حوار بلا قضايا – عبدالكريم محمد الخيواني

حوار بلا قضايا – عبدالكريم محمد الخيواني

الحوار وسيلة عند خلق الله، لكن في اليمن تجمع السلطة والمعارضة على أن الحوار غاية بحد ذاتها، وبغض النظر عن النتيجة. فالمشترك لا يخفي أن السلطة لا تلتزم بنتيجة أي حوار، ومطالبها بضمانات للحوار تذهب أدراج الرياح عادة. السلطة بدورها تتهم المشترك بالرفض والمماطلة، قبل وبعد الحوار تحمله مسؤولية فشل الحوار.
الطرف الرسمي يدخل الحوار لتأكيد تواضعه، وأن الحوار مبدأ، والجلوس إلى طاولة الحوار مع المعارضة منهج، وأما ما يفضي إليه الحوار، فلا شأن له به! والرسالة هنا للمانحين عادة. والطرف المعارض يدخل الحوار وهو يعلم جيدا قناعة الطرف الأول وعدم قدرته على إلزامه بشيء، وتجاربه في الحوار مريرة، ومع ذلك يذهب للحوار مغلبا هاجسا واحدا هو: أنا أحاور إذاً أنا موجود، وكي لا يقال: رفض الحوار.
الحوار الوطني الذي استطاع لأول مرة في اليمن تشخيص الأزمة، فكانت حرب 94، وكان نتيجتها نفي قيمة الحوار، وإقصاء الشريك، وتأكيد الاستفراد. والحوار الثاني الذي أدى إلى نتيجة، واقعية، هو الحوار الأخير الذي بشرت فيه المعارضة بتحقيق حزمة مكاسب، واقعيا لم نجد منها غير التمديد سنتين، للسلطة، وعادت المعارضة للشكوى، وإعلان عدم الثقة والجدوى، بالحوار، فيما عادت السلطة لخطاب التنصل والاتهام.
مع ذلك فدعوات الحوار تصب هذه الأيام من كل اتجاه، وكأن كل شيء واضح، وإنجازات الحوارات السابقة تدفع للاعتقاد بأن الأمور تحتاج إلى جلسة، جلستي حوار، ثلاث بالكثير، وتتحقق الإصلاحات، ويعم الرخاء، وتنتهي كل المشاكل.
خرج رئيس الجمهورية في ذكرى يوم الجلوس داعيا إلى التسامح والتصالح والحوار تحت سقف الوحدة. ولم تمض سوى أيام وإذا الحرب في صعدة، وحرف سفيان، أطلت بقرونها، والمواجهات في الضالع، وزنجبار، و المكلا، و… و… تزداد سخونة وتصعيدا.
الرئيس رعى الحوارات السابقة، ويحرص دائما على تقديم نفسه راعيا للحوار لا علاقة له بوضع متردٍّ ولا قضية، ولا واقع، وليس طرفا في مشكلة، ولا حتى في الحوار، ورعايته للحوارات منحته جائزة معهد في روسيا العام الماضي! والمعارضة تعتقد أن رعاية الرئيس تعني الحوار مع صاحب الشأن والكلمة الأولى والأخيرة بالبلد، وعليه فالرئيس هو الضامن، والأمر والنتيجة صارتبعهدته، وهو المسؤول عنها، وتذهب للحوار ليس معها من عوامل القوة سوى هذا المكسب الافتراضي، لتحاور الخصم أو الطرف الذي بيده القوة والبنك، والإعلام، ولجنة الأحزاب والانتخابات، والقاضي، والسجن، وكل شيء. الشيء المضمون في نهاية الحوار عودة كل طرف إلى متراس مبرراته أو ادعاءاته: الأول متواضع، والثاني موجود!
اللجنة العامة للحزب الحاكم من جهتها ناشدت أحزاب المشترك الحوار، وكأن اللجنة العامة تستطيع فعلا أن تحل أو تربط؟ ولا ينقصها سوى الحوار لتأتي بما لم يستطعه الأوائل.
حتى الرئيس علي ناصر والمهندس حيدر العطاس قالا بالحوار، في تطور لافت يشير إلى بعد إقليمي، وفهم الموقف الدولي، ولم يقولا كيف ومن أين يبدأ الحوار وسقفه وأمده وحول ماذا…
تحضيرية الحوار جددت الدعوة لكافة أبناء اليمن وفعالياتهم السياسية والاجتماعية والمدنية وقادة وأطراف النضال السلمي والوطني في كل أرجاء الوطن إلى الحوار حول الرؤية الوطنية للإنقاذ والتغيير. وتحضيرية الحوار هي إنجاز التشاور الوطني، الذي أنجزها ولم ينجز الرؤية خلال عام. أما المدة اللازمة للرؤية، والحوار الإنقاذي، فأمر لا تعلمه التحضيرية نفسها، ولعله يحتاج إلى حوار مستقل. والملفت أن تحضيرية الحوار صارت كيانا، يحذر، ويأسف، ويدعو، ويجدد، ويناشد، ويصدر بيانات… لا أدري هل تذكر التحضيرية بنفسها هنا؟ أم تعتبر الحوار صفة دائمة؟ أم أن البعض يدعوها لإطلاق هذه التصريحات عملا بالمثل الشعبي: “يكفي صوتها في الحر”. أياً كان، أتمنى أن توفر هذه العشوائية شخصيات وطنية لها مكانتها واحترامها، مثل الأستاذ محمد سالم باسندوة، الذي ربما عليه البحث عن طريقة تعفيه من الحرج، فالغايات النبيلة لا تبرر العشوائية، ولا تأتي لاحقا.
الدكتور الإرياني بدوره أعلن تقديم استقالته من الحوار، في رسالة إلى رئيس الجمهورية، ولعله هنا بخبرته مل ترشيحه للعب دور آخر العاقلين في السلطة، ثم انتقاده بقسوة، لاحقا، على إنجاز الدور! الدكتور كشف في معرض رسالة الاستقالة أن المشترك يشترط للحوار الإفراج عن المعتقلين، والصحف…الخ، وهو ما أكدته رسالة المشترك، وهي ذات المطالب التي كان يتحدث عنها المشترك قبل أكثر من عام، وتم رفضها وأفرج عن معتقلي الحراك بعفو رئاسي، دون أن يحسب للمشترك انحيازه لجانب الحقوق، في هذه النقطة على الأقل.
شروط المشترك لنفس المطالب ليست قديمة وحسب، وإنما عودة لنفس “المطبـ”، لأن قضايا الحقوق والحريات يجب أن يكون الموقف منها مبدئيا، ويجب الضغط المستمر من أجلها والتصعيد، والاحتجاج، ورفض إقحامها كورقة في اللعبة السياسية، والزج بالقضاء، من حيث المبدأ.
انتهاك الحقوق والحريات، وقمع المواطنين، والحرب، والتعذيب، والاعتقال، والفساد، والنهب… الخ مخالف للدستور والقانون والشرع، وإخلال بوظيفة الدولة، قبل كل شيء، ومطالب المعارضة والناس تتعلق بالنظام والقانون، والكثير يعلم أن دولة النظام والقانون هي أدنى مراحل الدولة، التي نريد الدخول إليها، ولا يحققها القول بضرورة “تنقية الأجواء السياسية وإزالة مظاهر الاحتقان الشعبي، بما في ذلك إطلاق المعتقلين السياسيين وقضايا الحريات والصحافة، وإشراك المنظمات المدنية في نقاش تطوير النظام السياسي، والنظام الانتخابي”، فحسب، حد ما جاء في رسالة المشترك مؤخرا، لتهيئة الملعب، أو لخلق ظروف مواتية، أو للتمهيد. فاختزال عجيب وتسطيح للأزمة وتبسيط للمشكلة وتهوين لما يحدث، سواء قدم بمبرر حسن النوايا أم بحسن النظر، لا يعبر عن عمق الأزمة وخطورة الوضع، ولا يستوعب تجارب الحوارات، ونتائجها، بقدر ما يمثل هروبا مما يجب -على المشترك- القيام به، أو مؤمل منه، ليس لدى المواطن فحسب، بل لدى قواعد الأحزاب، سواء أولئك المنادين باستعادة الجمهورية والثورة ممن سلبوها، أم القائلين إن حرب 94 حولت مشروع الوحدة إلى غنيمة حرب، والمقصود هنا السلطة والحاكم تحديدا. وتجاهل هكذا وضع وأزمة وشعارات ومطالب وقضايا وأزمات، غيابها أو تجاهلها يضع قيادات الأحزاب تحت علامة استفهام كبيرة، عن مدى تعبيرها عن قواعدها ونبض الشارع والكفاءة في وظيفة الأحزاب كرافعة سياسية لقضايا وتطلعات الناس.
لا بد من إزالة الاحتقان وتنقية الأجواء، نعم، لكن كيف جاءت؟ ومن أوجدها؟ وهل يحتاج طلب لإزالتها؟ أم نصيحة فقط؟.
البلد يشهد تحلل نظام منذ فترة، وهو مرشح لاستكمال دورته، بوتيرة أعلى، وشواهده كبيرة وكثيرة، وكأنها أمر مسلم به، حد أن الإشارة إلى فشل النظام لم تعد يقابل رسميا بانزعاج بل تؤخذ كإحدى وسائل الحصول على الدعم، وأمريكا والمانحين قبلوا الوضع، مع الاعتراف بكل مساوئ النظام، خوفا من تحول اليمن إلى مربع يوزع الإرهاب، ورغم عدم جدوى هذا القبول في المحصلة، إلا أنه آخر ما توصل إليه عباقرة الحرب ضد الإرهاب، محكومين بواقعنا ومرارة العراق وأفغانستان.
معلومات إعلامية، لم أقرأ تعليقا عليها، ذكرت مباشرة السعودية بناء سياج حديدي كهربي الكتروني تكلفته تصل إلى حوالي مليارين ونصف دولار على حدودها، مع اليمن، لمنع التسلل والتهريب، أي لاتقاء النتائج، والتفاعلات التي لم تكن بمنأى عن صناعتها. والتكلفة الباهظة، والمباشرة في التنفيذ، مؤشر إلى جدية تتجاوز مرحلة التوقعات بنظر أصحاب الخبرة، والقدرة!
ومحليا يكفي ما قاله نواب الحكم والمعارضة في استجواب نائب رئيس الوزراء، ووزيري الداخلية والدفاع بجلسة البرلمان، مطلع الأسبوع الحالي، عن قتامة الوضع الأمني والانفلات، والفوضى، وحدة التدهور، أضف إليها تطورات الحرب، المتقطعة في صعدة وحرف سفيان، واللامبالاة بالوضع الإنساني للنازحين، وقمع الحراك، وما تعرض له مواطنون أبرياء، في محافظات جنوبية، بسبب أصولهم الشمالية، ومحاولات الاستغلال السياسي لذلك، والفساد والغلاء و… و… وهذا لا يعني عدم الحاجة إلى حوار؛ لكن يعني الحاجة إلى دقة وجدية ووضوح أكثر، وأن ثمة وضعا أهم وأخطر لا يحتمل التجزئة والتأخير، وتتطلب معالجته أكثر من مجرد إزالة احتقان وتنقية أجواء، وأكبر من تهيئة أرض الملعب الذي كان يقال زمان واليمن ليس في هكذا وضع.
كان الزميل سامي غالب، بكل حصافته، قد استوقفه، تحول المشترك إلى معلق على الأحداث، فكيف يمكن أن يفهم هذا الاختزال والتسطيح، والتجاهل لهذا كله، لدى أصحاب المطالب والقضايا، أو لدى أنصار وجماهير الأحزاب ذاتها؟ وهل هذا هو الإنقاذ الذي طالب به الأستاذ الآنسي قبل عامين، في صحيفتي “الخليج” و”الثورة”، التي تحدث عنها الشيخ حميد ذات خطاب انتخابي؟ وأين هذا من شعار: “رئيس من أجل اليمن، لا يمن من أجل الرئيس”؟
يحتاج اليمنيون إلى وقف الحرب، ووقف القمع والتحريض والاعتقال والتعذيب والفساد والمحسوبية والمحاكمات والتهديد والخطف… كما يحتاجون للتعليم والصحة والطريق والقانون والمساواة والأمان…الخ، كأبسط حقوق للحياة والعيش واجب السلطة توفيرها، لكن ليس من أجل الحوار أو الانتخابات.
لنقل إن الحوار ضرورة واقعية، في أي ظرف، لكن على المشترك أولا أن يتحمل مسؤوليته: يشخص الوضع، ويسمي الأسباب، والأسماء، بوضوح. يقول للناس ما مسؤولية الرئيس، وما عليه، وما له، ومدى وكلفة التغيير به، أو بدونه، وبعد 31 سنة حكم هل هو حل أم مشكلة، وكيفية التعامل معه، في الحالتين، ونقاط الاتفاق والخلاف، وتصفير العداد، والموقف من التوريث واحتكار السلطة والثروة والتداول السلمي للسلطة والمواطنة المتساوية واستقلال القضاء واحترام الحقوق والحريات وكرامة المواطن، ومن فشل الدولة… أي أن على المشترك تقديم رؤية وطنية متكاملة وحقيقية للخروج من هذا الوضع وتلافي الكارثة، تتضمن تشخيصا وحلولا وآليات وبدائل، لمخاطية المواطنين والمواطنات، والعالم، يعرض المشكلة والحل، ويقول: هذا مشروعي وهذه رؤيتي لمواصفات الدولة التي نقصد ونريد، ويسأل المواطن: هل تقفون معها، وتلتفون حولها، وتناضلون من أجل بنائها، ومعا نستعيد الثورة والجمهورية والوحدة والقضاء المستقل والعدالة والحقوق والحريات والمواطنة والأراضي المنهوبة والثروات المسلوبة والمهدرة والمناصب الموزعة بالقرابة والمحسوبية وضرورة الفصل بين المسؤولية والتجارة ورفض احتكار السلطة والثروة… ويفرض معادلة توازن الشعب طرف أساسي فيها. وبعد ذلك فليحاور المشترك السلطة، وسيكون للحوار قيمة ومعنى حقيقي فعلا. وإنجاز الرؤية لا يتطلب وقتا كبيرا، ولا جمعا غفيرا، فالأحزاب مستوعبة للواقع، وتحتاج إلى إرادة، ومبادرة لإخراجها.
مواقف الدكتور ياسين سعيد نعمان وتصريحه مؤخرا (عن أن الحوار يجب أن يحل مشاكل البلاد لا أن يعيد إنتاج السلطة) رسالة ليست للطرف الآخر فقط، ولكن للحلفاء أيضا، ولا تخلو من التنبيه، المسؤولية، القلق، الحسرة! إنما هل تكفي؟ هل تُفهم؟ هل تساعد الآخرين في الوصول إلى مستوى وعي واحد لما يجب؟ أم يؤخذ أنه أجندة ياسين وحزبه، الذي عليه منفردا تسديد فاتورة الوحدة والحرب والانفصال وغياب التنمية والحكم الرشيد وفشل الدولة وضياع الحداثة والتقدمية وربما فاتورة الحالمين أيضا؟ أم أن الحلفاء أو بعضهم يكتفي بإطلاق إشادة بالقول مصحوبة بعبارة: “لكن … من يقرأ لعريج خطها” للتبرير لا أكثر.
أخرج المشترك نفسه من حرب صعدة، ثم أخرج نفسه من قضية الجنوب والحراك والقضايا التي رفعها في حملة انتخابات الرئاسة، في حين كان مفروضا أن يستمر بنفس مستوى أدائه العالي في انتخابات 2006، باعتباره معارضة، وقضاياه ليست موسمية، وليقتدوا بالرئيس الصالح، الذي يخوض حملة انتخابية مستمرة، من تاريخ وصوله للحكم، حتى اليوم، بدون توقف، ويدافع عن انجازاته، في كل خطاب وتصريح، حتى أنه أعلن تنفيذ أكثر من80% من برنامجه الانتخابي لسبع سنين في عامين فقط! استباقا للانتخابات البرلمانية، بينما على المشترك في أولوية خوض الانتخابات بتخفيف الاحتقان، وتنقية الأجواء، والبلد يقال على شفا كارثة، وعن طريق حوار بلا أدنى ضمانات، وفي ظروف لا تشجع، وأوضاع لا تطمئن، وفقدان ثقة شعبية ملموسة بجدوى الانتخابات في التغيير، وجدوى التعددية، في موازاة ثقافة طاعة ولي الأمر… الخ؛ هذا إذا كان ثمة فرصة للوصول إلى انتخابات فعلا، وما على المشترك سوى مراجعة أقواله وتصريحاته السابقة، والانسجام معها كي يطمئن مواطنيهم على أن السلطة والمعارضة ليستا طرفي بلاء، وأن ثمة من هو أرفق بهم من الآخر.
ما يزال المشترك هو الطرف المعول عليه في المعادلة السياسية القائمة، لتلافي ما يمكن تلافيه، أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والقبول بالمشي جنب الجدار، لا يليق بأحزاب ولا يخدم قضايا، ولا يحفظ مصالح أي كان.
صحيح هناك كلفة، وربما تضحية، وخارطة مصالح وعلاقات، ومخاوف، وتباين بين قوى متعددة، لم تصل إلى مرحلة التحالف، وواقع، وستقف في مواجهة من، وكيف… لكن هذا كله لا يعفي الأحزاب من تحمل مسؤوليتها، ثم لم يعد هناك وقت للتكتيكات المعتادة، والمناورات إياها، أو للصمت والتواري والانتظار، ولا عذر له، ولا مقبول أن يكون مطلب المشترك، وفي العهد الجمهوري أدنى من مطلب أحرار اليمن في الأربعينيات، الذين قالوا للأمام حينها، أيام الملكية: أنت إمام، لكن أولادك وإخوانك لا يتولون المناصب العامة ولا يمارسون التجارة.