اللواء الأخضر.. تاريخ رياضي متميز..

اللواء الأخضر.. تاريخ رياضي متميز..

ما سر اندهاش المسؤول الأوروبي الذي زار إب؟
إبراهيم البعداني
لمحافظة إب تاريخ رياضي عريق متميز منذ عقود من الزمن، فقد كان شبابها يمارس عدداً من الألعاب التي كانت تمارس في دول مختلفة من العالم، دون أن يكون أبناء إب يعلمون ذلك، حيث لم يكونوا يسمونها بأسمائها المعروفة؛ لأن لهذه الألعاب تسميات خاصة بهم. واستمرت الرياضة حاضرة في إب رغم الظروف السياسية الصعبة التي شهدتها اليمن إبان الاحتلال العثماني ثم حكم الإمامة في شمال اليمن، إضافة للحالة الاجتماعية والظروف المعيشية الصعبة. فقد تمكن أبناء إب من الاستمرار في مزاولة مختلف الألعاب الرياضية.
وكانت أشهر تلك الألعاب الرياضية لعبة “القاحش”، والتي تشبه لعبة الهوكي، حيث يمارسها شباب المدينة في المساء، خاصة في الليالي المقمرة. كذلك لعبة الجري، وهي السباق من نقطة معينة وصولا إلى هدف معين (خط النهاية). وتميزت مدينة إب بوجود أندية رياضية موزعة في كل حارة من حاراتها، بحكم موقعها على إحدى الروابي، يحتضنها سورها المزود بأبواب سبعة. ومن تلك الحارات التي كانت مشهورة بالنوادي الرياضية “الجاءة” و”السماسر” و”الباب الكبير”… الخ.
وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي بدأت الظروف السياسية في اليمن تأخذ نوعا من التطور بظهور وسائل الإعلام والاتصالات، وخاصة الراديو والصحف والمجلات، التي كانت تتسرب إلى داخل اليمن عن طريق المغتربين، وبدأ الناس هناك يسمعون ويقرؤون عن مصطلح اسمه الرياضة وكرة القدم والسلة والطائرة والتنس… الخ. كما أن عددا من أبناء لواء إب هاجروا إلى الحبشة وإلى عدن والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بغرض العمل. وكانت عدن من المدن العربية التي تشتهر ببعض الألعاب الرياضية. وكان نادي التلال قد بدأ نجمه يتلألأ في عدن وذاع صيته، ومنه عرفت لعبة كرة القدم واشتهر عدد من لاعبيه. ومن نادي التلال أخذ العديد من أبناء إب المتواجدين في عدن ثقافتهم الرياضية وأحضروها معهم إلى إب، حيث بدؤوا يمارسون هذه اللعبة ويعلموها لشباب المدينة.
وبالفعل بدأت الكرة تظهر في إب، وقد أطلق عليها “الطبة”، فالتف الكثير من أبناء إب حول هذه المستديرة وبدأت التكتلات الرياضية تتكاثر في أكثر من حارة، بل أصبح لكل حارة فريق يسمى باسمها.
ومع اشتهار الإذاعة المحلية التي كانت تبث خلال ساعات الصباح من صنعاء وعدن، بدأ العديد من أبناء إب، وخاصة الموظفين في الجهاز الإداري  في حكومة المملكة المتوكلية، يفكرون في الإعداد لتأسيس أندية رياضية مشابهة لتلك الأندية التي ظهرت في بعض البلدان العربية، كنادي التلال والزمالك والأهلي في جمهورية مصر العربية.
وكان من أوائل من فكر وعمل على  بلورة هذه الفكرة الفقيد عبدالحفيظ بهران، ومدير مالية لواء إب الفقيد القاضي محمد يحيى الكتف، وابنه القاضي احمد بن محمد الكتف، وكاتب الأساس القاضي يحيى محمد بهران. وانظم إليهم العديد من الطلاب وشباب مدينة إب، منهم الشيخ عبد العزيز الحبيشي والأستاذ محمد زين العودي والفقيد محمد جواس والفقيد علي بن احمد قايد وعلي قايد الجعشني.
وقد وثق الفقيد عبدالحفيظ بهران أحد رموز  الحركة الوطنية والرياضية بلواء إب عن الحركة الرياضية وتاريخها في مدينة إب، فبعد أن تبلورت فكرة الألعاب الرياضية قاموا بابتكار أنظمة وقوانين رياضية التزموا بها، حيث كان يتم حفر خطين على الجانبين يوضح كل منهما حدود منطقة الدفاع (هذا كان مطلع الخمسينات). وفي العام 1958، وتحديدا بعد إعلان الوحدة بين مصر وسورية في 28 فبراير 1958 خرج المئات من أبناء وشباب مدينة إب في مسيرات تؤيد الوحدة بين مصر وسورية، وفي نفس الوقت تطالب حكومة الإمام احمد بالانضمام إلى هذه الوحدة. واستمرت المسيرات عدة أيام، وخلالها تم رفع لافتات عليها صور الزعيم جمال عبدالناصر وشكري القوتلي المواطن الأول الذي تنازل عن رئاسة الجمهورية لصالح الوحدة، وكذلك صور جلالة الإمام احمد وولي العهد محمد البدر.
ومع اشتداد حماس المتظاهرين خرجت وتجاوزت الحدود المرسوم لها ولم يتمكن أحد من إيقافها، وتخللها طلقات نارية ومفرقعات كثيفة وزغاريد النساء من النوافذ والسطوح، فاهتزت أركان المملكة المتوكلية لهذا الحدث وبدأت حملات الاعتقالات بدءا بالقاضي يحيى بهران ثم أخيه القاضي عبدالحفيظ بهران ثم مجموعة من الشباب بلغ عددهم تسعة عشر شخصا، خلاف من تمكنوا من الفرار ومنهم الأستاذ محمد زين العودي الذي كان يقود إحدى المسيرات. وقد تم إرسال ال19 المعتقلين إلى صنعاء مقر ولي العهد. أما عبدالحفيظ بهران وأخوه يحيى بهران فتم إرسالهم إلى تعز، مقر الإمام احمد، وزج بهم في الحبس بتهمة التحريض على المظاهرات بعد أن أجريت لهما محاكمة صورية في إب لم يحضراها تضمنت الحكم عليهما بالإعدام. وبعد عام ونصف قضاها الأخوان بهران في السجن أمر ولي العهد البدر بالإفراج عنهما حين كان الإمام في رحلة علاجية خارج اليمن، وكذلك الإفراج عن ال19 المجموعين في سحن قصر غمدان بصنعاء، فقد أفرج عنهم البدر بعد سبعة أشهر بعد أن توسط لهم القاضي عبدالرحمن الارياني الذي كان يعمل مع ولي العهد في تصريف شؤون البلاد أثناء غياب الإمام.
وفي تلك الفترة تمكن الأخوان بهران من التعرف على بعض الألعاب التي كانت مشهورة في مدينة تعز التي شهدت نشاطا رياضيا غير مسبوق، فتعرفا على المدرب السوداني إبراهيم رشدي الذي أسس ميدانا لتنس الميدان، وآخر للكرة الطائرة وذلك في ميدان العرضي الشهير. وقد مارس يحيى بهران تنس الميدان، واختار عبدالحفيظ الكرة الطائرة. وعادا إلى إب بعد أن تعلما اللعبة وقوانينها، وقد أحضرا معهما شبكة وكرة وصافرة فأصبحت إب هي المدينة الثانية بعد تعز في مزاولة هاتين اللعبتين، بل إن إب تفوقت على كل الفرق والأندية اليمنية، بما في ذلك أندية تعز، وظلت تحتكر البطولة لسنوات عديدة بعد قيام الثورة، فكانت هذه اللعبة هي الوحيدة في إب التي يمارسها الشباب. وبعد قيام ثورة 26 سبتمبر 1962 ووصول القوات العربية المصرية إلى إب بدأت معالم جديدة تظهر على شكل منتديات ثقافية، وتم تشكيل فريق رياضي لكرة القدم سمي “نادي المركز الثقافي”، وكان هذا النادي الوحيد على مستوى لواء إب.
ومن الجدير بالذكر ما شهدته الرياضة في لواء إب من إقبال كبير وتشجيع لهذه اللعبة من قبل المرأة، التي كانت تزاحم الرجل في متابعة المباريات والتشجيع من داخل مدرجات الملعب، حيث كان نصف مدرجات الملعب للرجال والنصف الآخر للنساء.
وتوالى بعد ذلك تأسيس وافتتاح العديد من مقرات الأندية في عموم المحافظة، وأصبح لكل ناد مدربه الخاص ومقره الخاص، فإلى جانب “الشعبـ” و”الفتوة” و”السلام” ظهر “نادي النهضة” في “عزلة جرانة” بمديرية بعدان، الذي كان من الفرق القوية والمنافسة في إب، وكذلك “تعاون بعدان” و”تضامن القاعدة” و”عراس يريم” و”شباب القدس”، بل وأصبح لكل مديرية ناد خاص بها، ومن ذلك: نادي الفجر الجديد بالسياني, شباب النادرة، شباب جبلة، شباب العدين… الخ.
وبالعودة إلى الحماس الذي كان يشد آلاف المواطنين، نساء ورجالا، فقد ظهر نوع من التنافس والسباق في عملية التشجيع، ولم يكن هناك أي حواجز تمنع المرأة من أن تتابع وتشجع الرياضة، حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حتى أن مسؤولا أوروبيا أثناء زيارته لمدينة إب عبر عن اندهاشه حين وجد النساء يشجعن مثل الرجال من خلال الصور الفوتوغرافية التي مازالت محفوظة في مقرات ناديي الشعب والاتحاد، فقال إن “أبناء إب أصحاب حضارة وثقافة، فلم يكن يخطر على بالي أن تكون المرأة اليمنية بهذه الجرأة والاهتمام بالرياضة”.
وقد اشتهرت إب بوجود العشرات من المشجعين الذين اشتهروا وذاع صيتهم في اليمن، ومنهم مشجعي نادي الشعب مثل: علي بن احمد قايد، يحيى الخربة، عبدالرحيم الصباحي، حمود بريه، عبدالملك العوج، محمد الناشري… ومشحعي نادي الفتوة مثل: يحيى الشعيبي، محمد الشراعي، احمد عبدالواحد باسلامة، عبدالكريم الدالي، علي عبده عمر، وشيخ المشجعين محمد الورافي… ومع وجود هذا الكم من المشجعين المشهورين فقد ظهر في العديد من الألقاب لنجوم رياضة إب والتي كانت ذات دلالة رياضية مازالت تطلق عليهم إلى يومنا هذا، بل إن العديد من محبي الرياضة قد لا يعرفون الأسماء الحقيقية لهؤلاء النجوم الذين طغت ألقابهم على أسمائهم، ومن تلك الألقاب: “الجاموس” (عبدالله الصباحي من شعب إب)، و”الثعلبـ” و”الصاروخ” (علي العطاب من شعب إب)، و”المعلم” (أحمد الضراب من نادي الفتوة)، و”نيخا” (علي الحمامي، وسمي بذلك لأنه كان يشبه الصينيين)…
وكما اشتهرت إب بالأندية الرياضية، ونجوم الرياضة من الرعيل الأول، فقد اشتهرت كذلك الكثير من الأسر والعائلات التي توارثت الرياضة ولعبت كرة القدم حتى يومنا هذا، ومن هذه الأسر الرياضية: أسرة البريد، وأسرة الصباحي، وأسرة العوج، وأسرة الخياط، وأسرة الحمامي، وأسرة الحبيشي، وهناك العديد من الأسرة التي لا يتسع المقام لذكرها.
[email protected]