قناة “الجزيرة” ضحية جديدة لفشل الدولة في اليمن! – ماجد المذحجي

قناة “الجزيرة” ضحية جديدة لفشل الدولة في اليمن! – ماجد المذحجي

تكشف الأزمات في اليمن هشاشة علاقة السلطات مع الصحافة، ورغبتها في التسلط عليها، وكون المهنة الإعلامية ضحية أثيرة لفشل الرسمي في إدارة البلد واضطراباتها، مما يجعلها في الواجهة عادةً عرضة للعنف والانتهاكات، وتترنح تحت ضغوط عدة، بغرض إضعافها والسيطرة عليها. أوقفت مؤخرا الصحف المستقلة، وعاودت الصدور، ضمن مزاجية رسمية تقع خارج القانون وغير خاضعة للمساءلة. ومازالت صحيفة “الأيام” موقوفة وعرضة للتعسف ولانتهاكات خطيرة. ويقع الصحفيون اليمنيون باستمرار خارج أي ضمانات في وجه الاعتداءات المتكررة عليهم، حيث لا يتعدى الفعل الحمائي لهم البيانات التضامنية المحلية أو الدولية، وهو تضامن يبدو هشاً أمام سلطات تفتقد للحساسية فيما يخص سمعتها، ويتميز أداؤها بالصلف عادة في شأن الحريات. إن تردي وضع الحريات الكارثي مؤخراً لم يخلق أي تحريض على حماية حق التعبير، والحريات، وحقوق الصحفيين، من “رد الفعلـ”، باتجاه البدء بإنشاء تراكم يقاوم الصلف الرسمي، وينقذ الممارسة الإعلامية من دائرة التجاذبات حول الحقوق الأساسية المُفترضة لها.
يتسع نطاق الاضطرابات مؤخراً في الجنوب والشمال. ويبدو واضحاً تحلل الدولة إلى سلوك أمني فقط في مواجهة الأمر، لتصبح الحصيلة ضحايا إضافيين وحقائق مرعبة عن عنف متفلت ودولة فاشلة. تالياً لذلك، يصبح الأمر مركباً بكيفية بسيطة: الفشل ينتج الخجل، وما يتم الخجل منه يجب إخفاؤه. والنتيجة: تغييب الحقيقة وإغلاق عدسات الكاميرات. لذلك يمكن تفهم إضافة قناة “الجزيرة” لقائمة ضحايا الفشل الرسمي.
شاشة قناة “الجزيرة” أصبحت محلاً لأذى يومي من السلطة، فهي واسعة الحضور، وتمتلك نفوذاً عالياً في الشارع، وتستجيب بشكل سريع للحدث اليمني الملتهب شمالاً وجنوباً. إفساحها المتزايد مؤخراً لمساحة يومية من الإخبار عما يدور في المحافظات الجنوبية رتب احتقاناً عالياً تجاهها. الأمر يتعدى إيراد خبر مجرد، فالصورة التي تنقلها مليئة ببلاغة العنف اليمني، وهو ما يجعلها على طرف نقيض مع السلطة؛ تُفصح هي عما تريد الأخيرة ستره، فيصبح الحدث الدامي دوماً في اليمن على القناة الإخبارية الأكثر شعبية في العالم العربي تأكيداً مستمراً لانفلات الأحداث، وتلاشي قدرة الدولة على السيطرة، وفشل الدعاية الرسمية السيئة. يصبح الحل في مواجهة ذلك هو ترويع “الجزيرة”. دفع فضل مبارك ثمن حمله لشارة “الجزيرة” في أبين، الكاميرا التي كان يحملها كانت تذكيراً بأن العنف مرئي، وفي هذا ما لا يحبه كثيرون. لذلك أيضاً تم الاعتداء أيضاً على احمد الشلفي، وتهديد مراد هاشم المرة تلو الأخرى، حيث تصبح القيمة المهنية التي يشكلونها كمراسلين إخباريين هي الحقائق في مواجهة الصمت. أغلقت قاعة البرلمان أيضاً في وجه “الجزيرة”، وتعدى الأمر ذلك إلى تهديدها من قبل أحد أعضائه. الأمر متصل بما سبق، فالتهديد الشخصي المباشر لمدير مكتبها أمام بوابة مجلس النواب اليمني منفتح كليا على التهديدات السابقة بالهاتف. وفي محصلة كل هذا التهديد يبدو واضحاً تعلق أسبابه بسلطة غاضبة من كاميرا تلفزيونية تجعل العالم يرى عورتها!
يتفاقم الغضب على قناة “الجزيرة” على خلفية العلاقة الفاترة مع قطر، ليفهم الاهتمام المتزايد بالشأن اليمني من قبلها بالنسبة للسلطات، لا باعتبار توفر مادة خبرية مهمة لها في اليمن كمحطة تلفزيونية إخبارية، بل باعتبارها ساعي بريد يحمل رسائل سياسية من الإمارة الخليجية الغاضبة من سوء التصرف اليمني تجاهها في أكثر من واقعة، لا تبتدئ بملابسات الوساطة في صعدة لتنتهي باصطفاف اليمن في الخط السعودي – المصري ضداً على الموقف القطري أثناء أزمة غزة وغياب الرئيس عن قمتها في الدوحة!
حين تفشل الدولة في اليمن فعلى الإعلام أن يدفع الثمن باكراً قبل الجميع، “الجزيرة” الآن، و”الأيام” أيضاً، والصحف المستقلة قبل فترة قصيرة بسبب الحراك في الجنوب، وقبلها عبدالكريم الخيواني ونبيل سبيع ونايف حسان ومحمود طه بسبب الحرب في صعدة. الحريات والحقائق هي الضحية هنا، والرابح هو الصمت والإمعان في جر البلاد نحو الكارثة.
[email protected]