أحمد سيف حاشد يكتب عن شهداء القبيطة

أحمد سيف حاشد يكتب عن شهداء القبيطة

لماذا يُقتل أبناء القبيطة في ردفان بتلك الطريقة البشعة؟ هل هذا يخدم السلطة أم يخدم الحراك؟ من المستفيد مما حدث؟ هل هناك من يخطط لفتنة ودوامة عنف بين أبناء ردفان والقبيطة؟ هل يدخل هذا في إطار مخطط أكبر لخلق بؤر توتر وإشعال الحرائق بين أبناء الشمال والجنوب؟ من المستفيد الحقيقي من إذكاء نار الفتن وإراقة الدماء واعتراك القبائل وتدويخ الشعب وجعله كفئران الشوالة؟ لا شك أن المستقبل سيكشف لنا حقيقة ما حدث ويحدث.
المتواطئ قاتل
أشعر أن هناك من يسلخ جلدي ويذر الملح على جسدي المخلوس وأنا أتخيل ما جرى من بشاعة وفظاعة ضد أبرياء أبناء القبيطة في “حبيل جبر”. إنه فعل بشع وفظيع بكل المقاييس، جريمة صعقت ضمير ووجدان الرأي العام؛ فلماذا تتراخى أجهزة الأمن ولم تقم بأي خطوة عملية على الأرض تهدف للقبض على الجناة؟ ما سر ذلك؟ أشعر أن الحيرة تبتلع فقط من مازال في أمر اليمن تائه وغشيم.
تصوروا أن البلاغ بالجريمة لعمليات وزارة الداخلية يصل بعد ساعة من اقترافها، وتحديدا في الساعة الواحدة وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل، بحسب اعتراف الوزير، ولا نجد الداخلية أو غيرها تحرك ساكنا أو فعلا على الأرض من أجل القبض على الجناة مدة أسبوع أو أكثر من يوم ارتكاب الجريمة! ماذا يعني هذا؟ هل دماء أبناء القبيطة رخيصة أو مسترخصة إلى هذه الدرجة؟ أم أن حاميها حراميها؟ مجرد سؤال طالع من أعماق روحي الجريحة في وطن مستلب ومشبع بالقتل والتعاسة.
كيف لأمن ونجدة وشرطة تدعي أنها في خدمة الشعب ولا تقبض على مجرم سفاح هز ببشاعة جريمته جبال اليمن؟! والأكثر مأساة ألا يكون لها حتى شرف محاولة القبض على الجناة!
كيف لمخبرين يقتاتون من ضرائبنا وقوت يومنا ولا يجيدون البحث عن قتلة الأبرياء ولا لديهم في الدنيا من مهارة غير التجسس على الوطن وشرفائه وأحراره!!
القوات مسلحة تستعرض العضلات في ميدان السبعين وتنزل للشوارع عند الحاجة لقمع الجياع، وعند الصدق تنكسر كعود ثقاب، وهي أعجز من أن تلاحق خاطف أو قاتل أو سفاح!
الأمن المركزي يستعرض فتوته وقوته فقط أمام الاحتجاجات السلمية ويلطخ يده واسمه بدم الضحايا الأبرياء وأحرار اليمن، ولا نجد له أثرا في ملاحقة القتلة وعتاة المجرمين!
إنها مفارقات كبيرة وشاسعة تجعل أي أمل فيها أو التعويل عليها لحماية أمننا أبعد من عين الشمس، بل حلما أبعد من حدود المجرة.
مر أسبوع أسود على ارتكاب جريمة “حبيل جبر” ولم ينتقل جندي أو طقم واحد حتى للسؤال عن الجناة، لا للقبض عليهم. وعندما يعتصم أبناء القبيطة المحزونون سلميا أمام المحافظة مع نائبهم للمطالبة بالقبض على القتلة يحضر أكثر من سبعة أطقم منفوخين بجندهم وعتادهم في وجه احتجاجنا الأبيض المطالب بالقبض على القتلة! لا شك أنكم قد أدركتم يا أبناء القبيطة لحظتها بعمق وأسى لا ينسى هذه المفارقة التي تدمي العين وتخلع القلب.
أي دولة هذه؟ إنها سلطة شاربة للدم ومتورمة بالبشاعة ومزحومة بالدمامة والقبح.
***
 
التجارة بالدم وأرواح الضحايا
لماذا تلك الأطقم لم نشاهدها في الاعتصام الأول؟ نعم، لأن بعض المندسين والمتاجرين فيها حملوا صورة الرئيس ورددوا شعارات قاصدة تسييس القضية والمتاجرة الإعلامية بدم الضحايا وقلب وتشويه الحقائق وتزيف وعي الرأي العام. إن السلطة لا تكتفي بنهب ثروة الوطن والتنصل عن واجباتها ومسؤولياتها الكثيرة، بل وتنهب أيضا اعتصاماتنا واحتجاجاتنا جهارا نهارا. ولا تكتفي بالرقص فرحا على أوجاعنا وأشلائنا، بل وعلى دم الضحايا الذي لم يجف بعد.
في الاعتصام الثاني الذي دعا إليه أولياء الدم وجدنا من يعمل حثيثا لإحباطه؛ ولكن نجح بكل المقاييس. التجمع كان كبيراً بحجم القضية. لم نعط مكانا للعمل الخسيس والكسب السياسي الرخيص. لم نسمح بتوظيف القضية أو الاتجار بها في سوق النخاسة. رفعنا صور الشهداء فقط. رأينا الشهداء يباركون عملنا ويبصقون في وجه السلطة ومن يتاجر بدمائهم الزكية ليزيد رصيده. وكان الفشل لمن أراد إحباط الجهود ذريعاً.
نجحنا في الاعتصام الثاني، بدليل أن هناك كانت ثمانية أطقم عسكرية في وجوهنا تتربص بنا فخابت أماني الخاسئين.
نجحنا لأننا أفشلنا من كان يريد أن يحول اعتصامنا السلمي إلى مآتم وأحزان.
نجحنا لأننا ألحقنا الهزيمة بمن أراد أن يفسد أمرنا ويفرق شملنا، عاد خائبا يحمل العار والنار.
نجحنا لأن المشاركين فيها جاءوا من قراهم إلى أمام مكتب المحافظة على حسابهم الخاص، منهم من استدان ليحضر معنا وهو أحوج وأعوز لقوت يومه، ومنهم من خزن القات دون غداء، ومن فطر دون أن يخزن، ومن لم يفطر ولم يخزن.
نجحنا لأن من جاءوا لم يجيئوا غصبا عنهم بفرمان أو أمر سلطان، كما اعتادت أن تفعل السلطة، بل جاءوا بمحض إرادتهم ولم ينتظروا مال نخاس ولا دعم بخيل أو تاجر دم.
ألف وألف قبلة وقبلة أطبعها في جبين كل من حضر الاعتصام وناصره وتجشم المشقة ليبلغ الجميع أننا أحرار وأنا شببنا عن الطوق ولم نعد للطغاة قوادين أو مطايا وعبيدا.
أقبل جباهكم فردا فردا، لأنكم لم تعودوا أولئك الذين كانوا في الأمس يغررون عليهم ويسوقونهم كالخراف إلى ما يريدون ويضربون على عيونهم العمى والذلة والعبودية.

***
قبيطة اليوم غير الأمس
لقد حفظ اليوم أبناء القبيطة الدرس ومارسوا وجودهم في وجه السلطة وأثبتوا للجميع أنهم أحرار ولم تعد تنطلي عليهم أكاذيب الأمس التي سرقت عليهم في الماضي شطرا من عمر.
حفظ أبناء القبيطة الدرس، بدليل أنهم لم ينفذوا ما كانت تتمناه السلطة من اعتراك واقتتال مع أبناء ردفان الأحرار. وتمضي الأيام لتعرفهم أكثر كم هي هذه السلطة قبيحة ودميمة.
من حقي اليوم أن أفتخر بكم وأثبت على المحك أنكم رجال أحرار وشجعان وميامين.
لم تعد القبيطة تلك التي كانت قبل خمس سنين تطبل للحاكم وتطأطئ له الرؤوس وتسبل له الجفون وتصفق له حتى تتورم الأيدي والأصابع.
ليس عيبا يا أبناء القبيطة أن ينخدع المرء مرة، ولكن الألف عيب أن ينخدع المرء مرتين وثلاثا. ولا بأس أن ظل نفر قليل عبيدا إلى آخر العمر.
ألف شكر وألف محبة لكم أيها الأحرار وكل من تضامن معكم من أحرار أبناء الصبيحة وردفان والوطن من أدناه إلى أقصاه.

***
عثمان… شهيد العند
هل تعرفونه؟ إنه الشهيد والرجل الحر عثمان محمد فتوان، رجل بقامة النخيل، عمود من ضوء ونور، مسكون بالشهامة والشجاعة والإقدام، رأسه أصلب من الصوان، مخلص لضحايا وشهداء القبيطة في “حبيل جبر” حد الموت.
الشهيد عثمان هو عم وخال شهداء القبيطة، ووكيل أولياء الدم. قتله الجبناء غيلة في لحظة وفاء. استقصدوا حياته لأنه وقف لهم كالطود. رفض أن يتاجر بدم الشهداء. رفض تسييس القضية والاتجار بها في سوق النخاسة. طالب باستقالة المحافظ وقيادة المحافظة ومن تواطأ في عدم القبض على القتلة. رفض أن يتحول إلى مادة للمزايدة والكسب الشخصي الرخيص لفلان أو علان من الناس. حفظ الدرس ورفض أن يُستغل ليتحول إلى قاتل أبرياء كما كانت تريد السلطة. آثر الاعتصام والعمل الاحتجاجي بعيدا عن القتل والانتقام من الأبرياء.
لقد فقدتُ وفقدتْ القبيطة رجلا من أعز الرجال. قتله الجبناء بل كما يبدو اغتالوه عن قصد وإصرار وترصد وإلا كيف أخذته الرصاص دون غيره؟ لماذا رصاصات القتلة أصابت فقط وكيل أولياء الدم ولم تصب غيره؟ يبدو أنه أمر دبر في ليل.
أشعر بغصة ذابحة وأنا أتذكر عثمان. عثمان يا أرجل الرجال، كنت كتلة وشعلة من نار، يهابك ويخافك تجار الدم وخفافيش الليل. كم أنت رائع وجميل في أرض يسوسها القتل والغدر والجبناء! ألف رحمة عليك! روحي تدثر ذكراك الجميلة. كم أنت نقي وصادق ووفي…!
لك الحب والشهادة. ولهم العار والخساسة والجبن.
ستظل في الذاكرة وشما جميلا. ستظل في وعي الأحرار منا حرا وعملاقا تعانق السماء وينبض محياك بالضوء والنور. فيما يظل القتلة أقزاما وأحذية وخفافيش ليل.

***
للردفاني الجميل أعبق تحية
سام صالح، كم أنت رائع ونبيل! هذا الردفاني الجميل حضر إلينا وتضامن معنا. طلب منا أن يكون لدينا أسيرا أو رهينة للضغط على الدولة والقتلة. يااااااااااااه! تصوروا أن يحدث هذا في الوقت الذي كان يحث البعض من كليلي النظر على استعداء أهل ردفان النجباء. كنت يا سام رسولا جميلا لأهل ردفان الرائعين. أوصلت الرسالة، وفهمها أبناء القبيطة الذين يكنُّون لك ولأمثالك كل الحب والتقدير. ردفان ليست قتلة علي سيف وجماعته. ولكن ردفان سام صالح وعشرات آلاف الرجال الميامين أمثاله. لن تنجح السلطة في أن يقتتل أبناء القبيطة وردفان حتى ولو سقط جميع أبناء القبيطة شهداء طالما هناك في ردفان رجال مثل سام صالح. سام الذي لاحق ذات يوم أبناء القبيطة ليتضامنوا مع نائبهم فيما جرى عليه من اعتداء وتضييق. كم أنت رائع ونبيل يا سام! أعطيت الجميع درسا استوعبناه على أكمل وجه وصورة.
اليوم وغدا يا أبناء القبيطة ستجدون أبناء ردفان والصبيحة واليمن كلها يتضامنون معكم ويعضدون قضيتكم ويلتحمون بكم ضد هذه السلطة القذرة الملوثة بالدم… ستجدون أنفسكم معهم في اصطفاف واحد من أجل الحرية وملاحقة القتلة ومن يقف ورآهم ويتواطأ معهم.

***
إلى السلطة ومدسوسيها في الحراك
إلى السلطة المستعمرة ومدسوسيها ومخبريها في الحراك: لن نقتتل مع أبناء ردفان الأحبة. فالقاتل معروف وسنصله ولو بعد حين. لن يكون أبناء القبيطة وقود حربكم القادمة. لن نسمح بأن ينجح من يريد الاتجار بالدم والضحايا. لن ننجر لإشعال الحرائق بين القبائل. لن نظل العمر كله مغفلين. ولن تظلوا تسوسون الوطن بالدم والنار والضحايا. لقد فهمنا مرادكم الخبيث، ولن ننزلق إلى ما تريدون. فنحن أقوى على الصبر، ولن تحصدوا من دم الأبرياء غير الشوك والحصرم والعلقم. غدا سيقتص التاريخ منكم وستؤولون إلى مزبلة.

***
للأغبياء والجهل المسيس في الحراك
إلى أولئك القادة العمي والأغبياء وكذا المقودين بالعفوية والجهل المسيس في الحراك: إن ثقافة الكراهية تمحق المنجز وتسود الصفحة وتشوه القضية وتلحق بها فادح الضرر. إن كانت السلطة المستعمرة هي سبب ولادة هذه الثقافة الشائهة والمثقلة بالقبح، فإن الانجرار بتبني أغبياء الحراك لخطاب تلك الثقافة يجعل هؤلاء القادة الأغبياء والمقودين بالجهل أكثر خطرا على الحراك من السلطة. ثقافة الكراهية عنصرية، يترتب عليها أنهار فاجعة من الدم. أكثر ضحاياها من الأبرياء: أطفال ونساء وعجزة، وتترك مآسي ماحقة لا تنسى. أرموها في البحر، بل وخارج الأرض إن استطعتم. لن تنتصر قضية مؤسسة على مثل هذه الثقافة العصبوية النتنة. ليس هناك من ثقافة متحضرة أو حضارة إنسانية جميلة يمكن أن تتعاطى مع ثقافة الكراهية. ثقافة الكراهية تحول أصحابها ومريديها إلى عنصريين وقتلة بشعين من الدرجة الأولى. هذا ما تريده السلطة وتسعى إليه حثيثا، وستراهن عليه حتى آخر يوم من حياتها.
لقد بدأت السلطة اليوم تستثمر تلك الثقافة المنتنة وذلك الجهل الكثيف وطغيان حمق وشطط البعض منكم. فهل تستيقظون قبل خراب مالطا؟ هذا ما يتمناه المحب لكم ونتمناه. إن لم نقلها نحن فمن سيقولها لكم؟!
نعم، ثقافة الكراهية سببها الأول سلوك السلطة اليومي الناهب للأرض والثروة والقامع لأبناء المحافظات الجنوبية… نعم إن السلطة تضخ ثقافة الكراهية والتي تتجلى بقبح في قتل المعتصمين والمحتجين سلميا، ولكن كل هذا لا يبرر أن تتبنوا ثقافة كراهية مقابلة وإلا صار لا فرق بينكم وبينهم.
***

لعقلاء الحراك:
إلى ناصر الخبجي والعقلاء في الحراك: مازال الأمل معقود عليكم في تخليص الحراك من نفاياته. اعزلوا وانبذوا من يريد أن يلحق بأحراركم عار القتلة. فوتوا الفرصة على من يريد اغتيال قضيتكم وتشويه سمعت الشرفاء والأحرار منكم.
أشكركم لأنكم أول من أدان ذلك القتل الجبان، بل وأول من قاد مسيرة تنديدا واستنكارا له. ضعوا أيديكم بأيدي أبناء القبيطة الشرفاء لتفويت الفرصة على السلطة المتربصة بنا وبكم. لنعمل معا ومع أحرار اليمن كله ضد السلطة والقتلة وتجار الدم.