التعاون بين الرئيس والمجلس المحلي ينزع فتيل الاقتتال في ردفان

التعاون بين الرئيس والمجلس المحلي ينزع فتيل الاقتتال في ردفان

نبيل الصوفي:
رغم أنها تتحدث عن عبدالرحمن الجفري وأبوبكر بن فريد، كزعماء انفصاليين، مما جعل تقريرها أقرب لحديث ذاكرة توقفت عند حرب 94، فإن مراسلة صحيفة “الخليج” الإماراتية في واشنطن حنان البدري، في تقريرها عن موافقة أميركية على رعاية مصرية- سعودية لحوار بين الرئيس علي عبدالله صالح و”زعماء في الجنوبـ” قد هددت بتقريرها المشار له تواصلا غير بين صنعاء وأبوظبي ودبي بشأن مصالح اقتصادية بين البلدين.
التقرير الذي نشرته “الخليج”، الثلاثاء، جاء متزامنا مع تصريحات واتصالات دولية وإقليمية مع الدولة اليمنية تدعم بوضوح “الوحدة اليمنية”. ومع أن تلك التصريحات (أهمها التصريح الرسمي للسفارة الأميركية في صنعاء) قد نبهت اليمنيين لأهمية “التحاور الجاد حول المشكلات”، فقد قال تصريح رسمي لمصدر رفيع المستوى إن “الرئيس علي عبدالله صالح دعا اليمنيين في الداخل والخارج للحوار”، منتقدا تقرير “الخليج” التي لم تعلن الدولة التي تصدر فيها (الإمارات) أي موقف معلن وجديد بشأن الوحدة ومشكلات اليمن.
تصريح المصدر الرئاسي الذي تحدث عن الحوار، ذكَّر بكل الإعلانات الرسمية منذ الانتخابات الرئاسية في 2006، والتي انتهي أغلبها بمجرد “نشرها إعلاميا”، حتى إنها تحولت إلى أحد أسباب تنامي الأزمات، لأنها تربك المؤسسة الرسمية وتبقيها تحت التوتر والتردد، وتتحول إلى مطالب إضافي تبدو السلطة كلية عاجزة أو رافضة له.
لذا تظل الدعوة الأخيرة للحوار من قبل الرئيس، كأنها دعوة للنقاش العام لأنها لم تُعزَّز بأي خطوات تنظيمية، وهاهو اللقاء المشترك يقول إنه منذ وقع اتفاقية تأجيل الانتخابات مع المؤتمر لم يشارك في أي لقاء من أجل الحوار المنتظر مع الحزب الحاكم. وعاد الطرفان الى الحوار عبر التصريحات التي حكمت أداءهما طيلة السنوات الخمس الأخيرة، خلافا للحوارات التي أفضت لتأجيل الانتخابات والتي لم تظهر عبر أي تصريح رسمي من أي من الطرفين حتى أعلن عنها كنتيجة.
الرئيس علي عبدالله صالح، ظل يتقدم كثيرا في دعواته على المعارضة أو حتى على أصحاب الشعارات التي تدعي تبنيها مطالب محلية. ويمكن تذكر مبادرته التي لو كانت أحزاب المشترك قبلتها يومها لكان البلد قد قطع شوطا مهما وتجنب إلغاء الانتخابات عبر تأجيلها لمدة أطول مما تحتاج.
فتلك المبادرة التي تضمنت حكما محليا متقدما يدير شؤون المحليات بما فيها الأمن والشرطة، ودعما لتمثيل حقيقي للنساء، وتعديلا للنظام السياسي في أقوى سلطاته “التنفيذية” لصالح نظام رئاسي كامل وغيرها من النقاط بدا أن رفض المعارضة لها كأنه “تحليلـ” للرئيس للتنازل عنها.
وباستثناء انتخاب المحافظين (الذي مكَّن مواطنين من محافظات جنوبية وشرقية من أن يصبحون مسؤولين أُول في كل محافظاتهم إضافة إلى اثنتين من محافظات شمال الشمال هما المحويت وحجة)، فإن مشروع الحكم المحلي توقف تماما رغم تعيين نائب لرئيس الوزراء في الوزارة المختصة خلفا للوزير عبدالقادر هلال الذي اضطرت الرئاسة للعودة إليه لحل أزمة ردفان، ولكن كوسيط وليس كوزير في الحكومة.
ومع أن صعدة جربت فاعلية اللجوء للسلطة المحلية لمواجهة أعقد المشكلات مع تعيين هلال رئيسا للجنة إدارة السلام فيها، فإنها تضررت أيضا مع التوقف الكلي لبرامج الانتقال للسلطة المحلية. الاستراتيجية تكاد تكون ملغية، رغم أن التعديل الوزاري حدث بعد نصف شهر من انحياز رئيس الوزراء لها ودعم إقرارها والترويج لها. تكاد وزارة الادارة المحلية أن تكون بلا وزير (لأن الدكتور رشاد العيمي نادرا ما يداوم هناك لانشغاله بملف الدفاع والأمن كنائب لرئيس الوزارء لشؤونهما)، ليس هذا فحسب بل عادت لوضعها كأداة هامشية في بلاد كل أزماتها تاتي من المجتمعات المحلية.
طريقة حل مشكلة ردفان تؤكد أن المجالس المحلية، سواء كان أعضاؤها من المؤتمر أم من المشترك، هي أهم مفتاح ليس لحماية الوحدة من التشطير بل لتحويل هذه الوحدة إلى مصلحة ميدانية للناس وللمناطق. فقد تحقق إنجاز نزع فتيل أزمة “ردفان” بفضل التعاون بين المركز ممثلا بمنصب القائد الأعلى للقوات المسلحة والمجلس المحلي للمديرية فقد تولى الأخير توفير كل المطالب المركزية دون كلفة أمنية عسكرية باهظة الثمن: حماية الطريق العام، مواجهة تنامي المظاهر المسلحة، منع التحريض ضد الجيش والأمن في المنطقة، إيقاف التحريض على الكراهية المناطقية، وذلك بعد أن سلَّم له المركز بأهلية إدارة شؤون المنطقة مدنيا وعسكريا. حتى يدرك الناس أنهم في عهد وحدوي ولذا سُيدارون بشكل أفضل.
ملف ردفان لمن يراقبه عن قرب يقول ذلك، ولكنه يزيد أن هذا الحل لن ينهي الأزمات، لأنه حل للأزمة الإدارية في المديرية والمحافظة تلك، وهاتين ليستا كل البلاد.
وأولاً: هذه الأزمة لن تحل كليا إلا بأن يخطو الرئيس صالح خطوات تنظيمية تقوي أداء الحكومة على حساب النفوذ الذي يتنامى فوق الحد لمؤسسة الرئاسة، بالتوزاي مع خطوات تؤكد أن المجالس المحلية واحدة من أدوات النظام الحاكم، وليس شبيها بالبرلمان الذي رغم كل هذه الأزمات فإنه بقي شهرين مشغولا فقط بأزمته مع القضاء بشأن حصانة عضوه أحمد البرطي، تأكيدا على انه مؤسسة هامشية فوق الحد. فلا الرئاسة استخدمته ولا الحكومة لجأت إليه ولا هو تصدى لأي دور، رغم أنه مجمع لقوى اليمن وممثلا لليمنيين. ومن الغريب أن أبرز عنصرين في الحراك الجنوبي هما نائبان لم يكن لهما حضور قبل مغادرتهما قاعة البرلمان إلى تلك الصفوف: ناصر الخبجي وصلاح الشنفرى.
وثانيا: إن “تهديد” الاستقرار العام يتسع أكثر وأكثر، لأن الدولة منجرة وبكل قوة إلى “مطبـ” تحويل قضية الوحدة الى قضية صراعية وجدالية حتى بالنسبة لأهل الضالع بينهم البين، وحضرموت بينهم البين، وأبين بينهم البين، لأن ذلك سيجعلها وظيفة أساسية لأجهزة الأمن، وهذا أول خيط “كبة” القلق الاجتماعي التي سيتواصل تفكيكها مع كل عملية اعتقال أوتهديد، سواء من الأمن للتشطيريين، أم من الأخيرين للوحدويين، ويحول هذا الوحدة من كونها مفتاحا للاستقرار العام ينتج عنه جدوى اجتماعية واقتصادية إلى مجرد أيديولوجيا صراعية. وأجهزة الأمن دوما وفي كل مكان وزمان تُرهِق وتُرهَق، تاسيسا للفشل حين تكون وظيفتها فوق سقف مثل هذه الصراعات.
لقد أظهرت أزمة ردفان، ومن حواليها أشخاصا بدؤوا التصرف كمسؤولين في الدولة الشطرية المنتظرة وصاروا يعلنون أن “فلان قائد يافع، مثلا، ينذر قوات الشمال في يافع ويطلب منهم الرحيلـ”، وأعلنوا انضمام العميد ثابت مثنى جواس إليهم، قبل أن ينفي الأخير ذلك ويدافع عن مهمة اللجنة الرئاسية التي هو عضو فيها كأحد وجاهات ردفان في السلك العسكري. وواصلت بعض مجاميعهم التحرش بالجيش حد اقتحام أحد معسكراته، تتويجا باستهداف منزل الشيخ محمد عبدالمجيد الحريري أثناء ترؤس لحسون صالح مصلح اجتماعا الثلاثاء لما تسمى “لجان الدفاع عن الوحدة.. “.
هؤلاء كادوا يهددون المساعي التي قادتها لجنة هلال، حتى أن بيانا رئاسيا تحدث عن عودة الجيش رداً على بيان مجهول اعتبر استجابة الجيش لمطالب المواطنين إلغاء أي استحداثات جديدة لا تحدث إلا في ظروف حروب، انسحابا من قوات شماليه! مما يعكس توترا عاليا في المركز. وما لم يدرك هؤلاء أنهم سيصبحون في مواجهة مع مجتمعهم المحلي فإنهم سيواصلون أدوراهم. ولأنهم يعملون في محيط قبلي مسلح، فإن المركز أيضا سيبقى عاجزا أمامهم ما لم تصبح قضيته هي قضية أهالي المنطقة. وهنا فإن ردفان بدأت العد للسباق بين الطرفين (السلطة أو التشطيريين) من منهما سيراكم ثقة الناس به عبر ظهوره معبرا عن مصالحهم؟ ومن سيصبح مدخلا لصناعة الاستقرار، الوحدة أم التشطير؟
وبظهور طارق الفضلي في محافظة أبين -بانتظار أي إعلانات تخص موقفه مع محمد سالم عكوش الذي تداولت أخبار اسمه كقائد في الحراك عاد إلى المؤسسات الرسمية (مجلس الشورى) ويقود مفاوضات مع الفضلي للأمر ذاته- تكون محافظة أبين قد باعدت أكثر وأكثر بين الحراك وبين قوى المعارضة.
وما لم تحَّمل السلطة أحزاب المسترك مسؤولية القيام بدور ممكن تجاه تنامي الجدل بشأن الوحدة الذي تقول التصريحات الدولية، السالف الإشارة إليها، إن العالم بدأ رصد هذا الجدل والنقاش بوصفه أزمة يمنية ملفتة ومقلقة.
وتحميل المسؤولية يمر عبر الاعتراف بقدرتة المعارضة على ذلك الدور، مقابل الاستماع لرأيها تجاه الحلول، وليس عبر مزيد من الجدل معها واتهام رموزها بالفساد والانفصال أو مطاردتها في الشوارع. والاستماع لا يعني أبدا تنفيذ كل ما يتضمنه ذلك الرأي بل الحوار الجاد أولا وأخيرا.
ما لم يحدث ذلك فإن ضعف المعارضة سيزيد، ليس لصالح السلطة، بل لصالح خصومهما معا، وسيصبح “الحراكـ” هو المعارضة، لأن “المشتركـ” سيخسر كثيرا إذا لم تقدم له السلطة مساحة حقيقية يمكنه من خلالها، واعتمادا عليها، تكرار مواقف مثل موقف “إصلاح” أبين و”مشتركـ” حضرموت من الأحداث الأخيرة.
المشترك، ومع أنه لن يلتحق بالحراك، فإنه ما لم يظل على موقفه الراهن كمتفرج على السلطة وعلى الحراك في وقت واحد، فإن مواقفه وإن لم تصب لصالح “الحراكـ”، فإنها لن تكون مساندة للسلطة، ولذا فإنه، ومع انتقاده الأخير لما سماه “عسكرة الجنوبـ”، مما استفز المؤسسة الرسمية التي تعتبر هذ االمصطلح تحريضا ضد واجبها: الحماية المادية لمصالح المواطنين من أي أحداث مماثلة لما شهدته المكلا من إحراق للمحلات، وقتل واستهداف مواطنين في الضالع والحبيلين؛ فإنه في المقابل ظل حذرا مما قد يستغله الحراك –وقد آلت قيادته لخصوم المشترك- لتصويره منشغلا به ومتجاهلا لممارسات السلطة.