عندما تتحول العملة إلى مذكرات قصيرة!..70 مليون ريال من العملة المحروقة يومياً؟!

عندما تتحول العملة إلى مذكرات قصيرة!..70 مليون ريال من العملة المحروقة يومياً؟!


> ياسر المياسي
قد لا يصدق أحد منا أن البنك المركزي اليمني، وفي المركز الرئيسي بالعاصمة صنعاء وحده، يستقبل يومياً حوالي 60-70 مليون ريال  من العملة النقدية اليمنية التالفة وغير نظيفة والتي ثبت التحقق من عدم صلاحيتها للتداول لتلقي مصير الإهلاك أو الإتلاف لكنها الحقيقة التي وثقتها الإحصائيات والتصريحات الرسمية منذ سنين ومازالت مستمرة إلى اليوم فمصيرها إما الإحراق في محرقة البنك المتربعة في الطابق الأخير منه، أو تفتيتها إلى قطع صغيرها تجرف إلى مقلب قمامة الأزرقين شمال العاصمة. النقود التي ظلت المتحكمة بمفاصل الحياة وإيقاعاتها اليومية يحرقها ويمزقها عبث الأيدي وتخلف العقول فهي المسؤول الأول عن هذه الجريمة يحرق سنوياً ما يقارب ستة مليار ريال سنوياً حسب الإحصائيات الرسمية المنشورة والتي  تعتبر قليلة إذا ما أجرينا عملية حسابية عن ما يستقبله البنك بشكل يومي. لكن لندع ذلك جانباً ونؤمن أن ما يتم أهلاكه سنويا هو ما يقارب 6 مليارات ريال من العملة الوطنية التي تتعرض لأشكال مخزية من العبث والتشويه والذي شمل الورقية والمعدنية رغم صلابتها وقوتها والأمر مزعج وخطير لبلد ما زالت تحبوا في طريق التنمية والاقتصاد.
الرقم الرسمي قد لا يحمل الإثارة لصنع القرار الاقتصادي فربما الحقيقية أكبر من ذلك من يدري؟! وخصوصاً أن أرقام حرق وإهلاك العملة متقلبة وتختلف من سنة إلى أخرى والمقياس وعي الناس واضطرابهم.
6 مليارات ريال رقماً يصنع تنمية كبيرة في اقتصاد دولة نامية مثل اليمن والذي لا يتحمل اقتصادها مزيداً من العبث والإحراق.
أسباب البنك المركزي لحرق العملة تكمن في أنها لم تعد صالحة نهائياً للاستعمال وهذا أمر يجب معرفته.

***
 
أشكال العبث بالعملة

تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن العبث بالعملة في اليمن يأخذ أشكالاً متعددة وطرقا مختلفة تدل على وجود مشكلة في وعي الناس وطريقة تفكيرهم، حيث يقوم البعض بإحراق أجزاء معينة من الأوراق النقدية وتقطيع بعض أجزائها الهامة مثل الرقم ويقوم البعض بالتوقيع والكتابة عليها كمذكرات قصيرة مما يدل على وعي منقوص يحتاج إلى الكثير من العمل، فبعضهم يستخدمها لتسجيل أرقام تلفونية، وكذا كتابة عبارات غير مناسبة لا يخلو بعضها من الطرافة. كما أن طلبات المنزل تأخذ حيزاً من الكتابة على عليها، وتساعد طرق بدائية للتخزين في قرب إهلاكها حيث يعتمد بعض المواطنين طرق غير صحيحة في تخزينها.
***
دور البنك المركزي اليمني
وحول دور البنك المركزي اليمني في الحفاظ على العملة كان عبدالكريم الراعي، وكيل محافظ البنك المركزي لشؤون العمليات المصرفية المحلية، قد أكد أن العبث بالأوراق النقدية أياً كان نوعه ومصدره يعتبر سلوكاً غير حضاري، بل إن العبث المتعمد بها يعتبر جريمة يساءل عنها المتسبب، وأن البنك يلجأ إلى الإحراق والإهلاك للحفاظ على العملة وإظهارها بمظهر مشرف ويتم الإحراق وفق القواعد والإجراءات والضوابط المعدة من البنك والتي من خلالها يتم تصنيف الأوراق النقدية التالفة او غير القابلة للتداول والمتمثلة في الأوراق: المتسخة، الممزقة، الملصقة المهترئة، نتيجة التداول، مختلفة الألوان، مختلفة أرقام، اختلاف اللون عن الورقة الأصلية. وأوضح أن الحلول لوقف العبث بالعملة تعتمد على استخدام راق للأوراق النقدية وعدم العبث بها، والمفروض أن يتعامل المواطنون برفق وعناية وليس بعدم مبالاة.
 وحول الاستفسار عن رقم ثابت في عملية الإحراق أكد الراعي أنه ليس هناك رقم ثابت للإحراق، بل يتفاوت من عام إلى آخر، نافيا أن تكون هناك رداءة في المواد الخام المستخدمة في طباعة الأوراق النقدية، لكنه العبث وعدم الوعي سبب في عدم الحفاظ على العملة.

***
مزيداً من الأسباب

وعن مناقشة مزيد من الأسباب وراء هذه الظاهرة يرى المسؤولون في البنك المركزي أن هناك أسبابا كثيرة ومتعددة، فهناك أشخاص يقومون بالكتابة على الأوراق النقدية، وهناك نوع آخر ليس لهم أسلوب جيد للتعامل مع الأوراق النقدية أثناء عملية البيع والشراء.
وأمثال ذلك أصحاب محلات المشروبات والعصائر الذين لا تخلو أيديهم من وجود ماء عليها وأوساخ مما يؤدي إلى سرعة تمزيقها. أيضاً بائعو القات الذين تصل إلى أيديهم يومياً العديد من النقود فيضعونها في جيوبهم بشكل عشوائي إلى جانب الشد الزائد على الرزم بالرباط المطاطي، والعديد من الأسباب التي تعجل بالمزيد من الإهلاك.

***
كيفية التعامل مع العملة

يؤكد يوسف الكريمي، مدير عام شركة الكريمي للصرافة، كبرى شركات الصرافة في اليمن، أن النقود الممزقة والمشوهة صارت تمثل مشكلة كبيرة وأن الجهل هو السبب الرئيسي في التعامل مع العملة حيث لا يستوعب البعض أهميتها وأنها تمثل رمزاً وطنياً يجب الافتخار به، كما أن الإعلام للأسف الشديد لم يلعب دورا فاعلا في التوعية للحفاظ على النقود وكيفية التعامل بها. وقال إن الحفاظ على نظافة العملة يدل على مدى ذوق الناس ورقيهم، فنجد أن معظم دول العالم أصبحت تحسب حساباً كبيراً في الحفاظ على عملتها، وهنا فإن المجتمع يجب أن يستوعب أن العملة هي رمز لليمن يجب المحافظة عليه، فشعوب العالم تفتخر بعملتها وتحافظ عليها، فلماذا لا نكون نحن من يعمل ذلك؟ وأضاف أن عام 2000 استطاع البنك المركزي تنفيذ حملة إعلامية في مختلف الوسائل الإعلامية والتي ركزت على إبراز الآثار السلبية الناتجة عن العبث بالعملة وإيضاح الوسائل والتعليمات الصحيحة الواجب مراعاتها في تدول العملة وهو جهد طيب من قبل المسؤولين في البنك نتمنى أن يستمر.

***
الأسباب النفسية

 وبالإضافة للأسباب السابقة للعبث بالعملة فإن الأسباب النفسية تأخذ قسطاً هاماً منها حسب تأكيدات مختصين في علم النفس الذين يؤكدون أن الأشخاص غير المستقرين نفسياً هم أكثر الأشخاص عبثاً بالعملة التي تقع في أيدهم فهم يمارسون نوعاً من الانتقام غير المبرر تعكسه ظروفهم النفسية حيث يشعرون أنها لن تبقى في أيدهم وستذهب لغيرهم كما أن سبباً مهما للعبث وهو شعورهم بضعف قيمة العملة التي تقع في أيديهم، فكلما كانت العملة ذات قوة شرائية كبيرة كان العبث بها قليلاً بل نادراً.

***

أخيرًا

تؤكد اليوم الدراسات أن أمراضاً كثيرة قد تنتقل عبر تداول العملات الممزقة والمشوهة بطرق غير صحيحة وتبقى القضية تمثل خطراً حقيقاً على الاقتصاد الوطني. كما أن قيام البنك بعملية الإحراق له ما يبرره بنظر أكاديميين متخصصين، لكن عدم وجود قانون يحمي العملة وكذا عدم وجود توجه حكومي، خصوصاً في مجال الإعلام والتوعية بالحفاظ على العملة الوطنية، يستغربه الكثيرين.
اليوم تبقى العملة معيارا حقيقياً لمدى تعاملنا ومدى تحضرنا فهل نحافظ عليها ونطفئ حريقها الذي مازال مستمراً؟
(مجلة” أبوابـ”).