المهندس فيصل بن شملان لـ«النداء»: المحافظات الشمالية لن يحركها إلا قادة المشترك، لكنني أخشى أن يسبقهم الجوع *

المهندس فيصل بن شملان لـ«النداء»: المحافظات الشمالية لن يحركها إلا قادة المشترك، لكنني أخشى أن يسبقهم الجوع *

* لا منقذ من الانهيار إلا الدعوة إلى مؤتمر وطني  جامع يخرج بمعالجات فورية للمظالم
* طاقة النظام في مواجهة الاحتجاجات محدودة، وصرف السيارات والأموال لاسترضاء بعض الفئات تخريف
* النظرة السلبية تجاه الشماليين مبررة بسبب الفساد ونهب الأراضي والمتنفسات
* القول بأن حروب التصفيات التي جرت في الجنوب سببها شماليون هروب، فالمناطقية كانت أسلوب الجميع
* الجوع هو الخطر الأول الذي يتهدد اليمن، وبسببه قد نتجزأ إلى أجزاء صغيرة
* ملتقيات المحافظات الجنوبية ضرورة لحماية الناس في حال انهارت الدولة
* أنا حضرمي عدني، والهوية الجنوبية مجرد وهم
* أحزاب المشترك ترددت كثيراً، وعليها أن تتجاسر وتخرج للدفاع عن الناس
* في تريم قلت إننا شركاء في الوحدة ومن لا يعجبه كلامي فليشرب من ماء البحر، فعاتبني باعوم
 
    الخير شحيح في المحافظات الجنوبية، والغضب عميم، وما يعتمل في القلوب المحزونة قد بلغ الحناجر، والميل الحاد إلى تنميط الظواهر وتعميم الأحكام في الخطاب الاحتجاجي، يكاد يعادل شدة الميل السلطوي إلى تسوير البقع وتسويد العنف.  من يرى ليس كمن يسمع. ولقد رأيت خلال أسبوع أمضيته في عدن وزنجبار ما يكفي لإنزال كل اليقينيات من عليائها هناك في ذرى الهضبة إلى سطح البحر هنا حيث الأسوار ترتفع في كل مكان ومتنفس، بالموازاة لأسوار غير مرئية تكاد تمزق مجتمع مدينة أنيسة ظلت على الدوام الحاضنة والمشتل والمأوى والسلوى للقادمين إليها من وراء البحار والمحيطات، كما من البر القريب.  من عدن، من «عين اليمن» على حد وصف محمد علي باشا قبل نحو قرنين، يبدو المشهد اليمني قاتماً كئيباً، وأكثر من ذلك كابوسياً. من يمعن في تفاصيله تكون جائزته وحشة تغلف الفؤاد، ورجفة تسري في الأوصال. من هنا، حيث أمواج البحر الهائج تكفن ببياضها زرقة الأفق، من «عدن الصغرى» حيث يقيم «حضرمي- عدني» تحلى بالحكمة وتجمل بالصبر وتدرع بالنزاهة، تتراءى «اليمن الكبرى» في هيئة سبَّاح غِرّ لم يحسن قراءة أحوال الطقس، فإذا الأمواج المتعالية بالغضب النبيل، والتسلط الجهول والغطرسة البليدة، تحمله بعيداً عن البر… بعيداً لتجرب أسماك القرش في خليج عدن، التي أدمنت اللحم الصومالي، مذاق «وطن» آخر.  لتفادي المشهد الصومالي، ولحرمان أسماك القرش متعة تجريب مذاق جديد، يقدم فيصل بن شملان مرشح المعارضة إلى الانتخابات الرئاسية (2006) ما يمكن وصفه بالفرصة الأخيرة لإنقاذ الغريق اليماني. 
 سامي غالب
[email protected] 
 
* أول أمس (الخميس) كنت في زنجبار (أبين)، ضيفاً عند أحد أصدقائي، وقد فاجأتني ابنته “آيات” (10 سنوات) بتشيُّعها لك، وهي ما تزال تعيش أجواء حملتك الانتخابية، وتنظر إليك باعتبارك المرشح المستحق للفوز. وهي حمّلتني رسالة إليك، فحواها أنه ما دام الرئيس علي عبدالله صالح متوعكاً صحياً، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر انتقل إلى رحمة الله، فعليك أن تتقدم لملء المقعد الشاغر.
 – (ضاحكاً) يوجد الآن الرئيس الراعي، يحيى الراعي.
 > التقيتك قبل عام وشهرين، وناقشنا الانتخابات الرئاسية وتداعياتها ومسألة الشرعية والسجال الذي دار حينها حول النتائج، وعرضنا إلى الزخم الذي رافق الانتخابات، وأدى إلى خفوت الأصوات المنادية بإصلاح مسار الوحدة، والتي تقوم على فرز الأمور على أساس شمال وجنوب. ما تفسيرك للذي حصل بعد شهور عديدة من تلك الانتخابات من حيث إعادة طرح مسألة الوحدة مجدداً وبالحدة الملحوظة الآن؟
 – خلال الانتخابات، وبالذات في فترة الدعاية الانتخابية (المهرجانات)، أتيح طرح كل القضايا، وبرزت أحزاب اللقاء المشترك في مواجه السلطة، بصرف النظر عن هوية مرشح المعارضة. وقد بينت الانتخابات أن للمشترك جمهورا كبيرا في جميع المحافظات. ولو جرت الانتخابات بشكل سليم، حتى بالسجل الانتخابي الموجود، لكانت المعارضة حصلت على ما لا يقل عن 45? من الأصوات. وفي حال كان السجل صحيحاً كانت المعارضة ستحصد نسبة 55?.
 > من وظائف أية انتخابات عامة تعزيز الشراكة الوطنية وتقوية الوحدة. ومن الواضح أن الانتخابات الرئاسية لم تحقق ذلك. وخلاف المزاج الذي رافق مجريات العملية الانتخابية واستمر شهراً أو شهرين بعد إعلان النتائج، بدا وكأن هناك يأساً من التغيير بواسطة الانتخابات، وبدأت مظاهر الاحتجاجات تتوالى، وخصوصاً الاحتجاجات في الجنوب؟
 – تصوُري مختلف قليلاً عما تقول. الانتخابات أظهرت رغبة الناس في التغيير، وهذه الرغبة لم تُكسر (بعد النتائج). بالنسبة للجنوب، تعرف أن مجموعة في الاشتراكي تنشط تحت اسم “تيار إصلاح مسار الوحدة” أعلنت أن الانتخابات لا تعني لها شيئاً. هذا التيار موجود، والناس لم تقتنع بالنتائج، والمتقاعدون بدأوا بمطالب حقوقية، ثم أعلنوا مطالب سياسية. ولأن النظام سد الطريق أمام التغيير بدأت حركة الاحتجاجات في الجنوب كنتيجة مباشرة لاهتزاز الثقة في الانتخابات.
 > كما ترى، فإن رموزاً في تيار إصلاح مسار الوحدة يتحدثون الآن بنبرة عالية وبثقة مطلقة، لكأنهم يقولون لنا: انظروا، ها قد أثبتت الأيام سداد رأينا!
  – الناس عموماً مستاءون مما يجري. الدولة لا تأتي لهم إلا بالسيئين. هؤلاء المسؤولون السيئون نهبوا الأراضي، وتجاهلوا الحقوق، وعطلوا القانون والقضاء، وصار الناس في حيرة، وأي شخص يعبِّر عن معاناتهم بنبرة عالية سيجد الناس معه.
 > الصوت الأشد حدة هو الأقدر على كسب الشارع؟
 –  المهم هو: ماذا يريد صاحب الصوت الأعلى نبرة؟ الناس انتظروا من يعبِّر عن تطلعاتهم. وفي أيام الانتخابات رُدِّدت هتافات وشعارات تعبِّر عن ذلك، وقلت حينها إن الناس تخطَّوا الأحزاب. الأحزاب تلكأت ولم تبادر، فتقدم المتقاعدون لملء المكان.
 > تعتقد أن اللقاء المشترك تقاصر عن تحمل مسؤولية التعبير عن احتياجات الناس وتطلعاتهم؟
 – نعم. المشترك تردد كثيراً. تعرف أن أحزاب المشترك ليس لديها موارد مالية تمكنها من النشاط باستقلالية، وهي تعتمد على ما يُخصص لها من الدولة، وهذه مشكلة كبيرة.
 > من هذه الزاوية، فإن الظرف المالي للمتقاعدين أسوأ بكثير، وبما لا يُقاس بالمشترك؟
 – ليس لدى المتقاعدين ما يخسرونه.
 > وهل لدى أحزاب المشترك الكثير لتخسره؟
 – هي ترددت كثيراً، ربما لأنها لا تريد أن تورط الناس (في احتجاجات واسعة)، ثم لا تستطيع السيطرة على الشارع. كان المفروض أن تتجاسر وتلتقط الشعور الحقيقي للناس.
 > إلى ما ذكرته، هل في الوسع القول إنها لم تكن تدرك تماماً حجم المعاناة في هذه المحافظات، أو أنها تجاهلتها لأسباب تتعلق بتحالفات قديمة ومواقف سابقة في حرب 94، وكذا لعدم تجانس المستوى القيادي في الاشتراكي؟
 – هذه الأحزاب جزء من الناس، ولا أتصور أنها لم تكن تدرك معاناتهم.
 > وإذاً فإنها تكون غير مقتنعة…؟
 – (مقاطعاً) لا. هي مقتنعة، لكنها ترددت كثيراً، تحسباً للقمع الذي قد يستخدمه النظام. كان من واجبها أن تُقدم للتعبير عن احتياجات الناس. وأعتقد أنها كانت أقل جسارة مما يجب.
 > وفي اللحظة الراهنة، هل تعتقد أنها تجاوزت هذا التردد؟
 – بدأت تتجاوزه، وتتجاسر، وتخرج في المحافظات عموماً، وفي المحافظات الشمالية، ولكنها، ما تزال حذرة. لم تخرج في انطلاقة كبيرة. الوضع كله سيتقرر بناءً على ما سيحدث في المحافظات الشمالية. مستقبل البلد وما إذا كان سيظل موحداً أم سيتفكك رهن بما سيحدث في المحافظات الشمالية. إذا اتسعت الاحتجاجات في هذه المحافظات فإن التغيير في إطار الوحدة سيطغى على أي خيار تفكيكي، سواء أكان إلى جنوب وشمال أم أي انقسام آخر.
 > أتخشى أن ينجم عن بعض تعبيرات الحركة الاحتجاجية في الجنوب اصطفاف شمالي ما؟
 – قد يحدث هذا. لكن ينبغي الانتباه إلى أن ما يحدث في الجنوب لم يفرز بعد (إلى أوزان محددة). لا ندري مقدار التأييد الحقيقي لتيار إصلاح مسار الوحدة، على سبيل المثال. لا يمكن للمتقاعدين أن يُكوِّنوا إطاراً سياسياً، لكن في إمكانهم أن يكونوا ضمن إطار. ودعنا لا ننس أن المهرجانات الكبرى التي انتظمت مؤخراً هي تلك التي دعت إليها أحزاب المشترك. لم يحدث أن أخذ تيار إصلاح مسار الوحدة موقفاً من مهرجان دعا إليه المشترك، كما أنهم لم يدعوا منفردين إلى مهرجان خاص بهم. حدث مرة في المكلا أن دعا هذا التيار إلى مهرجان بشكل منفرد، فلم يحضر أحد.
 > تقصد أن القاعدة الشعبية للصوت عالي النبرة هي من المشترك؟
 – القاعدة الشعبية من الناس جميعاً، والأغلبية فيها من أعضاء المشترك وأنصاره. ومع ذلك لا نستطيع تقدير حجم التأييد للتيارات الموجودة. ولكي نكون حياديين نقول: لا ندري.
 > الظاهر أن حرباً تدور على احتكار تمثيل الجنوب. إلى اللقاء المشترك، يوجد مجلس تنسيق جمعيات المتقاعدين، ومؤخراً أعلن عن هيئة عليا لقيادة الحراك الجنوبي (النوبة وباعوم)، وتصدر تصريحات من رموز داخل حركة الاحتجاجات تلحُّ على ألاّ صلة للمشترك بالجنوب، وصدرت دعوات من البعض لأن يغادر الجنوبيون الحزبيون أحزابهم. أليست هذه الحرب على احتكار التمثيل تعبيراً عن غياب رؤية واضحة لوجهة ومستقبل الحركة الاحتجاجية، ما يدفع البعض باتجاه مواقف مندفعة؟
 – فعلاً، لا يوجد مشروع واضح. (…) فكرة “الجنوب العربي” تخلقت في ظل الاستعمار البريطاني، ودولة الحزب الاشتراكي استدعت حماية سوفييتية. والمهم أن دولة منفصلة في الجنوب تعني حرباً دائمة في اليمن، كما أن هذه الدولة تتطلب دولة حامية.
 > قبل 3 أشهر قلت لي بالضبط إن دولة بئر البترول ولَّى زمانها. والآن تقول أيضاً إنه لا مستقبل لدولة بهذا المعنى؟
 – بريطانيا هي التي صممت خرائط الجزيرة والخليج، وأنشأت دولاً فيها. والميزة الأساسية لعدن كانت في موقعها على الممر إلى الهند والشرق. وهذه الميزة انخفضت أهميتها في عالم الصواريخ عابرة القارات، والحاملات العملاقة.
 > لكن تيار إصلاح مسار الوحدة (وقادة الاحتجاجات) لا يتبنون العودة إلى دولة انفصالية في الجنوب، بل العودة إلى روح اتفاقية الوحدة التي قامت في 90، وانحرف مسارها بالحرب في يوليو 94 بإخراج الجنوب من المعادلة الوطنية. وهم يقولون إن الاشتراكي كان يمثل الجنوب عندما دخل بشكل متسرع في الوحدة. والآن فإن هناك ممثلين للجنوب إلى جانب الاشتراكي، ومطلوب الاعتراف بشراكة هؤلاء، والعودة إلى روح 22 مايو؟
 – هم ضد الاشتراكي كممثل للجنوب؛ وإذا أردت أن تفاوض فمن الضروري أن يكون لديك كيان تفاوض باسمه.
 > ما يطرحونه هو أن الاشتراكي كان معبراً عن الجنوب فحسب، أو أنه احتكر تمثيل الجنوب ودخل في اتفاق الوحدة وعليه مسؤولية تاريخية جراء ذلك. ويضيفون أن الجنوب ليس الاشتراكي فقط، وهو لم يعد يمثل الجنوب وحده، وإنما يوجد ممثلون آخرون.
 – مع ذلك لكي تفاوض يجب أن يكون لديك كيان، أين هذا الكيان؟
 > يتبلور الآن كما يبدو. وقد استمعت قبل يومين من قيادي في حركة الاحتجاجات عن تصورات قيد الإقرار، تمكن من تشكيل هيئة جنوبية عليا عبر تمثيل تصاعدي يبدأ من المديريات مروراً بالمحافظات وبلوغاً إلى هيئة قيادية عليا يناط بها تمثيل الجنوب.
 – لننتظر إلى حين تتبلور هذه الصيغة. على أن المنطق يفرض أن تأخذ المحافظات الشمالية في الاعتبار، إذا (كنت) تنوي حقاً أن تعمل في إطار الوحدة. الكلام الصادر من تيار إصلاح مسار الوحدة يستشف منه شيء آخر، هو أن للجنوب هويته وثقافته المختلفتين.
 > هم يرون أن الشمال لم يتحرك منذ 94، ولم يستشعر معاناة الجنوب، ووقف متفرجاً على ما تمارسه قيادته، التي هي قيادة النظام السياسي الشمالية، من انتهاكات وممارسات إقصائية ضد الجنوب.
 – دعني أسألك: هل الأوضاع أسوأ في الشمال أم في الجنوب؟
 > الأوضاع سيئة عموماً، ولكن هناك خصوصية جنوبية.
 – ولكني أسألك: أي وضع أسوأ، وضع الناس في الجنوب أم وضع الناس في الشمال؟
 > لن أتورط في الإجابة، فأنا لا أريد أن استعدي أحداً.
 (ضحك).
 – أنا أقول إن واقع الناس في الشمال أسوأ من الجنوب؟
 > في بعض المحافظات، نعم.
 – في كل المحافظات، في إب وتعز والحديدة والمحويت وحجة ومأرب والجوف. اطلعت على الأوضاع في هذه المحافظات، ولم أورد صعدة وريمة وهؤلاء أوضاعهم أسوأ مما يتصور أحد. توجد مظالم في الجنوب، وتوجد مظالم في البلد كله. ما يقول الجنوبيون هو أن المحافظات الشمالي ساكتة وراضية بالظلم الواقع عليها منذ فترة طويلة، ولكن لماذا نرضى نحن؟ هذا كلام صحيح، لكن الدعوة إلى كيان جنوبي هي فكر ضد كل المفاهيم الحداثية. كما أن أي انفصال سيعني نسف القاعدة الاقتصادية للبلد كله. هناك كثافة سكانية في جهة، وأرض واسعة في جهة أخرى، ولا تتوفر إمكانية قيام دولة، لا في الشمال ولا في الجنوب. القضية الاقتصادية هي الأهم فيما يجري، ومن كل ما يجري. الحرب في صعدة كما الأزمة في الجنوب ستجدان حلولاً سياسية، لكن ماذا ستفعل حيال الجوع الذي ينتشر كل يوم. إن لم تعالج القضية الاقتصادية فلن تجدي أية حلول. الوضع الاقتصادي هو أبرز خطر يتهدد مستقبل البلد. وتحت وطأة الجوع فإن البلد قد يتجزأ إلى أجزاء صغيرة. والنظام الموجود ليس عنده أية رؤية للمستقبل. أما القول إن هناك تسرعاً في دخول الوحدة، فأقول: ربما. هنا في الجنوب لم يُسأل أحدٌ. والاشتراكي منذ بدأ يحكم لم يذهب يوماً لاستشارة أحد.
 > كان يقرر بشكل انفرادي؟
 – نعم. في انتخابات مجلس الشعب مثلاً، ولو أنني كنت عضواً فيه، كانت الانتخابات تجري، لكن لا أحد كان “يشوف” الصناديق.
 > لم تكن انتخابات تنافسية أساساً، والقوائم تحدد سلفاً.
 – ما كان يحدث أنك تريد إنجاح 3، فتنزل قائمة من 5 أسماء، ويتحدد الناجحون في الثلاثة الأسماء الأولى. عبدالفتاح اسماعيل، الله يرحمه، ترشح مع 2 صيادين. عبدالعزيز عبدالولي ترشح في شبام، وأسموه “عبدالعزيز با عبيد”!  الناس، تحت تصور الحريات وعالم ما بعد الحرب الباردة، اندفعوا (إلى الوحدة) ولم يكونوا يعتقدون أن الأمور ستسير على النحو الذي سارت عليه. وما يجب لفت الانتباه إليه هو أن الشمال والجنوب كانوا عايشين على تحويلات المغتربين، وعندما بدأت السعودية منذ 48 وضع تعقيدات على تحويلاتهم حدثت اختناقات. كانت التحويلات تفي باحتياجات الاستيراد من المواد الغذائية وغيرها. في 89 كانت تحويلات المغتربين إلى الجنوب قد انخفضت إلى نحو86 مليون دولار (قياساً إلى 500 مليون دولار مطلع الثمانينيات)، في حين أن متطلبات الاستيراد تبلغ 240 مليون دولار.
 > الظرف الاقتصادي برأيك دفع باتجاه الوحدة؟
 – طبعاً. ولو كان النفط قد اكتشف في الجنوب كان سيحدّ من الاندفاع، وقد تندلع بسببه حرب، خصوصاً وأن الاتحاد السوفييتي كان قد تخلى عن دور الدولة الحامية للجنوب.
 > في هذه النقطة تتردد أقاويل عن أن الأمير سعود الفيصل زار عدن، وعرض تمويل الخزانة مقابل عدم الدخول في الوحدة.
 – هذا كلام غير دقيق، ولا يوجد ما يسنده. يصعب تصديق هذا الكلام مع كل ما كان يقال عن السعودية كعدو (…). على أية حال فإن القضية الجنوبية لم تتحدد ما هي. في مظالم في الجنوب، وسوء إدارة، لكن كيف تحل هذه المشاكل؟ ليس لدى الناس ثقة في النظام. وإذا لم يحدث تغيير فإن الناس ستصطف مع أي شخص يخرج لتبني مطالبها، لكن إلى أين سيأخذهم في النهاية؟
 هذا لم يناقش بعد. دعنا ننتظر الهيئة التي ستأتي من خلال ملتقيات المحافظات. أنا شخصياً من المشجعين لقيام ملتقيات في المحافظات، لأنه إذا حدث -لا سمح الله- تفكك، فإن محافظات لا يوجد بها سلاح، كحضرموت وعدن، ستعاني كثيراً بسبب غياب الأمن. لا ننسى أنه عندما تحصل اضطرابات يتم نهب المدن فوراً.
 > إذا دُعيتَ، هنا في عدن أو في حضرموت، إلى المشاركة في صيغة كهذه، هل ستوافق؟
 – أرى أن هذه الصيغة ضرورة، تحسباً لوقوع اضطرابات في نهاية المطاف. الملتقيات ستكون قادرة على أن تؤمن السلام والأمن للناس.
 > وهل تفترض أن يتقبل المشترك هذه الصيغة أم أنه سيعدها منافسة؟
 – لا أظن أنه سينظر إليها على هذا النحو. الكثير من المواطنين موجودون في أحزاب. الموجودون في مناطق نائية كما في حضرموت ليسوا في أحزاب.
 > تبدو متشائماً كما لو أننا ذاهبون إلى مشهد كابوسي؟
 – أنا متشائم جداً. يُقلقني الوضع الاقتصادي للبلد، وأرى أنه سيكون عامل انفجار لا يمكن السيطرة عليه، لم يستفد النظام من الفترة 1995 -2004. كل الفرص بُدِّدت: النفط، المنح، القروض. وطاقته الآن على مواجهة الاضطرابات محدودة جداً، لأن موارده ضئيلة. هذه مسألة مقلقة، ومن شأنها أن تسرِّع في ظهور خيار تفكيكي لا أحد يستطيع السيطرة عليه.
 > في حال مضت الأمور في اتجاه سلبي، وفي ضوء ما يحدث من تعبئة وتحريض، أيمكن تصور أحداث عنف واسعة في بعض المحافظات؟
 – بكل تأكيد. تاريخنا (يؤكد) أن هناك ميلاً إلى النهب عند وقوع اضطرابات. حدث في عدن مراراً كما في 68، وحدث في المحافظات الشمالية. وحدث أيضاً في حضرموت عشية الاستقلال عند استيلاء الجبهة القومية على الحكم. كنا 24 شخصاً فقط، وقد تنبهنا مبكراً للأمر، حيث خرجت قبائل من جهة الغرب لغرض النهب، وكانت توجد حاميه بقيادة علي عوض باصالح، في حوزتها مدفع، وقد أُطلقت منه قذيفتان، فعرف الناهبون أن هناك دولة قائمة.
 > هذا يفيد بأن “الفيد” ليس خصيصة شمالية؟
 – لا، لا. “الفيد” عند القبائل عموماً.
 > عدن وصنعاء كانتا على مر التاريخ عُرضة للنهب خلال الاضطرابات؟
 – المدن كلها، لأن السلاح فيها نادر، ولأن سكانها حضر. التمثيل والشراكة يأتيان من طريق إصلاح سياسي. وإذا جاء التمثيل على أساس جنوب وشمال، فهذا في الحقيقة معناه حالة انفصالية.
 > في حال تبلورت هيئة تمثيلية وتشكلت ملتقيات محافظات، وفي ضوء الميل الظاهر إلى فرز الشمالي من الجنوبي في المحافظات الجنوبية، ماذا يضمن ألا تحدث ممارسات تمييزية ضد مواطنين من المحافظات الشمالية أو ينحدرون من أصول شمالية؟
 – علينا أن نتساءل: لماذا ظهرت نظرة سلبية تجاه أبناء المحافظات الشمالية؟ البعض يأتي من الشمال ويستأجر (عقاراً) ثم لا يسدد الإيجار. البعض يدخل بيتا ليس فيه أحد، ثم يدَّعي ملكيته، والذي يحدث أن القضاء يسانده، والمحافظ يسانده، والأمن يسانده. هناك آخرون يتصرفون بشكل مختلف، العمال الذين جاءوا من محافظات شمالية أفادوا كثيراً المحافظات الجنوبية، لأنهم أجلد من أبناء المحافظات الجنوبية الذين لديهم ميل إلى الأعمال التجارية أو المكتبية. الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تحكم على الكثير مما يدور. في الجنوب فرضت بريطانيا النظام لمدة طويلة، وهذا لم يحدث في الشمال.
* على أن هذا لا يجيز القول بأن للجنوب ميزة على الشمال، والموضوع يحتاج إلى وقت، أخذا في الاعتبار هذا السبب.
– يوجد مسؤولون كثُر من الجنوب، سواء كانوا يعملون في الشمال أم هنا في الجنوب، سيئون، فالدولة لا تريد إلا السيئين ولا تقبل عداهم. أقول، مجدداً، كيف سيتصرف اللقاء المشترك؟ فالمحافظات الشمالية لن يحركها إلا قادة المشترك، لكنني أخشى أن يسبقهم الجوع.
 > ويمكن أن تسبقهم تكتلات وتعبيرات قبلية؟
 – ممكن. وفي الجنوب على أحزاب المشترك أن تعمل مع الآخرين، وتعمل على إقناعهم (بنجاعة خيارها). وعلى تيار إصلاح مسار الوحدة أن يقول بوضوح إنه لا يريد انفصالاً بل تصحيحاً. لا بأس أن نقدم تصوراً لملتقيات، وأن نشكل هيئة، لكن من الضروري أن نضع ضوابط لتتحقق المطالب ضمن إطار الوحدة. وفي الخلفية مهم أن يوجد تصور جاهز لدور اليمن في محيطها، ومسؤوليتها حيال المغتربين المنتشرين في شتى الأصقاع. هذا ليس حقاً، بل واجب؛ لليمن دور في الجزيرة والخليج لا يستطيع غيرها الاضطلاع به. اليمن هي الدولة الطبيعية الوحيدة في المنطقة.
 > لكن هذه الدولة الطبيعية مرشحة لأن تكون غير طبيعة؟
 – إذا تخلينا عن هذا الدور ولم نتصرف في ضوء رؤية مستقبلية، يكون البديل خيار التفكيك، وهذا ما أراه في الكثير مما يقال، وهذا ما أخشاه.
 > هناك إلحاح على «صفاء جنوبي». وفي حين يُلحظ حرص بالغ على مراعاة قيادات جنوبية في الحكم بعضها صاحب سجل سيئ، تتبدى ممانعة لأي حضور شمالي، حتى وإن بدا داعماً للقضية الجنوبية النغمة السائدة هي الفرز إلى شمال وجنوب.
 – يوجد أناس يعتقدون أن حروب التصفيات التي جرت في الجنوب سببها الشماليون، هذا هروب. ربما تصرف بعض الشماليين بأسلوب مناطقي مثلهم مثل الآخرين (طلب فيصل بن شملان إغلاق المسجل، واستفاض في بيان دوافع وإفرازات واصطفافات الأزمات التي عاشها الجنوب في الماضي).
 > لتبديد هواجس البعض من إمكان تشرذم الجنوبيين، يجري التوكيد على قيم جديدة تحكم الثقافة السياسية للجنوبيين (المحتجين)، بما يفيد تجاوز الماضي الصراعي والاقتتالي، وأن أية صيغة جنوبية متصورة ستكون محكومة بقيم الحرية والتنوع والقبول بالرأي الآخر.
 – أتمنى أن يتحقق ذلك، لكن الناس لا يتغيرون لمجرد أن يُقال لهم: أنتم صرتم كذلك. حكم كهذا يتطلب واقعاً. أين هذا الواقع؟ هنالك فئات اجتماعية كبيرة ومؤثرة لم تحدد مواقفها من القضية الجنوبية. لنأخذ على سبيل المثال الحركتين الصوفية والسلفية، وهما حركتان نقيضتان، ما موقفهما مما يجري؟ أقرب المكونات إلى الناس هو اللقاء المشترك، وعليه أن يبادر ويخرج بقضه وقضيضه، ويؤكد مضامين تصوره لما يريد، متبنياً، بحق وليس من بعيد، مظالم المحافظات الجنوبية. إما ذلك وإما أن تصير التصورات التفكيكية أقرب إلى الإمكان. الوضع أقرب إلى التفكك منه إلى التجمع.
 > ألا ترى أن المشترك فقد إمكانية الإمساك…؟
 – (مقاطعاً) لا، لا. المشترك ما يزال قادراً على المبادرة.
 > قادة الحركة الاحتجاجية يقولون إن المشكلة في المشترك أنه يرفض الاعتراف بـ«القضية الجنوبية». ألا تعتقد أن إعلاناً صريحاً من المشترك بالقضية الجنوبية سيكون مدخلاً ملائماً ليُعاود المشترك حضوره الفعال في المحافظات الجنوبية والشرقية؟
 – القضية الجنوبية تعبير مبهم. ما هو المقصود بالضبط من القضية الجنوبية؟
 > المقصود أن حرب 94 أدت إلى واقع جديد يتمثل في إقصاء الجنوب من الشراكة في الحكم والثروة؟ – إذا كانت بهذا المعنى فنعم. اللقاء المشترك بكل تأكيد سيوافق على هذا. نريد أن نصحح هذا في إطار اليمن وليس في أي إطار آخر.
 > الدكتور ياسين سعيد نعمان أمين عام الاشتراكي والرئيس السابق للهيئة العليا للمشترك كان صرَّح لـ«النداء» قبل أسابيع أن المشترك سيعلن مبادرة جديدة، وأن القضية الجنوبية ستتصدر مطالب المشترك. هل تتوقع أن تحل هذه المبادرة الإشكال، كما وتكون مخرجا للبلد برمته؟
 – نعم إذا نشط المشترك وفارق حذره الزائد. اليمن كبلد موحد قدر لا يمكن الخروج عليه. صحيح بعض التصرفات يراها الجنوبيون غير مقبولة. أما ما يخص الحكم فهذه مسألة مفروغ منها، لا أمل فيه.
 > دعنا ننتقل إلى زاوية نظر أخرى، ربما ثقافية. نتحدث عن شمال وجنوب وشرق، وتعرف أن هناك مناطق ذات خصوصية، مثل عدن، توجد فيها حالة غضب عارمة، وهو غضب ملموس، وغضب نبيل بالتأكيد. ألا تخشى أن يتحول هذا الغضب مع الوقت إلى كراهية وممارسات تنطوي على عنف، ليس في مواجهة السلطة فحسب، ولكن داخل المدن كعدن مثلاً تجاه فئات محددة من السكان، وعدن كما تعلم تلخص اليمن سكاناً.
. – من الشمالي ومن الجنوبي في عدن؟
 > أنا أسألك هذا السؤال!
 – عدن حاضرة احتضنت كل الناس. سكان عدن، من زاوية أصولهم أو ميلادهم، شماليون أكثر منهم جنوبيون. صحيح توجد مشاعر غضب، ولكن تغذية أية مشاعر كراهية (ضد أهل المدينة ذوي الأصول الشمالية) ليس من العقل ولا من الحكمة في شيء. عدن ملتقى الناس من مختلف المحافظات، وبالذات من تعز، ومن اليمن الأسفل بشكل عام. أما أن تتحدث عن أصول جنوبية فهذا ضرب من التفكير العنصري. يعتقد البعض أن بيده الحق (…) وهذه مشكلة أخرى. هذا الشعور موجود، ولكن الضرب على هذا الوتر ليس عدلاً وليس حكمة، ولا يجب أن يلتفت إليه أو يركز عليه.
 > كنتُ اطلعتُ على مشروع لائحة لملتقى جديد يحمل اسم “ملتقى عدن التنموي الاجتماعي”، وما استدعى اهتمامي هو شروط العضوية، حيث ترد 3 شروط هي أن يكون من مواليد عدن، وأن تكون صلته وصلة أسرته بعدن المدنية ممتدة لفترة طويلة ومستمرة، أو أن يكون، في حال عدم توفر الشرطين السابقين، أمضى 20 سنة في عدن. وهذا الشرط بالتأكيد ينطبق عليك. كما ترى فإن الكثيرين من سكان عدن الآن لا تنطبق هذه الشروط عليهم. كيف تقرأ شروطا كهذه بالنسبة لمدينة كعدن، لا لمنطقة ريفية أو جزيرة معزولة؟
 – أقول ببساطة: هذا سينهي عدن كثقافة وخصوصية. هذا التصور لا يعبِّر عن واقع، ولا يمكن أن يعبِّر عن واقع، وهو تصور قاصر وسيحرم عدن من الخصوصية التي نتحدث عنها.
 > أنت تعيش هنا تقريباً منذ 4 عقود؟
 – بالضبط جئت إلى عدن في 30 نوفمبر 1967، واستمريت فيها.
 > من تجربتك، هل مرت عدن بحالة مشابهة لما يجري فيها الآن: هذا الفرز واقتفاء الأصول، وحتى الأصول البعيدة؟
 – لا. لم يكن يوجد فرز كهذا. حصل عندما حكمت الجبهة القومية، وبعدين جاءت الاشتراكية، وبحكم التصور اليساري أقصيت العديد من الأسر التجارية من أهل عدن، وهي أسر لها أملاك، واضطر الكثير منهم إلى الهجرة. من هذه الناحية وجد شعور بالإقصاء لسبب تصور (أيديولوجي). أما ما يحدث اليوم، وبخاصة خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، كأنه رجعة إلى أيام «القلم العدني» و«عدن للعدنيين» في 1948، يعني الذي ما عنده «مخلقة» (شهادة ميلاد) في عدن فهو خارج المواطنة العدنية. هذا الكلام لم يكن واقعياً في تلك الفترة، فكيف يكون واقعياً اليوم؟ ينبغي أن نتابع ما يجري. يُقال إن أحد الوزراء يمتلك 200 قطعة أرض في عدن. الحقيقة أنا استغربت لهذه المعلومة، ولكن أحد الأشخاص، وهو تاجر، وليس من السلطة أو من المعارضة، أكد لي ذلك. الآن كل المتنفسات التي في عدن لم تعد موجودة، كلها نهبت.
 > نعم. أشاهد الأسوار ترتفع في كل مكان؟
 – كلها مسورة، ما عاد في ميناء ولا هم يحزنون! توجد أسباب عديدة. طبيبة من هنا ولكنها تعمل هي وأختها في صنعاء، عندهم أرض، وحكمت المحكمة لصالحهم، وتم تنفيذ الحكم لأسرتها، وذلك بعد خروج طقم من أجل ذلك. قالت لي إنه في اليوم التالي جاء طقمان أمنيان وأخرجونا من الأرض. قلت لهم: طيب ليش ما تخلوا أخوكم يروح يتابع؟ فردت: با يقتلوه، وما معانا، إلا هو.  تحدث ممارسات وتصرفات ضارة. عدن المحافظة الوحيدة كمدينة تجارية، أهلها يعيشون على الوظيفة. سجلاتها مضبوطة، ولذلك صار التقاعد كله مركزاً في عدن، لأن الآخرين سجلاتهم غير مضبوطة، لا تواريخ ميلادهم ولا سجلاتهم الوظيفية. أهلها عانوا كثيراً، لأن عدن مدينة تعتمد على الحركة التجارية وعلى الوظيفة العامة. الحركة التجارية جامدة والوظيفة انتهت. حنق الناس هنا مبرر، وهم لا حول لهم ولا قوة. وعلى الأحزاب السياسية أن تأخذ هذه المعطيات في الاعتبار. هذا شعور موجود، لكنه لا يصلح أن يكون رداً على المظالم الموجودة في عدن. هذه الشروط غير ممكنة، وهي (مُخرَج) لتصور بائس.
 > أنت تعيش في البريقة (عدن الصغرى)، وأعرف أنك تلتقي الناس. كيف مزاج السكان هنا، يبدو لي أهدأ من المزاج في مديريات عدن الأخرى؟
 – عدن الصغرى كما تعرف، حديثة النشأة، وأساسها المصفاة. الخيسة، القرية القريبة من هنا، قرية الصيادين، أهلها أساساً من حضرموت، وبالذات من منطقة الديس. وهم جاءوا من زمان، حتى من قبل الاحتلال البريطاني، تعرف أن البلاد كلها كانت مفتوحة قبل قدوم الانجليز والاستعمار الغربي! روح الجزائر، روح مراكش، روح مصر، روح عدن، ما فيش حدود. وهناك عائلات ذات شأن في عدن أصولها مصرية كعائلتي “خليفة” و”بيومي” (وكذا من مجتمعات أخرى في المنطقة). تركيز الهنود في كريتر، وهناك أيضاً لهم وجود في التواهي، تركيز التجار الحضارم والجبالية في كريتر، تركيز العرب بشكل عام في الشيخ عثمان، (أضاف ممازحاً) باتخرِّج الشيخ عثمان من عدن والا كيف؟
 > لعلك أشرت في حديثك سابقاً إلى ما نشرته «النداء» في عددها السابق حول تجنب بعض السكان في حضرموت تأجير عقاراتهم للقادمين من محافظات شمالية. وهناك قصص أخرى بلغتني تفيد بوجود مزاج مشابه حتى في بعض فنادق المكلا. هل تعتقد أن هذا السلوك والمزاج عرضيان، ومجرد ردود أفعال، بحيث لا يتم التحسس منه كثيراً من النخبة السياسية سواء في الشمال أم في الجنوب، ولا ينبغي التركيز عليه في الإعلام، وهما عرضيان جراء غياب مشروع يضم اليمنيين جميعاً، أم أنها قد تترك انغراسات في الذات اليمنية؟
 – أعتقد أن هذه الأمور عرضية. خذ الحواضر في حضرموت مثلاً أو في عدن، هذه الحواضر قبلت هجرات على مر الزمن وصاروا جزءاً من نسيجها. هناك عشائر هاجرت من يافع والبيضاء، حتى من قبل الدولة القعيطية، وصاروا جزءاً منها، صاروا حضارم اليوم. والذين جاءوا إلى عدن صاروا عدانية. البدو الذين جاءوا إلى عدن صاروا عدانية، ويتكلموا عدني: “اندكو”، “انداهو”… وأصحاب يافع في المكلا أو في الشحر حضارم. لا ننس أن العامل الديني والثقافي لا يقبل هذه النزعات. الناس تهاجر إلى منطقة وبعد وقت يتحقق التجانس… الناس الذين كانوا يأتون من العراء إلى المكلا أو إلى أية حاضرة في حضرموت، كانوا مثلاً لا يذهبون إلى الحمام إذا أرادوا قضاء حاجتهم، ويطلعوا السقف، طبعاً تستاء منهم، لكنك تتقبل على مضض. وكذلك ما يحدث الآن مع البعض القادم من محافظات شمالية (فيما يخص السلوك الاجتماعي). في برنامج على الهواء كان أحدهم يتحدث عن «إخواننا الشماليين»، فاتصلت مستمعة محتجة، قائلة: «أيوة إخواننا الشماليين، خلاص خليهم يتبولوا تحت بيتك». هذا السلوك شفته في شوارع صنعاء. الآن صاروا يتحرجون من هذا السلوك، ولم يعد ظاهراً، والناس تتأقلم مع السلوك العام هنا.
 > شاركت في فعاليات في وادي حضرموت، وفي دمت (الضالع)، والراهدة (تعز)، ولكننا لم نشاهدك في أية فعالية هنا في عدن. ألأنك لم تُدْعَ للمشاركة، أم أن هناك أسبابا أخرى، كأن تكون غير مقتنع بالخطاب الذي يسود هذه الفعاليات؟
 – المهرجانات التي حضرتها بدعوات، والفعاليات التي هنا لم أدع إليها؟
 > هذا مبرر. ولكن قد يُقال أن الفعاليات التي نظمت هنا لمتقاعدين مظلومين، ويمكن أن تبادر إلى الحضور بدون انتظار توجيه دعوة؟
 – بالنسبة للمتقاعدين، أنا رحت ولكن العسكر منعوني وأعادوني من جولة كالتكس. شيء طبيعي أن أحضر مهرجاناتهم، هؤلاء ناس ظُلموا وسُرّحوا قسراً. في جميع الدول تحصل حروب أهلية. بعد أن تنتهي الحرب الأهلية، فإنها لا تفقد المهزوم هويته الوطنية أو حقه.
 > في كتاب «بدايات» لأمين معلوف، وهو أشبه بتاريخ لأسرته وأجداده، ترد مقولة معبِّرة فحواها أننا أهدرنا أعمارنا في محاولة اصطناع هويات وأوطان متوهمة، ودفعنا أثماناً باهظة لهذه الهويات والأوطان التي لم تتجسد قط، وأنا في طريقي إلى منزلك كنت أستمع إلى أوبريت الجنوب للفنان عبود الخواجة، وفيه جُمَل عاطفية ومؤثرة. تعرف أن الفن عندما ينبثق من حركة احتجاجية فهذا يعني أن الأمر تجاوز السطح إلى الأعماق. هل تتصور انبعاث هوية جنوبية مع التداعيات الراهنة في مقابل هوية يمنية؟
 – لا. لا أتصور ذلك.
 > أليس ممكناً ذلك في ظل وجود خطاب سياسي مُنذر لهذه الهوية، وهناك مثقفون كبار يؤصلون لهذه الهوية، ومنابر إعلامية، ذلك كله قد يمهِّد لبلورة ذاتية جنوبية؟
 – هناك مظالم تجمع الناس، هذا صحيح. الهوية الجنوبية ليس لها وجود، ولن تقوم إلا إذا وُجد كيان جنوبي مستقل عن الدولة اليمنية.
* يعني قيامها ممكن لاحقاً، وتعرف أن كياناً جنوبياً قام منذ الاستقلال حتى عام 90، وكان محكوماً بنظام عقائدي شمولي فرض هيبته في كل مكان، لكن لم تنشأ هوية جنوبية حينها، لأن هذا الكيان كان يتوخى كياناً وحدوياً لهوية يمنية. الآن ممكن أن تنشأ هوية جنوبية ضداً على الشمال، أو ضداً على«يمن» سببت للجنوبيين المتاعب والمظالم؟
 – لا. الأقرب أن تكون هويات مختلفة، ولكن ليس هوية جنوبية. يمكن توجد هوية حضرمية، هوية عدنية، هوية لحجية.
* وكيف تتصور الثمن الذي تتطلبه هويات كهذه، باهظا؟
 – لن تكون أصلاً، لأن ذلك يستلزم وجود كيان سياسي. بدون كيان سياسي لن تنشأ هوية تجمع الناس إلا إذا وجدت قضية أيديولوجية.
 * استمعت خلال الأيام الماضية إلى ناشطين في حركة الاحتجاجات، بعضهم قياديون، ووجدتهم يتحدثون بشغف وتطلع وأمل عن هوية جنوبية على الطريق؟
 – أعتقد أن هذا مجرد وهم. هم لا يعجبهم رأيي، وكتب محمد حيدرة مسدوس يهاجمني، كما اتصل بي محسن باصرة يبلغني أن حسن باعوم يعتب عليّ ويحتج بسبب ما قلته في مهرجان تريم. في المهرجان قلت: نحن شركاء في الوحدة، والذي لا يعجبه هذا الكلام يروح يشرب من ماء البحر. باعوم قال: يقصدنا بهذا الكلام. وفي الحقيقة أنا قلت هذا الكلام في سياق نقد نزع صورة علي سالم البيض من صورة رفع علم الوحدة (…).
* في تعريف الإنسان لهويته، لكلٍّ تراتبية محددة، كأن يعرف نفسه بأنه يمني أو عربي أو مسلم أولاً، لا أعرف الترتيب لديك، ولكني أسألك: أين يأتي التعريف بأنك جنوبي أو حضرمي: في المرتبة 3 أو 4 أو 8…؟
 – أنا أعرف نفسي هكذا: يمني، عربي، مسلم. وإذا هناك مناطق فأنا: حضرمي يمني عربي مسلم.
 * وعدني؟
 – عدني يمني عربي مسلم. لكني لا أرى في مسألة الهوية ذكر (المنطقة).
 * لكن في واقع الأمر هناك هوية محلية تقوم وتتعايش مع هويات محلية أخرى ضمن هوية وطنية جامعة؟
 – (ضاحكاً) في هذه الحالة أنا حضرمي/ عدني.
*كنت مرشحاً للرئاسة، والانتخابات أدت -إلى حد ما- وظيفة تنموية فيما يخص القيم السياسية. الآن وبعد عام وخمسة أشهر تقريباً، والأمور كما قرأناها خلال الساعتين الماضيتين، ما الذي تتوقعه من الرجل الذي يشغل الموقع التنفيذي الأول (الرئيس) لتدارك الانزلاق إلى التفكك وانهيار المؤسسات السياسية، أقصد ما الذي يفترض أن يفعله؟
 – إذا أراد أن يفعل شيئاً، (فعليه أن) يدعو إلى مؤتمر وطني جامع تحضره القيادات في الخارج، وكل الفعاليات الموجودة والقيادات السياسية، بما فيها تيار إصلاح مسار الوحدة وجمعية المتقاعدين والحوثيون، والشخصيات الاجتماعية. هذا المؤتمر مهمته (أن) يخرج بقرارات ضرورية تكون أسساً، وهي: انتخابات نزيهة، حريات عامة، شفافية، فصل الحزب الحاكم عن الدولة. هذه يجب أن تنفذ حالاً. في قضايا أخرى قد لا يكون فيها توافق فتؤخذ بالأغلبية مثل النظام الاقتصادي، مظالم المحتجين، قضايا عقائدية مثل الحركات الدينية سواءً أكانت “اثنا عشرية” أم صوفية أم سلفية، وحرية الناس هؤلاء في أن يقولوا ما يشاءون، ولكن بشكل منظم وفي ظل قانون. ما يخص المظالم ونهب الأراضي، فهذه ينبغي أن تعالج فوراً. لا يوجد منقذ من الانهيار إلا هذا المؤتمر الوطني.
* ما تعليقك على الصيغ المعمول بها الآن، كتعيين أبناء شهداء ورؤساء سابقين في مواقع قيادية في الدولة والسلطة المحلية، واسترضاء بعض الفئات، لا ترى أنها مجدية؟
 -ليست غير مجدية فحسب، وإنما أقول إنها مُخرِّفة (تخريف). كل حركة تحتاج إلى طاقة، أنت (الحكم) أسأت التصرف خلال الفترة الماضية كلها، وصارت طاقتك محدودة جداً. ما معنى أن تصرف سيارات وأموالاً لبعض الناس، إلا أنك تهدر المزيد من الطاقة المحدودة بيدك. النظام (الحكم) تجمد، عنده ثلاث وسائل: قمع، قتل، رشوة. ليس لديه غير ذلك.
* ما هو الرد الذي أحمله إلى «آيات»، علماً بأنني أفاجأ بأن الكثير من الأطفال ما يزالون يعيشون أجواء حملتك الانتخابية؟
– (باسماً) قل لها: اهتمي بدروسك جيداً، علشان بعدين تكوني أنت رئيستنا.
 
*نشر في العدد (138) الموافق 13 فبراير 2008