مقدمة بين يدي ولاية الأمة-عبدالباري طاهر

مقدمة بين يدي ولاية الأمة-عبدالباري طاهر


خفتت في الأسبوع الماضي حدة المظاهرات في الشارع الإيراني. خطورة المظاهرات في إيران تأتي من جهتين مختلفتين:
الأولى أن شرعية ولاية الفقيه قد جاءت من مظاهرات شعبية تشارك فيها يساريون يقودون كفاحاً مسلحاً، وما يشبه حرب المدن، فدائيي خلق وتودة، ولبراليون: جماعة الجبهة الوطنية بازرجان، يزدي بني صدر، وعلماء دين يساريون: طالقاني، آية الله منتظري، وتيار الخميني: التيار الأقوى الذي انتصر كتعبير عن الاتجاه الشيعي الأثنى عشري المتجذر في البيئة الإيرانية «التقليدي»!
أما الخطر الثاني فيأتي من الخروج -ولأول مرة- بهذه الصورة من تحت عمامة الفقيه، على هذه الولاية.
ولاية الفقيه كانت في القرون الوسطى خروجاً من شرنقة «غيبة الإمام» وحلاً بشرياً عبقرياً لمعتقد مقدس «الغيبة الكبرى».
ولاية الفقيه التي كانت إجابة صائبة وإنسانية تستجيب لأسئلة حياتية متعطشة للإرواء، قد أصبحت قيداً سميكاً ورجعياً منذ نهايات القرن التاسع عشر. فمع انتصار الإصلاحات التركية وتأثيرها على إيران بدأت الدعوات الإصلاحية تتجاوز ولاية الفقيه.
كانت البداية المكتملة والأكثر نضجا ظهور أبي الأحرار كاظم الخراساني وأتباعه ومريديه من دعاة المشروطة. انقسم علماء الشيعة في إيران والعراق كما انقسم علماء السنة في بغداد والباب العالي أيضا من حول الدستور. وكانت الإصلاحات التركية وظهور كتاب «تنبيه الأمة وتنزيه الملة» للمناضل الكبير المرزا محمد حسين النائيني، والذي قدم له آية الله طالقاني بداية الغيث أو بالأحرى رؤية طبيعة الحكم في العصر «ولاية الأمة بدلاً من ولاية الفقيه»، كانت تركيا أكثر ارتباطا بالعصر وبمراكز التأثير فيه. وكان علماء قم والنجف أكثر استشرافا للعدالة والإنصاف وتطلعا للجديد، بحكم الغبن الذي لحق بهم، وبحكم الانفتاح على التيارات الفكرية والسياسية العقلانية والديمقراطية.
ثورة 1906 والتي اشتهرت بـ«ثورة المشروطة» كانت تعبيراً واعياً وعميقاً عن التفاعلات الكبرى في عالم ما قبل الحرب الكونية الأولى 1914-1918. والواقع أن تأثير الثورة في أوروبا كان كبيراً على تركيا وإيران والعراق. ولم تكن دعوات الديمقراطية آتية من فتاوى النراقي ولاية الفقيه، ولا من دعوات الإصلاح الديني في تركيا، وإنما كان التأثير الكبير آت من التطورات الكبيرة في أوروبا كلها. كما يؤكد عالمان جليلان: محمود الطالقاني، نائب الإمام الخميني، وأحد أهم وأبرز قادة الثورة الإسلامية الإيرانية، ذو المنحى اليساري «الاشتراكي»، والقائد الميداني، حيث يقول في مقدمته لرسالة «تنبيه الأمة وتنزيه الملة للنائيني»: «لم تتبلور فكرة الحكم الدستوري، المشروطة، في قطر إسلامي، بل وفدت علينا من الخارج، فوجدها علماء المسلمين مفيدة فتبنوها، وتقدموا الصفوف الداعية إلى إقامتها، وأصدر بعضهم فتاوى بوجوب تأييدها، كما تقدم آخرون صفوف الجهاد من أجلها: رشيد الخيون (الفقه الشيعي) والدستور النائيني نموذجاً». أما العالم الثاني فهو رشيد رضا صاحب تفسير ومجلة «المنار»، الذي قال: «لا تقل أيها المسلم إن هذا الحكم أصل من أصول ديننا، فنحن قد استفدناه من الكتاب المبين، ومن مسيرة الخلفاء الراشدين، لا من معاشرة الأوروبيين، والوقوف على حال الغربيين، فإنه لولا اعتبار بحال هؤلاء الناس لما فكرت أنت وأمثالك بأن هذا من الإسلام. ولكان أسبق الناس إلى الدعوة إلى إقامة هذا الركن علماء الدين في الأستانة وفي مصر ومراكش. وهم الذين لا يزال أكثرهم يؤيد حكومة الأفراد الاستبدادية. ويعد من أكبر أعوانها” (مختارات سياسية من مجلة «المنار»، تقديم ودراسة وجيه كوثراني، ص23). خوف أوروبا وأمريكا من الثورة كان شديدا، فإيران شرطي المنطقة كلها، وإيران مركز اقتصادي ينتج أربعة ملايين برميل نفط يوميا، ولها تأثير على منطقة تختزن أكثر من ثلثي احتياطي النفط، وتجاور أنظمة استبدادية فاسدة وهشة.
الوقوف بالثورة عند تخوم ولاية الفقيه، يتماهى مع ولي الأمر في الفكر السني السلفي، ويتماهيان بصورة ما مع الشرعية الثورية في بلدان القومية العربية التي وقفت بالثورة عند الخوذة العسكرية. ولكن المصالح الاستعمارية الغربية وتحديداً الأمريكية كان أثرها حاسماً وباتعاً.
قدمت أمريكا السلاح، وقدم عرب النفط المال، وقدم الصدام الرجال، لتنتصر أمريكا.
سلفا لا بد من إدراك اختلاف الانتخابات الإيرانية عنها في المنطقة العربية كلها، فإيران دولة أمة، وقدمت نموذجا انتخابيا مغايرا لجوارها العربي، وانتخاباتها صراع جدي على تداول بمستوى معين «ولاية الفقيه»، فولاية الفقيه هي الجوزة التي لا يكون تحليل الثورة الإيرانية بدون كسرها كقراءة هيجل. والانتخابات الأخيرة وإن خرجت من تحت عمة الإمام، إلا أنها كانت تؤشر إلى مدى أبعد من ولاية الفقيه.
ولاية الأمة الإيرانية قد خرجت إلى الشارع، المرجعية الأساس لشرعية الحكم.
الحكم الإيراني الآن موزع بين ولاية خارجة من مأزق غيبة الإمام، وإرادة أمة تستعيد مسك سلاح المظاهرات الشرعية التي خرجت من رحمها شرعية الحكم الحالي. يخطئ الحكم الإيراني الحالي إن اعتقد أن شرعيته مستمدة من الإمام الغائب أو من نائبه أو من ولاية الفقيه؛ فالشرعية الحية والولادة هي المظاهرات الاحتجاجية التي تعيد الاعتبار لولاية الأمة ولثورة المشروطة 1906 ولثورة مصدق عام 51 وللثورة الإسلامية المغدورة فبراير 1979.
ولاية الفقيه في إيران أو العراق صورة أخرى من صور الحاكمية عند أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وهي تزييف للدين وافتئات على الناس ومصادرة حقهم في الحرية والاختيار، وهو ما أقدم عليه علي السيستاني في العراق وخامينئي في إيران، بتزكية احمدي نجاد. وتحويل الانتخابات، الشأن البشري الدنيوي، إلى شأن ديني يخص الإمام أو الداعية، وهو ما تمارسه تيارات الإسلام السياسي، سنية كانت أم شيعية، «الفتوى تحدد مصير أمة».
ولاية الفقيه في إيران بأذرعها الجهنمية: مجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، هي كعب أخيل في التجربة الإيرانية، الحدث الأهم في نهايات القرن العشرين.
إن الخروج من تابوت الفقيه لا يكون إلا بالعودة إلى ولاية الأمة، التي طرحتها رسالة النائيني، وكانت منفستو المشروطة عام 1906.
صحيح أن الشيعة يوجبون تقليد المجتهد في المعاملات والعبادات، ولا يمكن عزل تأثير هذا التقليد عن الشأن السياسي كإشارة الباحث رشيد الخيون في مبحثه المهم «المشروطة.. والمستبدة».
يضيف: «وقد لاحظنا ما حدث بالعراق على سبيل المثال لا الحصر. إن مصير العملية الانتخابية والديمقراطية برمتها تأثرت بفتوى المجتهد آية الله علي السيستاني، بغض النظر عن مصلحة الناخب وشخصية المنتخب. أصبح الناخب والناخبة ملزمين بفتوى تأييد هذه القائمة أو تلك، فهي الطريق إلى الجنة، وخدمة وطاعة آل البيت، وهذا بحد ذاته تسفيه للعملية الديمقراطية، ومصادرة باسم الدين».
الواقع أن الاستبداد هو الاستبداد، سواء كان باسم السياسة أم الدين. ولكن الملاحظ أن الاستبداد باسم السياسة يسهل الخلاص منه. أما باسم الدين فإن تأثيره وامتداده أقوى، ويحتاج الخلاص منه إلى مدى أطول وجهود أكبر.
وهناك ترابط وتأثير متبادل عميق بين تركيا السنية وإيران الشيعية والعراق.
صحيح أن تأثير الغرب على تركيا أقوى، وقد مارست تركيا الإصلاحات والدستور تأثيراً كبيراً على إيران والعراق وحتى بلاد الشام، إلا أن التأثر والتأثير كان سمة عامة.
فقد أسهم علماء النجف في مؤازرة الدستور في دولة الخلافة في تركيا بناء على طلب بعض من علماء السنة.
وإذا كان الأنموذج التركي الإسلامي السني المحاصر بمكائد العسكر يقدم دفعاً للإصلاح في إيران ونموذجاً يحتذى، فإن التهديد الإسرائيلي، والضعف إن لم نقل التواطؤ من بعض الأنظمة العربية، يدفع الفقهاء الإيرانيين إلى مزيد من التشدد، وقمع الحريات وعسكرة الحياة، ربما بأسوأ مما حصل بعد الحرب العراقية الإيرانية.
وبضرب إيران لن تقوم للأمة العربية قائمة.
إيران ولاية الأمة هي الخطر الحقيقي على إسرائيل وحلفائها وأصدقائهما من الحكام العرب، وقبل ذلك وبعده على استبداد الفقيه.