جانبه يضمن المكتب خصم المديونيات من المرتبات. وبطبيعة الحال، فإن تنفيذ الاتفاق محكوم بجملة من الاشتراطات والالتزامات المتبادلة.
في ثنايا الالتزامات المتبادلة تبدت الفجوات، ومنها أطل الفساد بممكنات الكسب غير المشروع، لتتحول التبادلية المتفقة إلى ما يشبه السوق السوداء، كل ما يباع فيها ويشترى مجرد كروت، وإلى حد كبير مثَّل الوقت عاملاً مهماً في تجارة الكروت، لذلك قفز الطرفان على الاشتراطات، وكلاهما أخل بالتزاماته.
ذلك أن معظم التعاملات مع المدرسين أخذت تجري عبر وسطاء، وترتب على ذلك اعتماد وثائق لا تتوافر على الحد الأدنى من الاشتراطات، وجميعها اليوم موضوع طعن بالتزوير بما ترتب عليها من التزامات مالية على المطالبين بالسداد من المدرسين. والعجيب أن غالبيتها هي نتاج تعاملات مع وسيط بعينه، اسمه فوزي العريقي، بلغت قيمة تعاملاته عشرات الملايين، وانتهى به المطاف، إلى الموت مطلع العام 2006 في حادث مروري، وبظروف غامضة، يحضر فيها عند الكثيرين سؤال التصفية، كما لا يغيب عن آخرين هاجس استبعاد موته، وترجيح سفره خارج البلاد؛ غير أن ما هو متفق عليه، أن موت فوزي فتح على مسؤولي المؤسسة، ويفتح اليوم على مسؤولي التربية نوافذ جهنم!
النوافذ هاهي مفتوحة، والحل يكمن في مدى استعداد القضاء، سواء أكانت تمثله “العسكرية” أو “الأموال العامة”، للإطلالة منها، وتحديد المسؤولين عن كل ذلك. وفي المقابل، من غير الممكن أن يكون الحل في ترقيع الفساد عبر الاستقواء على طرف مدني بالنيابة العسكرية، والتي لا يبدو أنها في إجراءاتها تنظر إلى ما هو أبعد من مرتبات المدرسين!