الوضع الصحي في عدن.. إلى أين؟

الوضع الصحي في عدن.. إلى أين؟

* أثمار هاشم
يقولون: “السعادة تاج على رؤوس الأصحاء”، ونحن افتقدنا السعادة في حياتنا وغابت البسمة عن شفاهنا؛ لأننا -بمنتهى البساطة- افتقدنا للصحة التي قد تعيننا على فعل الأشياء التي قد تجلب الفرح والسرور لقلوبنا. حتى عندما يداهم أحدهم المرض ويذهب للبحث عن علاج له في أحد المستشفيات الحكومية، فإن حاله تزداد سوءاً ويصاب بأمراض أكثر من تلك التي ذهب لإيجاد علاج لها. وحتى لا تظنوا أن كلامي هذا مبالغ فيه ومحض افتراء على القطاع الصحي الحكومي وما يعانيه من تدهور، دعوني أنقل لكم صورة من مشاهداتي التي صادفتها أثناء ذهابي لمركز الحوادث والطوارئ في مستشفى الجمهورية بعدن!
مشاهدة 1:
هذه هي المرة الأولى التي أذهب فيها إلى مركز الحوادث والطوارئ في مستشفى الجمهورية التعليمي بعدن، وقد كان مزدحماً جداً، وعلى غير العادة -حسب ما قالته إحدى الممرضات العاملات هناك. لقد كان بعض الممرضين والممرضات سريعي الحركة لتقديم الخدمات العلاجية للمرضى. وقد لفت نظري أن الغرفة التي يوجد فيها جهاز، كان العمل فيها بطيئاً جداً. كما أن معظم المرضى الذين ينتشرون على كراسي الانتظار ينتظرون دورهم للدخول وعمل جهاز. في أثناء ذلك أحضر عامل بناء سقط من على “سقالة” أثناء عمله وأصيب بجرح بسيط في الرأس، إلا أن الإصابة الأكبر كانت في الفخذ الذي أصيب بكسر. ولأن جميع الغرف في ذلك اليوم كانت مزدحمة، قدمت له الإسعافات الأولية في صالة الانتظار.
 وكان الجميع “متحلقين” حول ذلك المريض، سواء ممرضين أم طلبة كلية الطب الذين تثيرهم رؤية أي مريض، وكذا بعض المرضى ومرافقيهم الفضوليين. وفي غمرة ذلك كله أخرجت من إحدى غرف الطوارئ جثة أحدهم، كانت مغطاة بأكملها، بحيث يصعب تمييز ما إذا كانت لرجل أم لامرأة، وكان السرير الذي تتمدد عليه محاطاً بأقارب المتوفى، وبينهم امرأة تبكي بصمت.
مشاهدة 2:
حالما وصلت، وجدت مريضاً ممداً على سرير في صالة الانتظار، والدماء تنزف من رأسه ومن إحدى قدميه، وعلمت أنه تعرض لحادث سيارة، وقد قدم له الممرضون المساعدة اللازمة في انتظار حضور الطبيب للكشف عليه. وما إن وصل الطبيب، الذي كان يمشي مختالاً بنفسه، ورأى المريض ممدداً حتى سأل ببرود: هل هذه الحالة “تبعي”؟! بعد ذلك أمر بإجراء أشعة للمريض، وقد استغرقت وقتاً طويلاً، وبعد الانتهاء منها أعيد مرة أخرى ليوضع في أحد أروقة قسم الطوارئ.
وقد أظهرت الأشعة إصابته بكسور في الرأس واليد والساق، وطلب الطبيب حضور أهل المريض لأخذ موافقتهم على تجبيره!!!
من ضمن الأشياء التي لفتت نظري في ذلك اليوم، رؤية شخصين يعملان في المستشفى، يقومان بجر سرير عليه ثلاث أنابيب أكسجين كبيرة، وكان السرير وأنابيب الأكسجين مكسوة بالصدأ بالكامل. وكان طلاب المعهد الصحي، وخاصة الذكور، يقدمون الخدمات للمرضى، فيما الفتيات يتجولن بين الغرف من دون عمل أو هدف محدد.
كذلك هناك أطباء لا يرتدون “البالطوهات” البيضاء، حتى أنك قد تظنهم مرافقين للمرضى، وبالتالي لا تتعرف عليهم إلا إذا شاء الحظ أن ينادي أحدهم أحد الممرضين بعبارة: “يا دكتور!”.
كان هناك أحد المرضى، طاعن في السن، يبحث عن طبيب جراحة مناوب ليقوم بختم ورقة الدواء الخاصة به، ولكنه لم يفلح بإيجاده، وظل يتنقل من غرفة إلى أخرى ممسكا بورقة الدواء في يده.
مشاهدة 3:
هذه المرة عندما وصلت إلى مركز الحوادث والطوارئ لم يكن الأطباء قد وصلوا بعد. كان المرضى ينتظرون، ومن بينهم امرأة يبدو التعب واضحاً على ملامحها، فتارة تجلس متألمة بصمت، وتارة أخرى تستند إلى كتف مرافقتها، وفي الأخير ذهبت لتمد جسدها على أحد الكراسي، إلى أن جاء ابنها وأخذها إلى غرفة طبيب الباطنية (طبيبة) التي وصلت بعد أن قضت المرأة ساعات طويلة تصارع الألم.
كذلك كانت هناك امرأة شابة يبدو أنها قضت ليلتها على أحد أسرة ذلك المركز، فقد كان بيدها “فراشة” (كانيولا) المغذية. وعندما أرادت أن تعمل جهازاً اشترطت الممرضة أن تكون مثانتها ممتلئة بالبول، وعندما أجابتها المريضة بالإيجاب رفضت إجراء الجهاز لها، مما دفع زوج المرأة للاستعانة بأحد العاملين هناك لإقناع الممرضة بضرورة عمل الجهاز، وقد تحول الأمر بينهما إلى معركة كلامية. وقد بررت تلك الممرضة رفضها ذاك لرئيس الممرضين أن السبب في ذلك يعود لعدم حضور الطبيب المختص.
هناك أيضاً كانت توجد مريضة مسنة، جلست مع مرافقتها على كراسي الانتظار، تنتظر الكشف عليها، وبعد مضي وقت، كشف عليها أحد الأطباء الشباب يبدو أنه كان مناوباً منذ الليلة الماضية، ومع هذا فإني لم أشاهده يطلب منها إجراء أي فحص، بل خرجت من عنده لتعاود الجلوس منتظرة إلى ما لا نهاية. ومما يزيد الطين بله –في هذا اليوم– أنه إلى جانب تأخر وصول الأطباء وغياب بعضهم. كان هناك غياب واضح للممرضين. أضف إلى ذلك أن في هذا المركز أقساماً لا توجد عليها لافتات تشير إلى اسم أو تخصص هذا القسم أو ذاك، وبالتالي يصبح على المريض الدوران والتوهان بين الغرف لمعرفة في أي غرفة سيكون علاجه. كذلك من ضمن ما شاهدته أن الواسطة تلعب دوراً رئيساً في الحصول على علاج وليس حالة المريض.
مشاهدة 4:
هناك تسيب وإهمال كبير في التزام الأطباء بالحضور. ففي الوقت الذي توافد فيه المرضى منذ حوالي السابعة صباحاً، فإن أطباء الباطنية والجراحة لم يحضر أحد منهم حتى ما بعد العاشرة. والأطباء الذين انتهت نوبة عملهم يرفضون علاج أي حالة، ويقضون وقتهم إما بالحديث وإما بالتجوال بين المرضى الذين ينهشهم الألم. وقد صادف وصول حالتين سببهما حادثان مروريان مختلفان، سارع خلالها الممرضون إلى تقديم الإسعافات الأولية لإنقاذهما، والبحث عن أي طبيب لفحصهما. وبالرغم من ذلك فإن أحداً لا يستطيع أن يغفل الدور الذي حاولت بعض طالبات كليات الطب تقديمه من خلال الفحص المبدئي للمرضى، وتقديم بعض النصائح لهم. على النقيض من ذلك، كانت هناك طبيبة متواجدة، وعندما طلب منها رجل أن تفحص المريض الذي يرافقه، ردت عليه بأنها طبيبة عظام، وليس لها علاقة بأي حالات أخرى!!
كان معظم المرضى من الأطفال، بعضهم أعمارهم بضعة أشهر، وآخرون ما بين 3-4 سنوات، يبكون متألمين، فيما ليس هناك أي طبيب لمعالجتهم، الأمر الذي دفع أحد الآباء لأخذ ابنه إلى مستشفى خاص.
مشاهدة 5:
اليوم، كانت هناك طبيبة مناوبة في قسم الباطنية، وقد انتظرها زميلها المناوب حتى وصولها. كما أن الازدحام  كان شديداً على هذا القسم، حتى أن أحد الرجال أغمي عليه في تلك الغرفة، فأسرعت الطبيبة إليه، وساعدها طلاب المعهد الصحي بحمله ووضعه على السرير، فيما بقيت غرفة الجراحة خالية، لعدم حضور الطبيب المناوب. وكالمعتاد كان طلاب التمريض الشبان يقدمون المساعدة للمرضى ويرشدونهم إلى الأقسام التي يريدون الذهاب إليها، في بعض الأحيان يأخذون المريض من يده (لمساعدته) إلى القسم المطلوب. وقد عرفت اليوم أن هناك  جهازاً واحداً فقط لتخطيط القلب يوجد في هذا المركز، يتم العمل عليه ليل نهار، ونقله من غرفة إلى أخرى، وفي بعض الأحيان يتعطل ويخرج عن الجاهزية أياما.
مسك الختام
هل يعقل أن يكون هذا حال القطاع الصحي في واحد من أقدم مستشفيات اليمن، وفي محافظة يطلق عليها “العاصمة الاقتصادية”؛ أن يلتمس الناس للعلاج فيها ولا يجدونه؟ إلى أين يذهب بسطاء الناس الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج في المستشفيات الخاصة؛ فهم إن لم يمتهم الألم أماتتهم تصرفات الأطباء وعنجيتهم وإهمال وزارة الصحة في وضع ضوابط للمخالفين منهم؟ إن عدم قيام مكتب الصحة في عدن بزيارات ميدانية مفاجئة لمشاهدة الوضع الصحي عن كثب وإيجاد الحلول لتحسين تلك الأوضاع المتردية فقد يؤدي السكوت عليها إلى تمادي الأطباء في إهمالهم.