بيت الموروث الشعبي يستنكر الترحيل (السري) لليهود اليمنيين

بيت الموروث الشعبي يستنكر الترحيل (السري) لليهود اليمنيين

يتابع بيت الموروث الشعبي بقلق بالغ تصاعد عمليات الترحيل القسري (السري) لليهود اليمنيين التي تسارعت في الآونة الأخيرة (19 ابريل 2009 وصل إلى مطار بن جوريون في إسرائيل عشرة أفراد، وفي 21 يونيو 17 يهودياً) ما ينذر بكارثة فناء اليهود اليمنيين، أقدم سكان اليمن، بعد أن تعرضت طائفتهم لكل أشكال التهميش والإقصاء، وصولاً إلى الاستئصال بهذا الشكل المهين والمرعب الذي يفتح باب الجحيم على مصراعيه لالتهام ما تبقى من الطوائف والأقليات الأخرى، الأمر الذي يحدث خللاً ليس ديموغرافياً فحسب، بل وخللاً في البنى الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، كما يهدد بتدمير أحد أهم عناصر التنوع والتعدد والثراء التي تقوم عليها الخارطة والذاكرة اليمنية وتستمد منها عافيتها وسلامتها وازدهارها.
ومن واقع المتابعة لبيت الموروث الشعبي، تكالب التنكيل بإخوتنا وأبنائنا وبناتنا اليهود وصاروا عرضة للمزيد من التضييق والخنق والطرد، بل والقتل. وفي السياق دفعت الطائفة اليهودية ثمن الحروب المتفجرة بين الطوائف الكبرى، وطاولتها عمليات التهجير من آخر معاقلها في صعدة، إذ جرى تهجير يهود آل سالم في عام 2007، وتلاحقت بعد ذلك عمليات استهدافهم، ورشق منازلهم بالحجارة ونيران البنادق والقنابل، وبلغ الأمر ذروته بقتل نجل حاخام يهود ريدة «ماشا يعيش»، ودشنت تلك الجريمة البشعة عملية تهجيرهم من آخر معاقلهم العريقة ومن ديارهم التي توارثوها منذ القدم في منطقة ريدة، ولاذوا بصنعاء حيث لا أمان، ولا مأوى، ولا حماية.
ولم تف السلطات بوعودها بتأمين حمايتهم أو بتعويضهم عن منازلهم وممتلكاتهم، وانقطع أملهم بالعودة إلى ديار أسلافهم، ورزحوا تحت ضغوط هائلة أجبرتهم على القبول بأقسى خيار، وهو خيار مغادرة البلاد وإلى غير رجعة، حيث لم يعد في انتظارهم الدار ولا الكنيس في ريدة وصعدة، ولا الأهل الذين تشبثوا بالبقاء حتى آخر نفس، برغم كل الإغراءات بالترحيل. وتوالت أخبار الترحيل الجماعي لليهود اليمنيين التي كانت تكشفها وسائل الإعلام الإسرائيلية والبريطانية والغربية قبل المحلية، وتبين على نحو جلي وقاطع أن العملية منظمة وسوف تمضي على نحو متسارع حتى منتهاها، ولن تتوقف إلا بعد ترحيل آخر يهودي يمني عن بلاده، وحتى ينقطع آخر رمق ليهودي يمني يحلم بالعودة إلى أرض أجداده.
ولما كانت حماية الموروث والحفاظ عليه وعلى التنوع والتعدد، من الأهداف الرئيسة لبيت الموروث الشعبي، وبما أن الطائفة اليهودية اليمنية –صارت في العهود الأخيرة أقلية– غدت في مهب الإلغاء التام، فقد تفاقمت مخاوفنا إزاء هذا الذي يحدث ويحاط بـ«السرية» وينبغي أن يكشف ويدان، لأنه يكرس لهيمنة الصوت واللون الواحد على حساب إفناء عناصر الثراء والتنوع التي يمتلكها اليمن، خاصة وأن الطائفة اليهودية تعتبر عنصراً أصيلاً من عناصر التنوع الاجتماعي والثقافي في البلاد.
إن هذا الترحيل المريع (السري) ينطوي على تخريب فظيع للذاكرة الجمعية لليمن، وضمورها، بعد أن كانت حيويتها وازدهارها مرتبطة عبر التاريخ بالتنوع والتعدد وبوجود اليهود اليمنيين الذين صنعوا فجراً مشرقاً، وسجلوا أهم صفحة من صفحات الحياة الثقافية الشعبية والفلكلورية اليمنية، عبر المعمار والفنون والرقص والملبس والصناعات الشعبية والتطبيب الشعبي والتراث الشفوي من «حزاوي» (حكايات شعبية) ومعتقدات نتشاركها معهم مازالت آثارهم تحكي في كل حي وبيت ومسجد، وحلي نتزين بها، وملبس نتجمل بنقوشه الثرية، و«قرقوش» يتوج رؤوس الفتيات، و«ترجيلة» بنطلون لعروس يمنية، وسوار بنقشة “بوسانية” يزين معاصم النساء… إن الأسواق الشعبية اليمنية كلها، ريفاً وحضراً، قديمة وحديثة، تشي بالمهارات والقدرات التجارية والصناعية، والتراث المادي واللامادي، لعقول، وأيادي إخوتنا وأبناء عمومتنا اليهود، والتي تعد أجمل لوحة يمنية لهذا التنوع الذي تحفل به الأسواق الشعبية اليمنية، وينبغي أن يكون حافزاً قوياً لإعلاء قيمة المواطنة المتساوية وليس العكس.
لما تقدم ولأسباب لا يتسع المجال لحصرها يصدر بيت الموروث الشعبي هذا النداء، -الاستغاثة إن شئتم- ليحذر من الترحيل (الجذري) ليهود (نا) وما يعنيه ذلك من اجتثاث لأجمل ما في وجه اليمن: التعدد والتنوع.
وليس بخاف على أحد أن هذا الذي يحدث اليوم سيضع البلاد في النفق المظلم.
صادر عن بيت الموروث الشعبي
22/6/2009