دفاعاً عن الإنسان!

دفاعاً عن الإنسان!

*إلهام مانع
هناك أوقات يتوجب فيها على الإنسان أن يتخذ موقفاً.
اليوم أقف في هذا الموضع.
أنظر إلى حال اليمن، وأقول لنفسي: “لا تصمتي! قولي شيئا! عبري عن موقفك!”.
وفي الواقع، يصعب على المرء أن يقول شيئاًَ في زمن يؤدلج فيه كل شيء، ويصنف الإنسان فيه في خانات يتفتت معها ليصبح أشلاءً… ممزقاً ممزقاً.
يقولون:
“هذا مع السلطة، وذاك معارض”.
“هذا مؤتمري، وذاك اشتراكي”، ثم غيره “إصلاحي”.
“هذا شمالي، وذاك جنوبي”.
“هذا هاشمي، وذاك حميري”.
“وهذا زيدي، وذاك شافعي”.
“هذا سني، وذاك شيعي”.
“وهذا مسلم، وذاك يهودي”.
ثم “هذا حضرمي، وذاك عدني، وغيره من أبين”…
وفي الواقع لست مع هذا ولا مع ذاك.
لست مع السلطة ولا مع المعارضة.
وحتما لست زيدية أو شافعية.
كما أني لست شمالية أو جنوبية.
ولو أردتم الصدق، لا أعترف بالحدود هوية.
جِلدي يمني.
لن أسلخه.
لكني قبل كل شيء إنسان.
وفي الواقع، لا أرى أياً من هذه التصنيفات وأنا أتحدث معكم اليوم.
في الواقع، لا أعترف بها حتى وهي تفرض نفسها علينا غصباً.
في الواقع، وأنا أتخذ موقفاً الآن، لا أرى سوى وجه الإنسان في وطني.
الإنسان!
وجهه، ووجهها.
ثم دمعهما.
معاً.
وجه الشيخ العجوز الذي التقيته يوماً وهو “يراجع” في دوائر حكومية، يبحث عن تعويض حكومي لأرضه، أخذتها الدولة كي تبني مشروعاً للمياه لم يُبنَ. والعجوز يدور بين الدوائر، وكلٌّ يتلقفه ككرة، يرميه يوماً بعد آخر إلى مراجعة جديدة. وهو حائر، ملهوف، خائف، يخاف من الأيام، لو أسرعت مات، فمن يكفل أحفاده!؟ وحيدا بعد أن فقد ابنه، من يحمي حقهم لو مات هو الآخر!؟ ويمسك الأمر الحكومي في يده، المرتعشة دوماً، ويسأل: “أين التعويض يا ناس!؟”.
لم يكن العجوز جنوبياً. كان شمالياً – إذا كنتم تحبون التصنيفات.
وجه “آمنة”، التي التقيتها مع فريق تلفزيون سويسري ونحن نصور فيلما عن مشكلة المياه في اليمن، في التسعينيات.
“آمنة” الطيبة، لا تعرف عدد أطفالها.
“آمنة” الطيبة، تعيش وزوجها وأطفالها، ثلاثة أو أربعة، مع بقرتهما، في غرفة مظلمة بلا نوافذ.
“آمنة” تحكي لنا عن الماء.
من منا يدرك مصاب اليمن في فقد الماء؟
“آمنة” ترسل أطفالها، كل يوم ليجلبوا لها الماء.
ساعتين كل يوم.
يمشونها كل يوم،
كي يجلبوا لها جردلين من الماء.
يشربون منهما، يغسلون منهما، ويغتسلون فيهما… ثم تشرب البقرة منهما.
هل تستشرفون مستقبل أطفال “آمنة”؟
وجه “آمنة” وأطفالها يبتسم رغم الفاقة.
طيب رغم المشقة.
ويثق بك، حتى وهي تدري أنك حتماً تكذب وأنت تواسيها أو تمنيها.
“آمنة” وأطفالها يعيشون في المناطق الوسطى – ما دمتم تصرون على التصنيفات.
ووجه الشاب، شاب يافع ويائس.
هرب من وطنه، بحثاً عن الرزق.
وطن يخيفه. لا يشعر فيه بالأمان.
فهرب من الوطن، وخلفه تسع أخوات، وأمًّا تدعو له ليل نهار.
بحث عن الرزق في أوربا.
ووجد نفسه يصنف كـ”مهاجر غير شرعي”.
يضطر للعمل “سراً”، ليستغله من يوظفه “سراً”.
ويصر على البقاء، رغم أنه يعيش “سراً”.
إلتقيته صدفة في قطار.
واكتشفت أن هويتنا واحدة.
الشاب جنوبي – إذا كنتم ممن يؤمنون بالتصنيفات.
ثم وجه الأب، ملهوف على ابنته. يحملها بين ذراعيه، وهي هامدة، هامدة. يصرخ في رواق مستشفى حكومي، يصرخ وهو ينتظر دوره، دورها، ينتظر منذ ليلة وصباح، ويرى أصحاب الواسطة يدخلون أمامه في لحظة، وابنته لا تتحرك، جثة بين ذراعيه هامدة. صرخته المحترقة لا تزال ترن في أذني إلى اليوم.
المستشفى في صنعاء – كي أذكركم بالتصنيفات.
والرجل لا أدري!
 لعله كان شمالياً! لعله كان جنوبيا! لعله كان شافعياً! لعله كان زيدياً!…
 لعله…!
لكن لوعته كانت لوعة إنسان.
وحرقته كانت في وطنه.
اليمن.
وجه الإنسان في وطني.
هذا هو كل ما أراه في هذه الأزمة التي تقف أمامها اليمن.
وجهه، ووجهها.
وجه من لاصوت له.
الفقير لا صوت له في وطننا.
المسكين لا صوت له في وطننا.
والضعيف لا صوت له في وطننا.
والمحتاج لا صوت له في وطننا.
بغض النظر عن التصنيفات.
رجلاً كان أم امرأة.
شمالياً أم جنوبياً… لا صوت لهما.
وصوتهما (هل اندهشتم؟) يبدو أيضاً غائبا في هذه الأزمة.
كم مرة تقاتلنا!؟
قبل الوحدة، وبعدها!
كم مرة!؟
في الشمال وفي الجنوب، وبين الشمال والجنوب، ثم بين اطراف اليمن الواحد.
يندى الجبين ونحن نتذكر.
لم لا تخجلون؟!
وكنا نتقاتل في كل شطر،
وكنا نتقاتل، بعضنا ضد بعضنا.
وكنا نتقاتل، الشطر ضد الشطر.
بعضنا يقتل بعضنا.
ونبرر القتل بالقتل.
وفي كل قتال كان أنين الإنسان صامتاً.
لم نسمعه، رغم الصراخ.
لم نأبه له، رغم الدماء.
واليوم أيضا نريد أن نتقاتل.
متى ستكفون عن قتل بعضكم بعضا؟!
ألم تتعبوا من الدماء؟!
يقولون إن التاريخ يعيد نفسه. وأنا أرى أن هذه العبارة محض هراء. فالتاريخ يصنعه الإنسان، وهو يختلف باختلاف الزمن والموقف ثم المعطيات.
نحن من يصنع التاريخ.
ولأننا كذلك، قررنا في مايو 1990 أن نتحد.
كان قراراً..
قراراً.
وكان قراراً لا يعتمد على معطيات موضوعية.
ففي الواقع إن التصنيفات والتقسيمات كانت دائماً موجودة، إن لم تكن في لغتنا، ففي ذواتنا.
موجودة.
لكننا قررنا أن نتناسى ذلك، وأن نتحد. هكذا تصنع الأوطان، بقرار متعمد بتكوينها، لو تدرون! أسماها اندرسون “المجتمعات المتخيلة”.
وكنا فرحين.
كان هناك أمل.
وكان هناك وعد بمستقبل.
الأمل تلاشى، والمستقبل معه.
ومن جديد نقف أمام نفق: حرب، دمار، وأنين.
ومن جديد علينا أن نختار.
فما العمل؟
لا أجد حلاً إلا في أن نقف في صف الإنسان.
صف من لا صوت له في وطننا.
وصدقوني، أن هذا الحل هو الأصعب.
ولعلي لذلك أطرحه عليكم وأنا حزينة. لأني أدري، أننا كثيراً ما نبحث عن الحلول البسيطة، نستسهل معها نحر أنفسنا بأنفسنا. ثم نفيق على الدماء.. من جديد.
لكني سأطرحه عليكم رغم الإدراك.
دعونا مرة، نكف عن الصراخ، ونرفع اصبعنا عن الزناد، ونقف أمام الأزمة، ونجد لها حلاً.
حلاً يعترف بأن هناك مشكلة في الجنوب.
وأن علاجها لا يكون بتجاهلها.
بل بإلاحترام والندية.
وحلاً يعترف بأن هناك مشكلة في كل أرجاء الوطن، لا في الجنوب فحسب. فأنين الإنسان في كل أرجائه، لم أسمعه في الجنوب فقط.
وحلاً يعترف بأننا إذا أردنا أن نتحد، فإن الوحدة لا تقوم إلا على أساس إحترام الإنسان في داخل هذه الوحدة، بغض النظر عن التصنيفات.
وأن هدر كرامة هذا الإنسان لا محالة سيؤدي إلى تشرذم الوطن، لا محالة.
دعونا نبحث عن حلٍّ يحمي هذا الإنسان.
يحمي العجوز، “آمنة” وأطفالها، الشاب، ثم الأب الملهوف، وابنته…
لأن هذا الإنسان هو من يجد نفسه دائما محشوراً في معمعة القتال، مرعوباً.
هو من يحمل في النهاية أشلاء أطفاله، ويجمعها ملتاعاً.
وهو في النهاية، من يجد نفسه مدفونا في بحر من الدماء.
نسفكها، ونحن نصرخ، كلاًّ وتصنيفه.
لو أصختم السمع، ستسمعون أنينه.
ولو دققتم النظر، سترون ملامحه.
ولذا، أسألكم من جديد: ألم تتعبوا من الدماء؟!