في سؤال الترجمة – جمال جبران

في سؤال الترجمة – جمال جبران

(1)
انتظر الطاهر لبيب نحو أربع وثلاثين عاما حتى ينتبه لكتابه ” سوسيولوجيا الغزل العربي. الشعر العذري نكوذجا “. هو ذاته الكتاب الذي مرت عليه ثلاث ترجمات متتالية بعد صدوره الأول في العام 1974. ( الأولى فعلها حافظ الجمالي وصدرت عن وزارة الثقافة والارشاد القومي – دمشق، سنة 1981. في حين فعل مصطفى المسناوي الترجمة الثانية، وصدرت عن دار عيون – الدار البيضاء، سنة 1987، وعن دار الطليعة – بيروت، سنة 1988. أما الترجمة الثالثة فكانت من وضع محمد حافظ دياب عن دار سينا للنشر – القاهرة، سنة 1994).
هي أربعة وثلاثون عاما من الانتظار إذن. قرر الطاهر لبيب بعدها إعادة النظر في أحوال ترجمات كتابه وماكان عليها. لكن أربعة وثلاثين عاما هي عمر كامل. ليست يوما أو يومين. ليست مسافة بسيطة بين جدارين متقابلين، الفاصل بينهما خطوة واحدة تفعلها القدم الواحدة وهي مطمئنة. أربعة وثلاثون عاما ليست فسحة أو مزحة. هي العمر الذي مضى وماتراكم عليه من خبرات وأحداث وعلوم ومعارف. الطاهر لبيب الان، ليس الطاهر لبيب قبل اربعة وثلاثين عاما. هو غيره الان، أو أنه هو مضاف عليه مافعلت به الحياة وذلك الزمن الطويل. وينعكس هذا على كتابه ” سوسيولوجيا الغزل العربي. الشعر العذري نموذجا “، المولود في العام 1974، ليس ” سوسيولوجيا الغزل العربي. الشعر العذري نموذجا “، المولود مجددا في العام 2009. هناك محيط من الأيام والحوادث والعلوم بينهما. ويتعمق هذا عندما يكون الطاهر لبيب نفسه من سيقوم بهذه الولادة الجديدة، ترجمة.
(2)
لم أسمع من قبل ان كاتبا تصدى لترجمة كتابه الى لغة أخرى. ( أيام الدراسة الجامعية كان يراودني تساؤل ساذج، وقتها يقول: لماذا لايترجم أمين معلوف رواياته الى العربية، بما أنه اعلم بها من غيره! وذات التساؤل ينطبق على الطاهر بن جلون، وإن بدرجة اقل. حيث عربية أمين معلوف أجود من عريبة بن جلون! مع أن معلوف قد حظي بمترجم فذ هو عفيف دمشقية، صاحب ترجمات ” الحروب الصليبية كما رآها العرب. ليون الأفريقي. سمرقند. موانئ الشرق. صخرة طانيوس. حدائق النور “. وهي ترجمات رسمية ومعترف بها، عكس ترجمات الطاهر بن جلون الذي تعرض لقرصنة شريرة أخرجت روايته في ترجمات سيئة للغاية أظهرته بشكل أساء لموهبته الفذة ولقدراته اللغوية غير المسبوقة ).
يقول الطاهر لبيب في سبب أنتباهه المتأخر هذا لترجمة كتابه ” لقد رأيت عملي ينُقل الى العربية، ثلاث مرات، من دون أن يخطر في الذهن أن أنقله إليها بنفسي. وإذا كان في هذا بعض غرابة، فأغرب منه غياب الرغبة في إطلاعي على ما آل به إليه النقل. قد يكون هذا من أوجه اللامبالاة بما طُويت صفحته ولكنه، قطعا، من أثر ما يحصل في النفس من صور استقلال النص وتباعده عن صاحبه “. لكنه وبعد طول تفكير رأى ضرورة إصدار كتابه بترجمة من صنعه. وقد أغراه هذا القرار النظر في ما كان من ترجمات لكتابه فوجد فيها ما وجد، لكنه لم يغمط حق اصحابها وجهدهم الذي فعلوه وذلك لأن ” المآخذ على ترجمات اليوم أوسع وأدهي: تسارعت المعارف وتفرعت فظُن الحلُّ في الكم ونُسي أن اللغة العربية، وسيلة النقل الأولى، معطلةُ، يتراجع استعمالها، في مجتمع تكاد لاتكون له لغة… “.
(3)
ويذهب الطاهر لبيب، في المقدمة التي وضعها لترجمة كتابه، معللا الأسباب التي دفعته لهذه الترجمة. ” قد يطمئن مترجمُ نصه الى مايراه معرفة به، وهو اطمئنان لا يحصل له إلا في لحظة غفلة منه عن المسافة التي أصبحت تفصله عنه. وليست المسافة، وإن تباعد عهد النص، مسافة زمنية إلا في معنى ما يحمل الزمن من معارف ورؤى واذواق و إمكانات للتأويل جديدة. وهي ليست خطية، لما فيها من منعطفات ومنعرجات، منها ماتكون اتخذته أحوالُ المؤلف نفسه ومساربُ أوضاعه ومواقعه “.
وربما هذا مايجعل النص غريبا على صاحبه. فارق الزمن وتراكم المعرفة تجعله يعيد التفكير فيما كتب قائلا: لو أني كتبت هذا بدلا عن ذاك. لو أني استبدلت هذه الفكرة بتلك. وعليه تكون كتابة أخرى وكتابا آخر. من المستفيد هنا؟ من قرأ الكتاب في أي ترجمة من تلك الترجمات الثلاث التي كانت. وأيضا من سيقرأ الكتاب في ترجمته الجديدة التي تمت على يد الصانع الأول.
هي دعوة مفتوحة هنا.
[email protected]