7/7 و«موقعة البقعة» -منصورهائل

7/7 و«موقعة البقعة» -منصورهائل

استلهاماً لتاريخ الغزوات والفتوحات يصح القول إن يوم 7/ 7/ 1994 كان يوم «موقعة البقعة»، وقد كانت البقعة بحجم بلد كامل حمل اسم «جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية».
لقد عشتُ غرابات ومفارقات ذلك اليوم وما تلاه، وتعجبت كثيراً من قوات «الشرعية» التي وصلت إلى ضواحي عدن ودخلت مدينة «الشيخ عثمان» بسهولة مفزعة، وربضت هناك وانشلت حركتها وبدت كما لو كانت مذعورة وغير قادرة على تحمل فكرة وصولها إلى عتبات عدن بجد، ومن غير أن تعترضها مقاومة تذكر.
في تلك الأثناء كانت قيادات الطرف الآخر، الخاسر، ترحل بسلاسة من بوابة الميناء في التواهي، وشاء تحالف الصدف والأقدار أن أكون هناك شاهداً على «دفن الملك» مثل العراف ملكيادس في رائعة «مائة عام من العزلة» لجارسيا ماركيز.
شيعت معظم الفلول القيادية بنظرات بكماء زائغة ما كان بمقدورها احتواء أي شيء غير صورة بحر مائج هائج كان يعصف بالساعية الصومالية المتهالكة التي أقلت آخر جنرالات المتاهة: الرفيق صالح منصر السيلي.
وأشفقت كثيراً على بعض أولئك الذين استعجلوا مغادرة المدينة، وكانوا يتأبطون أكثر من ملف لأكثر من «بقعة» كانوا استحوذوا عليها في عدن التي هربوا منها لأنها لم تكن، في حسبانهم، أكثر من مجرد «بقعة».
يوم الخميس 8/7/ 1994 وصلت جحافل قوات «الشرعية» إلى كريتر والمعلا والتواهي، وكانوا سيلاً عارماً هادراً عرمرماً لم ينقطع عن التوقف، وغمر الشوارع والأرصفة والأزقة. والتهت تلكم القوات المغيرة بنهب الغنائم والتدافع إلى محلات شركات التجارة الداخلية والخارجية وشركة النصر، وتناطحوا وتذابحوا على الغالي والنفيس من السلع. وكان في انتهابهم والتهائهم بتلك المحلات والسلع نعمة على سكان المدينة.
وأتذكر أني كتبت يوميات 7/7/1994، التي استغرقت أياماً وأعواماً، ولم أنشر غير نزر يسير منها. وكنت أحلم بأن يأتي اليوم المناسب لنفض الغبار عنها وتحريرها من شوائب الانفصال والاضطغان؛ غير أن ذلك اليوم لم يأت قط.
وبعد مضي 15 سنة وجدتني أستعيد ما كان في يوم 7/7/1994، وأرتعد من مقابلته أو مقايسته بما يحدث اليوم والآن. فالحرب مازالت مستعرة، والدماء تسفح وتسفك، والنهب يصل إلى مستوى «شفط» النخاع.
وصار يوم «موقعة البقعة» يستغرق كل الأيام والاعوام التالية. والمفارقة أن عمليات النهب أضحت تخلو من روح الفكاهة والتسالي البدوية البدائية، وصارت معززة بالعنف في شتى تلاوينه وصوره.
فمن يصدق، مثلا، أن 7/7/1994 يأتي والجنوب قد تحول برمته إلى ثكنة عسكرية يحتشد فيها ما يقارب 35 لواء عسكرياً، فضلاً عن قوات أمنية من مختلف التخصصات: أمن قومي، سياسي، استخبارات عسكرية، أمن مركزي، شرطة نجدة، أمن عام… وما خفي؟!
من يصدق أن 7/7/2009 سيكون دامياً ومروعاً وحزيناً بفعل العنف وسفك الدماء وحملات الاعتقالات التي استهدفت رموز الحراك وناشطيه من الأكاديميين والسياسيين والصحفيين؟!
من يصدق أن أكذوبة «تعميد الوحدة بالدم» ستجر البلاد إلى هاويات الانقسام والتشظي و«الانفصال»، وأن حرائق الحرب ستلتهم مساحات الود والوئام في أوساط المدارس والجامعات، وفي اتحادات الأدباء والصحفيين، وفي ملاعب كرة القدم…؟
من يصدق هذا الذي لا يصدق؟ من يصدق أن «موقعة البقعة» سوف تستغرق ألف عام؟!!
 هذا العنوان سبق لكاتب هذه السطور استخدامه قبل عشر سنوات
[email protected]