الجاني: الرمز _ منصور هائل

الجاني: الرمز _ منصور هائل

أجمعت معظم الصحافة اليمنية، وفي صدارتها «26سبتمبر»، على أن مرتكب مذبحة “حبيل جبر” صاحب سوابق كثيرة وخطيرة، كان آخرها تلك المذبحة التي أودت بحياة ثلاثة من القبيطة وبدت وكأنها جريمة قتل على الهوية لـ«شماليين» من قبل «جنوبيين». ولولا أعجوبة نجاة ياسين، وهو النجل الشاب للأب حميد الذي كان على رأس الضحايا، ولولا رواية ياسين التي أفسدت الطبخة المستعجلة لاتهام «الحراك» لكانت الأمور اتخذت منحى كابوسياً، إبليسياً لا يخطر على بال. وجاءت رواية سيرة الجاني الحافلة بالسوابق لتفيد بأن ما يحدث يتحدى الخيال. وقد نقلت الصحافة عن الأهالي في مديرية ردفان قولهم إن الجاني له سوابق عدة، منها قيامه بالتقطع وإطلاق النار على لجان القيد والتسجيل الانتخابية العام الماضي، واعتداؤه على الدوائر الانتخابية ومنعها من ممارسة عملها في منطقة “حبيل جبر”، وقولهم إن الجاني كان قد قام باختطاف اثنين من الضباط وتحطيم سيارة مدير المديرية السابق، واختطاف العديد من السيارات منها سيارة تابعة للمستشفى العسكري بالحديدة. وبمناسبة سيارة المستشفى المذكورة علم كاتب هذه السطور أنها كانت سيارة إسعاف وقد قامت بنقل جثامين ضحايا قتلى من أبناء ردفان في حرب صعدة، وقد أحسن الجاني علي سيف محمد استقبال السيارة باختطافها، وتمكنت السلطات المعنية من استرجاعها منه بعد أسبوعين من المفاوضات والمساومات. ويقول شهود عيان إن المذكور حاول غير مرة أن يحرف الفعاليات الاحتجاجية السلمية عن مسارها وقام بتحريض الناس على قطع الطريق ولم يفلح في اجتذاب أحد غير تلك الشرذمة التي شاركته وليمة آخر جريمة.  وتقول المعلومات إن المتهم التحق بالقوات المسلحة عام 1979، وحصل على آخر ترقية، برتبة رائد، في يونيو 2006، وكان قد تنقل في عدد من الدوائر العسكرية في القوات المسلحة، وقبل أشهر حصل على دورة تأهيلية في «القيادة والأركان». وعلى خلفية هذه السيرة الحافلة يتضح أن صاحبنا لا يعدو كونه أكثر من ابن أصيل لمرحلته، فهو استفاد من الانفلات الأمني والفوضى العارمة، وأجواء الفساد والاضطراب وخلط الأوراق والسلاح المتوفر، والعطالة والتبطل، وأدرك أن طريقه للفوز بلقب «البطل» يأتي من باب الاتساق مع النهج المعتمد في صنعاء، وهو النهج الذي جعل من الاختطاف صناعة وطنية، واستثمارا من الدرجة الأولى، ومن التقطع رياضة قومية وأستعراضا فلكلوريا، ومن القتل فاصلا إنجازيا، وكان بكل ذلك يتخاطر مع المراجع العليا ويعزف على الوتر الذي يطربها. تلكم هي صورة الجاني (الرمز) من أظرف اختطاف إلى أفظع مذبحة، ولن تأتي البقية كما نتصور أو كما ترتسم في أذهان من أطلق العنان لذئاب القواقع.