نافذة.. في وداع انمار – منصور هائل

نافذة.. في وداع انمار – منصور هائل

فيما استعاد الاستاذ والصديق العزيز حسن محجوب حضوره المشاغب أمامي وانا في غمرة الانشغال بـ«أنمار»، كانت اصداء حديث البارحة مع الصديق الدبلوماسي تتردد في ذهني وتمارس تشويشها بارتجاج عنيف. وما كان بمقدوري الامساك بزمام امري، أو حتى التعرف على نفسي كأبله اصبح يتمتم بعبارات جوفاء، ويخلط الملح بالسكَّر، والشاي بالعصير، ويخفق في محاولات التمويه على اجواء مائدة الوداع الحزينة بما يقترف من حماقات منفلتة اثارت بكاء الاطباق الخرساء.
ها هو أنمار يستودعنا ليرحل إلى الموصل قبل ان نتدارك تقصيرنا تجاهه كطفل عشريني شاءت سخرية الأقدار أن تضيفه إلى خيمة عنايتنا العائلية كواحد من أفراد اسرتنا الصغيرة في اليمن التي قدم إليها دون سابق معرفة لاحد فيها غيرنا بناء على رسالة توصية من خالد القاضي العراقي (بهجت) الذي كان تعرف على عمدة الاسرة اروى عثمان عام 2000 في الشارقة بمناسبة استلامهما لجائزة الابداع العربي في القصة.
كان المقرر ان يمكث أنمار الحاصل على الثانوية وكبير أشقائه، في صنعاء وتحت رعايتنا -فرضاً- لاربع أو خمس سنوات، استجابة لرغبة اسرته التي ارتأت ابتعاثه إلى اليمن ليكمل تحصيله الجامعي، وليكون -وهذا الأهم- بمأمن من اخطار الحرب المجنونة في بلاده!
.. ما الذي طرأ في دنيا أنمار وحمله على قطع مشوار الدراسة ومفارقة الخدر الأسن؟!
وذهبت اتحدث مع نفسي وابتسم كأبله مستسلم لامطار الذاكرة التي انهمرت بصورة العزيز حسن محجوب الذي كانت اضطرابات السودان قد انتهت به إلى (مغترب) في اليمن وجعلته يتفرد بنحت عنوان مأساته بتعبير ساخر ومرير طالما سمعناه وهو يردده بلذاعة: «ومن عجائب آخر زمن أن يغترب السوداني في اليمن».
وعلى غراره ذهبت اردد: «سبحان من جعل العراقي يطلب العلم والامان في اليمن».!
وتذكرت اني في اليوم السابق، أي مساء السبت الماضي، كنت قد تعجبت من عجب صديقي الدبلوماسي العربي الذي حرص على الانفراد بشخصي كمن ينطوي على سر خطير، وهمس يستفسرني بعجب واستغراب عن خبر ورد في صحيفة (…) ليفيد بعملية انتحارية نفذها الشاب اليمني عبدالباسط علي احمد باشيبة من عزان بمحافظة شبوة، في الموصل ولقي مصرعه ظهر يوم الثلاثاء 25 يوليو… وقال: «مما له دلالته ان باشيبة غادر مدينة عزان بتاريخ 15 يوليو متوجهاً إلى العراق للجهاد، وأنه في الثانية والنصف من بعد ظهر الثلاثاء 25 يوليو، اجرى اتصالاً باسرته ليبلغها انه في طريقه لتنفيذ عملية انتحارية على متن سيارة مفخخة كان يقودها في الموصل، وفي المساء اتصل احدهم ليخبر اسرته في اليمن بأن ابنهم (استشهد) في العملية وحقق أمنية حياتية في مماته»!
ومضى الدبلوماسي: «ومما له دلالته ان امور ترحيل هؤلاء جارية على قدم وساق، وعلى قدر بالغ من الدقة والتنظيم والفاعلية».
.. في المساء التالي كنت اقول: ومما له دلالته ان انمار سيعود إلى الموصل! وكنت احملق في الوجه الطافح براءة والشبية بأي أوروبي ببياضه المتورد بالحمرة.. وذهبت اتفكر في الظرف الطارئ والقاهر الذي استدعى عودته وفيما اذا كان قد تجهز كهدف مرشح لسيارة مفخخة..الخ.
كان يحدثنا عن والده وامه واشقائه الصغار الذين تحركوا جميعاً لاستقباله في دمشق واصطحابه إلى الديار في الموصل.
وقال إن الوالد لم يعد قادراً على مواجهة اعباء الحرب واهوال تداعياتها، فقد انحنى ظهره وصار امر وقوفه في طابور انتظار الحصول على اسطوانة الغاز بمثابة محنة كبيرة وخطيرة يمكن ان تودي بحياته اذا لم يسارع ابنه الشاب انمار لمواجهتها بكفاءة واقتدار.
كان صدر الدقائق التي قضاها انمار بين افراد اسرته/تنا، أضيق من ان يحتمل البوح بحرقة ألم وحريق فاجعة على أنمار الراحل إلى قلب النار، بعد انجازه لواجب الوداع الحزين وخروجه من باب شقتنا وتلويحته الاخيرة التي لم يدرك انها رسمت خط النار في بابنا، وفي افق رؤانا، وفي اعماقنا المنكسرة والغائرة، وفي الغصص والدموع التي كبحناها بقمع خارق وقسوة ساحقة لاي اختلاجة يمكن ان تنبس بها كوابيس نفس أمارة برأس انمار اليانع.
كنت على وشك تحذيره من السيارات المفخخة ومن… وتمنيت لو تعرفت على معسكر «المجاهدين» اليمنيين الذين يرحلون لينتحروا في العراق لألفت عنايتهم الكريمة بتجنب «الاستشهاد» على طوابير الناس الذي ينتظرون الحصول على الغاز في العراق، وفي الموصل تحديداً.
تمنيت لو قلت لهم: كفوا عن «الجهاد» فوق من يمارسون «الجهاد» بقصد مواصلة بطولة العيش في قلب الاخطار وأنمار!
[email protected]