عالم سنان – سامي غالب

عالم سنان – سامي غالب

دُعيت مطلع مارس بوصفي صحفياً، إلى لقانظمته مؤسسة فريدريتش آيبرت في مقرها الكائن في واحد من أعلى بيوت صنعاء القديمة (حي الزمر) مع برلمانيين المان من احزاب الديمقراطي والخضر والليبرالي، رافقوا المستشار شردورد في جولته العربية. أراد هؤلاء قبيل مغادرتهم بساعة لمحة خاطفة عن الصحافة اليمنية، وقد كان. ثم سال احدهم عن ملابسات قضية الزميل الخيواني الكان ساعتها وراء القضبان حبيساً ما يزال. وطلب آخر تأكيداً لما يراه من مظاهر حياة ديمقراطية خاشياً من أن تكون مجرد خداع بصري»! قبل أن تباغتني برلمانية ستينية بسؤال غريب: «إلى أي مدى يحب اليمني بلده؟».
ترى ماذا رأت وسمعت لتطرح سؤالاً كهذا؟ حدثت نفسي… أوضحت أن المقام والزمان لا يتيحان الخوض في موضوع يستدعي ابحاراً في التاريخ فيما هي مدعوة للعودة إلى المستقبل، وأبلغتها بجمل قصيرة أن اليمني يحب وطنه، حد التعصب أحياناً والكبر المرضي، لكنه غالباً ما ينفر من دولته.
«ربما لأنه يبغض دفع الضرائب،، علقت مازحةً، لافتة إلى أحد المنغضات الباقية في دولة المواطنين (دولة الحكومة الأقل حكماً) في المجتمعات الديمقراطية. وكان عليَّ أن اتذكر مغصوصاً أن نفور يمنيين من دولتهم مرده حرمانهم من الامتيازات والمخصصات لا إجبارهم على سداد الضرائب.
استعدت سؤال التي عادت إلى المستقبل في قلب اوروبا العجوز، وأنا أبحر في الماضي مقلباً صفحات الجزء الثالث من مذكرات الشيخ سنان عبدالله أبو لحوم الذي صدر مؤخراً عن مؤسسة العفيف الثقافية وأهدانيه الباحث عبدالكريم قاسم سعيد الذي اشتغل على مدى سنوات ست على تحرير مذكرات باجزائها الثلاثة، مع وعد قريب بانجاز الجزء الرابع والأخير من مذكرات واحد من أهم الفاعلين في صوغ حياة اليمنيين منذ ثورة سبتمبر 1962 في شمال اليمن.
 
سامي غالب
[email protected]
 
 
 

1- ألف شجرة ومؤامرة

يغطي الجزء الثالث زمنياً الفترة 74 -1990، لكنه موضوعياً من حيث اهتمام صاحبه ومحرره (وقارئه كما أزعم!) يكاد ينصرف إلى سنوات «الجمهورية الثالثة» الأربع (74-1977) آية ذلك أن المحرر قدَّر إعادة نشر الفصل الأخير من الجزء الثاني كاملاً كفصل أول في الجزء الثالث، لتقديم حركة يونيو التصحيحية كوحدة واحدة، موضوعياً وزمنياً. وآية أخرى أن الجزء الثالث الذي يقع في 649 صفحة، نصفها مخصص للوثائق الملحقة، يكرس 239 صفحة للسنوات الأربع الاولى، مقابل 120 صفحة فقط للسنوات 78-1990، وكان الأحرى، في نظري، بالنظر إلى خلو هذه السنوات ال13 من أحداث تستحق إشغال القارئ بها، أن يكتفي المحرر بإخطار القارئ بأنه «لم يحدث فيها ما يوجب الرقم والاثبات بالرسم»، كما كان يفعل مؤرخو القرون الغابرة!
يحمل الجزء الثالث، كما سابقاه، عنوان «حقائق ووثائق عشتها» وقدَّرت فور انتهائي من قراءاته أنه عنوان بارد لا يقبض على تلك الروح الساخطة التي هامت في واسطة السبعينيات بين صنعاء ونهم وملح وخمر، ثم ذهبت بعيداً في انتقامها من «الولد الحبيب ابراهيم»، حد التحالف مع كل الاعداء ضده.
ولقد تعجبت لقول المحرر في مقدمته أن صاحب المذكرات لزم الحياد الايجابي في الصراع بين إبراهيم الحمدي وخصومه «لأن دفة الصراع كانت بيد طرف ثالث سرعان ما حسم الامور لصالحه بقتل الرئيس الحمدي بطريقة اذهلت الجميع، وأثارت مشاعر الاستنكار». فالحقائق والوثائق التي عاشها «العم سنان» في جزئها الثالث، علاوة على عديد الروايات المنشورة والشفهية لآخرين، لا تؤكد ما ذهب إليه، فالشيخ اختلف مع قائد التصحيح بعد أسابيع من حركته، قبل أن يحول اختلافه إلى نأي ثم مناوأة فانكباب المخلص، بخاصة في الشهور الأخيرة من عمر الحركة، على الإطاحة بقائدها، باعثاً باقتدار روح مؤتمر خمر ضد الابن العاق!
أما مشاعر الاستنكار والذهول التي اثارتها جريمة اغتيال الحمدي فلا يبين لها أثر في مذكرات الشيخ، كما في مذكرات أخرين ناصبوا الحمدي العداء في حياته، ما يشير إلي أن الصداع الذي سببه لرجالات الثورة وشيوخها مزمن لا براء منه.
يمثل الجزء الثالث اهمية استثنائية لأنه إذ يشيد بنيانه على أكوام من الرسائل التي تلقاها الشيخ من عديد الاطراف، وبخاصة من الشيخين عبدالله الأحمر ومجاهد ابو شوارب، فانه يقدم سنوات حركة يونيو، المتكتم عليها محلياً واقليمياً، من زاوية كتلة خمر التي انقضت على الحكم إثر هزيمة يونيو 1967، وتقوضت أعمدتها بدءاً من يونيو 1974 رغم تصورها بانها تشرعن بقائها باسم التصحيح تارة وباسم إحياء مبادئ سبتمر تارة أخرى.
يتوزع أطراف كتلة خمر على مشائخ وقضاة وعسكر (سبتمبريين ونوفمبريين) ومثقفين، من ورائهم جواسيس وخزائن وسفراء وآمراء. هؤلاء هم «عالم سنان» في عهد الحمدي، أغلبهم تنتظم حركته داخل مثلث قاعدته الأرض المحرمة بين الجوف وخمر، وقمته الارض المقدسة حيث التعاليم تترى من الأمير سلطان بن عبدالعزيز أو بوساطة الأمير خالد السديري والملحق صالح الهديان، وفي حالات عصيَّة على التأويل يمر النصح و الحفز والتحريض عبر عبدالملك الطيب وحسين المسوري وآخرين.
«عالم سنان» في سنوات الحمدي غيره لدى مئات الآلاف داخل مثلثه، والملايين خارجه، إنه عالم قاس جهم، متبطل، مستنقع في الدسائس والمؤامرات والأحقاد، متوتر في حدة بين جنون العظمة والتبخيس الذاتي. خذ مثلاً رسالة المسوري إلى الوالد سنان في 6 يناير 1976، يصف فيها الوضع بأنه «أسوأ وضع عرفته اليمن»، متهماً تيارات تحاول أن تجر البلاد إلى مهالك باسم التصحيح وبناء الدولة، ثم يناشده أن يعجل المراسلة مع الإخوان في المملكة، خالصاً إلى أن «الأمور خطيرة جداً، وكل يوم ينمو فيه هذا المغرور (يقصد الحمدي) يصبح من الصعب إذا تم التمادي» (كذا! لعله قصد تمادي الحمدي في تعظيم نفوذه).
خذ مثلاً ما قاله الشيخ مجاهد بعد إقالته في مايو 1975 بأسلوب جارح من منصب نائب القائد العام في رسالة إلى سنان: «ظهرنا هياكل متحركة (عاجزين) عن اتخاذ أي موقف».
أو الرسالة التي بعثها عبدالملك الطيب للشيخ مجاهد في 9 يوليو1977 يحفزه على التدقيق في قصة وصول باخرة إلى الحديدة تحمل اسلحة سوفيتية، ومن جملة حمولتها 12 طائرة، قبل أن يحثه على الاسراع من أجل إبلاغ المسؤولين هنا (أي في قمة المثلث) لأنها أحسن دليل (ضد الحمدي). كذلك تجري الاحداث في «عالم سنان» بشخوصه الممسوسين بشيطان «التعاوني الأول»، حتى إنه يستحق أن تتوزع فصوله على عناوين من شاكلة «الأحمر والأسود» و «مغرور أفقدنا صوابنا.. فقتلناه»، و«أعدئي الذين صادقتهم» و«الشيخ عبدالله الأحمر من رسائله»، الشيخ الذي يتعذر على الشيخ سنان -في واحدة من صيغه الماكرة- إيجاد بديل له في قبيلة حاشد! وعلى الجملة فإن الغلاف الأمامي للكتاب خليق بعنوان «ألف شجرة ومؤامرة» فرئيس الدولة الشاب ذو الظل الأخضر الذي أوقف مخصصات أصحاب الامتيازات، لبَّى بوصفه رئيس لجنة التشجير طلب العم سنان إرسال الف غرسة إلى مكان إقامته في نهم، وما كان له أن يحصد إلاّ مؤامرة أكلت أيامه الخضر!

> العدد (11)، 25 مايو 2005م

 

 

—————————
 
 

2 – دولتا المقدم والنقيب!

يقدِّم “عالم سنان” فصلاً مثيراً، في رواية لما تكتب خاتمتها بعد، في علاقة القبيلة بالدولة في شمال اليمن، وفي دولة الوحدة من بعد. في هذا الفصل يظهر دوران من أدوار هذه العلاقة: الأول يتخذ نمط الدولة داخل الدولة، والآخر يدنو من نمط الدولة خارج الدولة. والصراع يدور بين إرادتين من أجل دورين آخرين: أرادها المقدم إبراهيم الحمدي دولة مواطنين وأرادها خصومه دولة نقباء ومقدمين. وتمثلات هذه الإرادة الأخيرة تبرز جلية صارخة، وأحياناً فضائحية، في الجزء الثالث من مذكرات الشيخ سنان، الذي يُزوٍّد الباحثين والقراء، بخاصة من الجيل الذي لم يعش تلك الفترة، بأدوات إضافية عالية القيمة والكفاءة، لقراءة الماضي واستكناه الحاضر والإمساك بالمستقبل، أو على الأقل ملامسته!
بعيداً عن الملاحظات الفنية والأحكام القيمية والتحيزات السياسية والايديولوجية، يكون من الانصاف إسداء الشكر لصاحب المذكرات الذي أقدم حيث أحجم عشرات غيره، متوغلاً في منطقة المحرم والمكبوت في الخطاب السياسي، وما قد يجره ذلك عليه من ضغائن وعداوات.

<<<
يبدأ الشيخ سنان قصته مع حركة يونيو بإماطة اللثام عن تجمع سري نشأ في خريف الجمهورية الثانية، ضم إليه، ابراهيم الحمدي ومحمد سالم باسندوه وحسين المسوري والشيخ احمد المطري والقاضي عبدالله الحجري وأحمد دهمش وعبدالله الأصنج. يسكت الشيخ, وغالباً ما يسكت بعد أن يبدأ في عديد الأماكن من هذه المذكرات، عن الآخر الذي استهدفه هذا التجمع وعن المآل الذي صار إليه، مكتفياً بالإشارة إلى طابعه السري الذي اقتضى أسماءً كودية (حركية) واجتماعات تجري في الخفاء في واحدة من الدويلات المزدهرة داخل دولة القاضي الارياني.
يلفت العم سنان إلى علامات وإشارات على طموح الحمدي ومناوراته البارعة التي مكنته من إخفاء دوافعه على شتيت الأطراف التي كانت تتحفز للانقضاض على القاضي الارياني الزاهد في الحكم والبرِم من ابتزاز مراكز القوى المشيخية وتحرشاتها.
استطاع الحمدي قبيل شهر من وثوب الجيش إلى الحكم أن يغدو القطب الذي يجذب الجميع إلى مجاله، وهو تمكن من استمالة القاضي الإرياني في معركة تعظيم الفرص التي خاضها ضد العقيد محمد الارياني القائد العام للقوات المسلحة والعقيد حسين المسوري رئيس هيئة الأركان. وقد أمكن له في غياب الاثنين خارج البلاد، الترتيب, بمساندة من “العم سنان”، لتسليم السلطة إلى الجيش، مستبقاً انقلاباً آخر يرتب له الشيخ الأحمر والمسوري، طبق تقارير وتحليلات صحفية غداة الحركة.
استقال الارياني واضطر إلى الاستقالة معه أربعة شيوخ يمسكون بأسباب القوة هم: الشيخ الأحمر رئيس مجلس الشورى, والشيخ عبدالله أحمد المطري عضو المجلس والشيخ نعمان قائد بن راجح والشيخ سنان محافظ الحديدة (أو حاكمها في لغة معلقي الصحافة العربية سنتذاك).
عند هذه اللحظة الفاصلة يفضل صاحبنا الذهب إذ يمتنع عن الافصاح عن صاحب فكرة استقالة الشيوخ الأربعة ودواعيها، الاستقالة التي وصفها البردوني في كتابيه “اليمن الجمهوري” و”الثقافة والثورة في اليمن” بأنها أغرب استقالة في التاريخ اليمني. وهو قدم تفسيراً مغايراً للرواية المعممة عن حيثياتها، مستنداً على الأرجح إلى شهادات شفهية، فالرئيس الارياني اشترط تقديم استقالة جماعية إلى الحمدي باعتبار أن الحكم كان جماعياً منذ 5 نوفمبر 1967، مضيفاً أن الإرياني عندما عرف دوافع طُلاَّب استقالته أقالهم معه “حتى امتد أثرها عليهم إلى الآن (عام 1991)، إذ فقدت المشيخات أكثر أبهتها من ذلك الحين”.
في 13 يونيو ذهب الحمدي والعم سنان إلى القصر الجمهوري لمقابلة الرئيس الارياني الذي كان مطالباً بالاستقالة من الشيخ الأحمر، ومهدداً من قبائل حاشد باجتياح صنعاء. أبلغ الارياني ضيفيه” لا أرضى أن يسفك دم من أجلي… وهذه استقالتي”.
قال له الحمدي -طبق رواية الشيخ سنان: “نحن جنودك(…) وتحت أوامرك، ولا نريد أن نفرض عليك أي شيء”، وقال له سنان: “هذه استقالتي أرجو أن تعمِّدها قبل استقالتكـ”. عمَّد القاضي استقالة الشيخ التي أذيعت قبل استقالته، وكلَّف الحمدي بأعمال الرئاسة. ذهب الشيخ سنان رفقة الشيخ المطري إلى “خمر” لتسليم استقالة القاضي إلى الشيخ عبدالله الأحمر الذي أيَّد تكليف (العقيد) ابراهيم الحمدي القيام بأعمال الرئاسة. قدم الشيخ عبدالله الأحمر بدوره استقالته إلى العقيد الحمدي وقادة الجيش، وجاء في خطاب استقالته ما يشي بانزعاجه من صيغة حل الأزمة السياسية التي كانت تطبق على الوضع السياسي، فقد كتب: وأنا من جانبي أقدم إليكم استقالتي من (رئاسة) مجلس الشورى وذلك إخلاصاً مني لتجنيب البلاد الأزمات، ولكي لا يقال إننا هواة مناصب أو مختلفين على المناصب، ونحملكم مسؤولية الحفاظ على الأمن والاستقرار في البلاد.
بعدسة مفرقة، لا مجمعة، تتناول مذكرات الشيخ سنان لحظة وثوب الجيش إلى الحكم. فإلى غياب الإحكام في عرض الوقائع في سياقاتها، لا تنضبط الصيغ درءاً للتأويل، وتُستبطن أحداث وقت لزوم ما يلزم من إفصاح عنها.
ما تكاد تخفيه المذكرات هو انقسام رجالات حركة نوفمبر 1967 على عديد المستويات أظهرها توزعهم على تيارين: محافظ، مرموزاً إليه بالشيخ عبدالله الأحمر والقاضي الحجري والعقيد حسين المسوري؛ ومعتدل يمثله القاضي عبدالرحمن الارياني وبيت أبو لحوم. بين هذين التيارين يتأرجح موقع ابراهيم الحمدي في “عالم سنان”، لكن الحمدي منظوراً إليه من قوى اليسار كان منمَّطاً في صورة “الذراع العسكري” للجناح الاقطاعي القبلي، واستمرت هذه الصورة، المريحة لمصمميها، مهيمنة على الخطاب الاعلامي لقوى اليسار حتى ربيع 1975.
الصراع بين دولة المقدم ابراهيم الحمدي ودولة النقباء نشب في اليوم التالي لحركة التصحيح، عندما أصدر الأول عدداً من القرارات أهمها تجميد مجلس الشورى وتعليق العمل بالدستور وحل الاتحاد اليمني (الأداة السياسية القعيدة للنوفمبريين)، مبلغاً العم سنان قبل إعلانها:” إذا أردتموني في الحكم فلا تجعلوني مسخرة، واتركوني أتخذ قراراتي”. بعدها بأربعة أيام أقال العقيد محمد الارياني وحسين المسوري من موقعيهما، وعين الأول سفيراً في باريس والثاني سفيراً في القاهرة. وماهي إلا أيام حتى خرج الشيخ سنان من العاصمة مغاضباً لأن الحمدي لم يأخذ بتصوراته حيال تشكيل الحكومة الأولى للحركة التي رأسها محسن العيني (صهر الشيخ والشخصية السياسية المرموقة عهدذاك).
في خلافه مع الرئيس الحمدي يلاحق العم سنان الذهب فيسكت عن التفاصيل، وفي خلاف الحمدي مع الشيخ الأحمر يقنع بالفضة مستغرقاً بالتفاصيل.
بعد ثلاثة شهور من رئاسة الحمدي طلب الشيخ سنان السماح له بإصدار صحيفة، فأشر الحمدي على طلبه أنْ “لا مانع على أساس الالتزام بالسياسة الاعلامية للدولة”. يقرر العودة إلى نهم بسبب مكالمة هاتفية مع الحمدي أزعجته (لماذا؟ ليس من شأن القارئ أن يعرف!)، لكن الحمدي الحريص على مودة العم سنان يرسل إليه بعد يومين موضحاً أن حماسته في مخاطبته نابعة من شعوره بالمسؤولية، ثم إنه يلاطفه ببيتي شعر تذيبان الحجر:
فليتك تحلو والحياة مريرة
 وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر
 وبيني وبين العالمين خراب

العم سنان لا يرضى عن “الولد ابراهيم” فيغادر إلى القاهرة نهاية 1974، غير راغب في العودة (وطبق رواية الدكتور محمد علي الشهاري في كتابه ” رسائلي إلى الشهيد الحمدي” أبلغ سنان سياسيين ومثقفين لاجئين هناك أن الحمدي عازم على فرض مشروعه السياسي، وأن الشيخ عبدالله الأحمر سيكون التالي في الخروج بعده من السلطة).
أعرب الشيخ غير مرة عن عزمه البقاء خارج البلاد، لكنه مالبث أن عاد في يناير 1975، بعد وساطات ومناوشات، ليشارك فور عودته في اجتماع سري ضم أيضاً أحمد جابر عفيف ومحمد الرباعي ومحمد الفسيل وآخرين (الأرجح أنهم عسكريون يدينون إليه بالولاء) خصِّص لدراسة الموقف! وطرح في الاجتماع من البعض تدبير انقلاب للإطاحة بالحمدي “لأن قوتنا أكبر من أية قوة أخرى، فأغلب وحدات الجيش بيدنا”، وكان رأي الشيخ سنان “أن نستقيل جميعاً من السلطة”، لكن المجتمعين توافقوا على أن يستمر هو منسحباً من السلطة ويستمر الآخرون في أعمالهم.
لم يترك الحمدي زمام المبادرة في يد المؤتمرين عليه فأقال رئيس الحكومة محسن العيني (يناير 1975) ورئيس المحكمة الخاصة بالمخربين القاضي غالب عبدالله راجح (فبراير) وواصل تحجيم مراكز القوى باسم التصحيح وبناء الدولة المركزية، متخذاً في 27 ابريل 1975 خطوة حاسمة في مسيرة احتكار الدولة لوسائل الإكراه المادي بإقالة محمد ودرهم وعلي أبو لحوم من قيادة اللواء السادس ولواء تعز والاحتياط، وتعيين أحمد فرج وحمود قطينه وعلي عبدالله صالح بدلاً منهم. وفي 29 ابريل يرقي أحمد حسين الغشمي نائباً للقائد العام وعلي صلاح قائداً لقوات المجد، فيخرج الشيخ الأحمر غاضباً إلى خمر، ويرسل إلى “العم سنان” ملحاً على الاسراع في التفاهم لأن الموقف يقتضي ” التحديد لا التمطيط(…) والمصارحة لا المصالحة”.
<<<
يبقى في الصراع بين دولة المواطنين ودولة الامتيازات (وهو صراع ممتد، وماثل بوجوه ووجاهات وواجهات مموهة في اللحظة الراهنة) مشهد جدير أن يكون موضع التفاتة، فالحمدي خسر يحيى المتوكل أخلص أصدقائه وأقربهم مودة إليه عند احتدام خلافه مع الشيخ الأحمر، ففي إبريل 1975 ضاق المتوكل بمسائل “السياسة السافلة” على حد تعبيره في رسالة إلى الوالد سنان، باح فيها، أيضاً، برغبته في البحث عن مخرج من عمله (كوزير للداخلية). وطبق رواية استمعت إليها من صديق مشترك لهما عايش الساعات الأخيرة السابقة على الإقالة، أصر المتوكل على تلبية مطلب الشيخ الأحمر بإعادة مجلس الشورى برئاسته، بينما وافق الحمدي على إنهاء تعليق مجلس الشورى شريطة أن يعمل برئاسة جديدة. رفض وزير الداخلية الحل الوسط فأقاله رئيس مجلس القيادة، وعينه سفيراً في واشنطن. ومن بين أولئك الذين فقدوا مواقعهم في “عهد التصحيح” تجمل المتوكل بالسماحة والترفع عن الصغائر, وهو أخذ على الحمدي (في حديثه المطول للزميل صادق ناشر) استعجاله إنجاز مشروع دولة المواطنة، وهذا مأخذ ذو وجاهة على أية حال إذا ما قيس بمقولة صادرة من ضفة أخرى تزعم أن الحمدي كان بطيئاً بأكثر مما تحتمل أشواق الناس، وهذا مأخذ قوى اليسار المأخوذة حينها بنماذجها القريبة والبعيدة، والمنغمسة في رومنسيتها حد ادعاء الاصطفاء واحتكار الوطنية بتسمية نفسها ممثلاً شرعياً وحيداً لمطالب الجماهير.

> العدد (12)، 1 يونيو 2005م

 
 
 

—————————

 
 

3 – صعود الهامشيين

 دار الصراع بين دولة المقدم إبراهيم الحمدي (دولة المواطنين الموعودة) ودولة النقباء والمقدمين (دولة الامتيازات المهدَّدة) في ظل فاعل اقليمي منفرد باليمن هو السعودية، حرص المتصارعون على استرضائه ومن ثم استمالته ضد الآخر. وقد استخدم كل طرف الأسلوب الذي يخدم أهدافه: ذهب الحمدي إلى المواطنين، وذهب مناوئوه إلى الامتيازات. احتاج الحمدي الأموال السعودية لتعزيز ثقل المواطنين، واحتاجها خصومه لاستقطاب أصحاب ” الامتيازات المتبخرة” وإغراء كبار معاوني الرئيس، أو شراء صمتهم على الأقل.
<<<
في عالم سنان الجهم، المتوتر في حدة بين جنون العظمة والتبخيس الذاتي، والذي ينتظم شخوصه في مثلث قاعدته الأرض المحرمة وقمته الأرض المقدسة، نشاهد جلياً حركة الطرف الثاني، لكننا لا نقع على حركة الطرف الأول حتى في اشارات خاطفة، فموضع وجهة صاحب المذكرات ومحررها (وناشرها على ما رشح من تمتمات المقربين) شغل الألباب عن أشياء جديرة أن تكون موضع التفاتة، ولئن كان الشيخ سنان صادقاً في كل ما قاله، ذلك ترجيحي، فإنه لم يقل كل ما ينبغي قوله، وهذا يقيني. لست أشكك في أمانة روح السارد بقدر ما أريد لفت الأنظار إلى عوار التصميم (التصميم التحريري أقصد) ونصح المصممين على حجب الحقائق عن أجيال جديدة من اليمنيين.
كيفما كان الأمر، فمن المحتمل أن ينصرف حكم القارئ لوقائع وحادثات غير محكومة بسياق ولا هي محمولة بصياغة محكمة، إلى أن احتراب الفرقاء انحصر في رأس هرم الدولة بين قائد عسكري شاب مقامر نزَّاع إلى تركيز القوة في قبضته وبين شخصيات سياسية تقليدية تُغالب من أجل بقائها في السلطة.
يحسب للشيخ سنان تقديمه عالمه من غير رتوش. لم يدَّع، مثلاً، أنه فارق الحمدي بسبب طابع حكمه العسكري أو عدم قبوله بمأسسة البلاد وتوسيع المشاركة الشعبية، كما فعل عديدون من مجايليه ومريديه توسلوا الفضيلة (وهي في هذه الحالة الديمقراطية) ملاذاً أخيراً لتبرير خطاياهم أثناء عهد الحمدي وبعده. أفصح العم سنان من دون أن يحرك شفتيه، أنه وآخرين قاتلوا الحمدي من أجل القوة (وما تدره من امتيازات خاصة)، وهم فكروا مبكرين بتدبير انقلاب ضده فعاجلهم بضربات متتالية شلَّت روح المبادرة لديهم، فسلَّموا أزمتهم للمستوين على عرش المثلث. هذا التسليم بالكلمة السعودية يتجلى في رسالة الشيخ مجاهد إلى الشيخ سنان (30 يونيو 1977م) يطلعه فيها على الجهود التي بذلت في المملكة لكشف حقيقة الرئيس الحمدي ومخططاته السرية، قبل أن يضيف أنه ” إذا توفرت القناعة لديهم بسوء الرجل ووضعه فلن يتأثروا بكلامه ( عند زيارته لهم بعد يومين)، وإن بقي لهم أمل فيه فلن نقدر على فرض شيء يخالف ما عندهم”.
انزعاج الشيخ سنان وأعدائه، الذين صاروا حلفاءه، من ابراهيم الحمدي لم يكن سببه تركيز القوة في يديه، بل نزعها من أيديهم. وتفيد الرسائل المتبادلة في المذكرات مدى ازدراء مراكز القوى (وهذه نزعة انسانية ترقى إلى القانون) للناس العاديين، بدءاً من رجال القبائل البسطاء “الخفيفين” -على حد تعبير الشيخ الأحمر -إلى الجهلة والحاقدين والمولدين والمعقدين وأعداء الثورة!
<<<
لايتصدى الشيخ سنان للاضطلاع بدور المؤرخ، وما ينبغي له. وإضافته في التاريخ تقتصر على شهادته على مرحلة كان فاعلاً في صوغ أحداثها، فالسياسي، كما يقال، مؤرخ اللحظة الراهنة. من هذه الزاوية يكتسب الجزء الثالث من المذكرات قيمته العالية، على الرغم من القصور الذي يعتري تحريره، بخاصة لجهة الإبقاء على الوثائق، وجلها رسائل من الشيخ وإليه، مادة خام غنية في محتواها لا ريب، لكنها لا تستغني عن معالجتها وغزلها لكيما يخرج الكتاب نسيجاً متماسكاً ينفع القراء.
الصراع على القوة بين الرئيس الحمدي ومناوئيه يظهر عارياً في المذكرات. عدا ذلك لا يكاد القارئ يعرف حيثيات الموقف المتصلب للعم سنان من الولد إبراهيم، ما يترتب عليه قدر جسيم من الضيم يحل بالأول الذي لا يفسح لقارئه فرصة تعاطف أو تفهم على الأقل، للوجهة التي قرر المضي إليها في السنة الاخيرة لعهد التصحيح، تلك الوجهة التي أخرجته، بعد استشهاد الحمدي، من الأرض المحرمة إلى الديار المقدسة التي لم تبارك خطاه ولا بادلته الثقة على ما تظهره رسالة الشيخ الأحمر إلى الامير سلطان بن عبدالعزيز في 28 ديسمبر 1977، وفيها يستعرض الجهود التي بذلها مع “الوالد سنان” لتوحيد الصف القبلي في مواجهة الحمدي، مبيناً أن الوالد سنان كان له شرط وحيد:” العمل على إزالة عدم الثقة بينه وبين المملكة”، وهو الشرط الذي التزم الاحمر بتحقيقه. يواصل الأحمر إطلاع الراعي الإقليمي على عدالة موقف حليفه المحلي: انقطعت علاقة الشيخ سنان بـ”صنعاء” (التي ترد في بعض الرسائل بوصفها عاصمة الأعداء)، وفُصل إخوانه وولده، ومنعوا من العودة إلى اليمن، وبقي هو وأخوه محمد في نهم لا يقدرون على دخول صنعاء أو الخروج إلى الخارج، وقطعت مصالحهم التي كانت باقية، ثم دفعناه لزيارة في موسم الحج وللعلاج ( لتكن) مناسبة اللقاء بكم والتفاهم بشكل أكبر وأوضح “.
ولأن موقف المملكة كان ما يزال متحفظاً تجاه سنان، وقد طلبت منه مغادرة الديار المقدسة إلى تركيا وحظرت عليه العودة إلى اليمن، يستطرد الشيخ الأحمر في رسالته إلى الأمير سلطان، شارحاً هذه المرة عدالة موقفه هو، قائلاً:” هذا الموقف يعتبر إحراجاً وكسيفة، فالرجل حدد موقفه اعتماداً على وعدي له بتحسين علاقته بالمملكة، وتعرض نتيجة لموقفه للإيذاء هو وإخوته وانقطعت مصالحهم التي كانت تأتي إليهم”.
<<<
 من بين أولئك الذين أمسكوا بنواة الصراع، لا بقشوره بين الحمدي ومراكز القوى داخل الدولة، القاضي عبدالرحمن الارياني الذي كتب رسالتين في أواخر مايو 1975 إلى الشيخ سنان يحيي فيهما موقفه المتعقل والمشرِّف من الاجراءات التصحيحية للرئيس الحمدي، ويقول في إحداهما إن العجب أخذ منه كل مأخذ ” حين بلغني أن الولد الشيخ عبدالله الأحمر والولد مجاهد أبو شوارب قد أرادا أن يجرَّا اليمن إلى فتنة تسفك فيها الدماء وتنتهك الحرمات لأن التصحيح قد تناول بعض مراكزهم أو مصالحهم”، ويفيد الارياني الشيخ سنان، المتعقل حينذاك، بأنه وجه رسالة إلى الشيخ عبدالله ينصحه فيها بالتعاون مع القيادة ” وتناسي المصالح الشخصية في سبيل مصلحة البلاد”.
<<<
لا تكاد تظهر في المذكرات أية علامات حياة خارج “عالم سنان”، ولولا رسالة وردت من أل البخيتي في إب بتاريخ 26 إبريل 1976، تشكو إليه أم ولده حميد التي خرجت حاملة سلاحها لتهديد العاملين على شق طريق فرعي يؤدي إلى منطقة الصلولة، ضمن مشاريع هيئة التطوير الأهلي، لما عرفنا بوجود الحركة التعاونية، أبرز معلم في عهد الحمدي.
في مسيرته لبناء الدولة المركزية وترسيخ قيم المواطنة لم يكتف الحمدي بإزالة التيجان من قصور الدويلات المهابة داخل دولة الارياني المضعضعة، بل ذهب إلى تقويض أعمدتها في مناطق نفوذها التقليدي، وقد كرَّس جهده في توطيد تجربة فريدة عاشها شمال اليمن خلال السبعينات، وهي الحركة التعاونية. أراد وطناً كبيراً ومهاباً ووطناً صغيراً وسعيداً في آن، ولأجل ذلك تعهد أن يضع الحركة التعاونية في المرتبة الثانية بعد النظام الجمهوري في أولوياته ( تعهد مثير للدهشة والاعجاب إذ يصدر من سياسي جاء إلى الحكم بانقلاب عسكري ويستظل بشرعية ثورية في منتصف السبعينيات).
في عام 1975، انعقد المؤتمر الثالث لهيئات التعاون الأهلي والتطوير في تعز بمشاركة 351 عضواً يمثلون 117 هيئة منتخبة بالطرق الديمقراطية المباشرة. تقدم أكثر من ثمانية وزراء ونائب لرئيس الوزراء وعدد من المحافظين للمنافسة على عضوية الهيئة الادارية للاتحاد العام. سقطوا جميعاً في الانتخابات ما يؤكد البعد الاجتماعي الشعبي والديمقراطي للحركة التعاونية، على ما يقول حمود العودي في كتابه ” التنمية وتجربة العمل التعاوني في اليمن”، الصادر عام 1977.
يُمسك العودي في كتابه بالأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية للحركة التعاونية، خصوصاً في المناطق القبلية الخاضعة تاريخياً لسيطرة مراكز القوى المشيخية، فيلفت إلى أن الصورة هناك تغيرت إلى حد لا يصدق، فصار ارتداء السلاح الشخصي في الأوقات العادية ” من الأمور غير اللائقة التي يحس فاعلها بالخجلـ”.
 ثم إنه يقبض على روح انتماء المواطنين إلى دولتهم إذ” يبدي الناس استعداداً كافياً لتقديم المساهمات المادية العقارية التي تقتضيها المصلحة العامة كالساحات والطرق والمنازل، وأحياناً بدون مقابلـ”. هاهنا لا يبغض اليمني دولته، بل يسهم معها راضياً في تنمية بلاده.
يرصد العودي، المدهوش، المشاريع التي تحققت على يد الحركة التعاونية المستقلة تماماً عن سلطان الدولة، هاكم بعضها:700 طريق فرعي يتجاوز طولها 6000 كم؛ بناء وتشييد 680 مدرسة ابتدائية؛ 850 مشروع مياه؛ 23 مشروع مياه رئيسياً في المدن الرئيسية لثماني محافظات قامت الحركة التعاونية بتنفيذ 18 مشروعاً بمفردها، وشاركت الدولة في ثلاثة منها، وانفردت الدولة بإنشاء اثنين فقط (ص 139).
يستدرك الباحث غير المصدق ما تراه عيناه موضحاً أن 50% من الهيئات في مختلف المحافظات لا تندرج منجزاتها ضمن الاحصاءات السابقة، ثم يستطرد مشيراً إلى أهمية هذه المشاريع التي تنتشر في مناطق بأعماق الريف ما كان مقدراً لأية جهود رسمية أن تصل إليها حتى في المدى البعيد! ويزيد: أنجزت بحد أدنى لا يصدق من التكاليف الفعلية لأن توفير مواد البناء والتجهيزات يتم في معظم الحالات بدون مقابل.
وفي الأبعاد السياسية ينوه العودي بالتقاليد الديمقراطية التي تمخضت عنها التجربة التعاونية “التي عملت وماتزال على إزالة الولاءات الشخصية ذات الطابع القبلي (…) وإبدالها بتقاليد المواطنة لكل فرد، وتعويده على ممارسة حقوقه المدنية والسياسية بعيداً عن المؤثرات التقليدية السالبة”.
والنقطة الحاسمة في الموضوع برمته والتي تجلي أهم أسباب الصراع بين الحمدي وحلفائه المفترضين، أن الأجهزة المركزية المنتخبة لهيئات التعاون في المحافظات تملك القدرة الكاملة علىالتصرف والادارة والاشراف (على شؤونها)، غير متأثرة بأية اعتبارات تتصل بالعلاقات المباشرة لأجهزة الدولة بالمواطنين سلباً أو ايجاباً. والمغزى أن الحمدي كان يعمل، حثيثاً ولكن أكيداً، على نقل القوة إلى الناس العاديين «الخفيفين والمغرضين والحاقدين»، ليس من أيدي مراكز القوى فحسب، وإنما أيضاً من يد السلطة الحاكمة ذاتها! وقتها كان الهامشيون وهم الأغلبية الساحقة من اليمنيين يتقدمون لأول مرة لاحتلال موقع لهم في المشهد السياسي الذي احتٌكر على مدى عقود طويلة من قبل أقليات حكمت باسم الدين أو العرف أو الثورة.

> العدد (13)، 8 يونيو 2005م

 
 
 
—————————
 
 

4- من أساء استوحش

في “عالم سنان” المحشور داخل مثلث قاعدته الأرض المحرمة وقمته أرض الحرمين، ويتوزع شخوصه الممسوسون على شيوخ وعسكر وقضاة وديبلوماسيين وأمراء، لا مكان للناس العاديين. هؤلاء إذا ذكروا فبوصفهم خفيفين، حاقدين، مولدين، لا تسعهم “دولة الامتيازات”، ومُذ وقعنا عليهم صدفة عرفناهم فاعلين في “دولة المواطنين” الموعودة التي كفت أن تكون وعداً محركاً، وتحولت في لحظة ماكرة إلى مؤودة مابرحت تستثير مشاعر الحنين لدى أنصارها.
<<<
لا مكان للشاعر في “عالم سنان” ولئن حضر مرة فبوصفه مؤرخاً غير أمين “بدأ يخرط ويكذبـ”. كذلك عنَّف الشيخ سنان الشاعر عبدالله البردوني عندما التقاه في مكتب الرئيس عام 1983. كلمات قاسية لا ريب، من الغريب أن يحرص الشيخ سنان على تضمينها مذكراته، فالشيخ الحكيم الماكر لا يعود كذلك إذ يتوسل هدم مصداقية البردوني لتشييد مصداقيته هو. ما كان أغناه، فالبردوني قرأ الصدام من خارج “عالم سنان” فيما الشيخ سنان يرويه بوصفه طرفاً فيه. وقارئ الجزء الثالث من المذكرات يأخذه العجب حيال انتقاد الشيخ الجارج لـ”البردوني”، فالوثائق التي نشرها تعزَّز من مصداقية الشاعر في كتابيه “اليمن الجمهوري” و”الثقافة والثورة في اليمن”، خصوصاً مايتعلق بقصة انقلاب 13 يونيو.
في 13 يونيو 1974 لاح ماجرى استمرارية لا انقطاع في الخط السياسي لدولة القاضي عبدالرحمن الإرياني، وظهر الحمدي امتداداً لتيار التصالحيين النوفمبريين (باستعارة توصيفات البردوني). كتب البردوني قصيدته الشهيرة “يوم 13 حزيران”، وفيها يزدري محاولة الضالعين في احداثه تصويرها بأنها حركة تغيير. كذلك نقرأ في مذكرات “سنان”. وغير بعيد من ذلك في كتاب محمد حسين الفرح (معالم عهود رؤساء الجمهورية اليمنية 62-1999، سبأ 2002). والأخير يشير إلى انهيار مؤسسات الدولة ما دفع ممثليها إلى تسليم الحكم طوعاً إلى الحمدي “وهو أمر غير معهود عبر التاريخ”.
من نقطة الالتقاء حول توصيف ما حدث بأنه استمرارية، بين الشيخ الذي أيد تسليم السلطة للحمدي، والبردوني الذي عبّر بضمير المثقف الحر والمستقل عن رفضه مسرحية “انقلاب جدتي عارفه”، تباينت وجهتا الشيخ والمثقف: فالحبيب القريب (باستعارة مفردات البردوني) الذي هو “الوالد الحنون” للحمدي ابتعد، والقصي البعيد اقترب. وقد سألت البردوني في مناسبتين عمّن كان يقف في المربع الخطأ غداة الحركة, هو أم الحمدي، أجاب على طريقته: ليس أحدنا! والمغزى أن البردوني قرأ الحدث في سياقه فهاجمه، والحمدي قام بحركته التصحيحية محكوماً بتوازنات شديدة التعقيد، واعياً بموازين القوة في الأقليم، فموه وناور حتى حين. وبعد اسابيع من الحركة بدأ المثقف يتلمس معدنها، وقد كتب البردوني بدءاً من الشهر الثالث للحركة مقالات تحرض الحمدي على الانفكاك، مادياً وسياسياً، من النوفمبريين الذين هم امتداد للأربعينيين (رجال حركة 48). وإذن، فالبردوني مضى في الاتجاه المعاكس لحركة الشيخ سنان، وكتب لاحقاً ما يفيد تأييده الاجراءات التي اتخذها الحمدي ضد مراكز القوى المشيخية والعسكرية، وفي “اليمن الجمهوري” أشار إلى الروح الوطنية العارمة في عهد الحمدي، التي رآها غير مسبوقة، إذ كانت الولاءات تتوزع بين القاهرة والرياض طيلة العقد السابق.
<<<
لا مكان للحركة الوطنية في “عالم سنان”. وفي الجزء الثالث يظهر الصراع عارياً بين المشيخ والعسكر. وقد اتضحت، في الحلقات السابقة، وجهة الشيخ سنان ومن شايعه، لتدارك اختلال الموازين لصالح الحمدي وأنصاره في الجيش والتعاونيات ولجان التصحيح و…”المؤتمر الشعبي”!
وجهة الشيخ سنان وشخوص عالمه الموحش معلومة. ولاتكاد تبين وجهة الطرف الآخر بركم الضباب الكثيف الذي يحجب رؤية العوالم الأخرى من داخل “عالم سنان”، وما كان للقارئ أن يدرك شيئاً يدعى حركة وطنية لولا رسالة حررها أثنان (الشيخان سنان ومجاهد) لكأنها عمل أدبي فريد في خدمة قارئ واحد هو الأمير سلطان بن عبدالعزيز(27/9/1977) وفيها يحذران من مخططات الحمدي السرية ومناوراته، مستدلين بما “تضمنه خطاب ابراهيم (الحمدي) ليلة 26 سبتمبر الذي ركز فيه, في جمل عديدة، على التعاون مع من يسميهم القوى الوطنية، ولا شك أنكم (الأمير سلطان) سمعتم ذلكـ”.
كانت هذه المرة الوحيدة التي يظهر فيها العم سنان محرضاً على القوى الوطنية، برسالة منه إلى الامير سلطان، وهذا تقشف يُحمد عليه إذا ما قيس بمشائخ آخرين.
<<<
مفهوم القوى الوطنية “صلصالي”، طوع يدي مُشِكله، تارة يضيق على أصحاب التيار الواحد، و تارة يتسع ليشمل عديد تيارات. وفي العام الثالث لعهد الحمدي كان المفهوم يشمل قوى اليسار والناصريين والبعث. وقد نسج الحمدي قبل وثوبه إلى الحكم (وأثناءه) صلات مرئية وخفية بجماعات يسارية وشخصيات ناصرية، في حين التصق اسم الشيخ سنان (فضلاً عن مجاهد أبو شوارب ويحيى المتوكل) بالبعث، بدواعي المصاهرة (محسن العيني) أو بارتباطات تعود إلى الستينيات، عقد القلاقل والتقلبات والمزايدات (والمناقصات) القومية التي طبعت الصراع الناصري والبعثي، ونقلت احتراب الأفكار القومية من المركز (القاهرة، دمشق، بغداد) إلى الأطراف.
<<<
من اللحظة الأولى اصطدم الحمدي بالبعث، وتشير تقارير صحفية إلى أن الحمدي الذي استبق انقلاباً سعودياً في اليمن، بادر أولاً إلى تحديد إقامة البعثيين داخل الحركة، تمهيداً لتحجيمهم. كان الشيخ سنان بالضرورة متضرراً من تكتيك الحمدي، وقد راقب أقاربه المحسوبين على البعث وحلفاءه، وفيهم ضباط سبتمبريون، يجندلون الواحد تلو الآخر. لكنه أدرك أن الحمدي لم يكن يخدم طرفاً ثالثاً في صراعه مع البعث، وهو توقع أن تشمل حرب الحمدي على مراكز القوى الشيخ عبدالله الأحمر، وقد كان.
الغريب أن الشيخ سنان لا يأتي على ذكر البعث مطلقاً، لكأنه ضاق من كثر إلصاق اسمه بالبعثيين. وهذه من أهم المثالب على الكتاب خصوصاً وأن الشيخ سنان أشار في الحوار الذي أجراه معه الزميل جمال عامر في صحيفة “الثوري” قبل ثلاثة أعوام إلى صلة ما ربطته بالبعث، وإنْ كان نفى أن يكون قبض أموالاً من العراق.
<<<
إلى الحركة التعاونية المزدهرة في عهده أنشأ الحمدي في اكتوبر 1975 لجان التصحيح المالي والاداري، باعتبارها “شكلاً من أشكال الرقابة الشعبية على أجهزة الدولة”، بحسب تصريحات حسين المقدمي، أبرز رموز التصحيح عهد ذاك. وفي الذكرى الثالثة لحركة التصحيح أُعلن عن ترتيبات تُعد لانتخابات لجان التصحيح. ويقتبس محمد حسين الفرح من وثيقة في ملف للشهيد عبدالسلام مقبل القيادي الناصري ووزير الشئون الاجتماعية الأسبق، ما مفاده “أهمية انتقال تجربة التصحيح إلى تطبيق الديمقراطية في انتخاب اللجان من القاعدة إلى القمة”.
لكن لجان التصحيح المالي والإداري تراءت للبردوني تنظيماً سياسياً أو جماعة مموَّهة تكاد أن تقتصر على الناصريين وعلى أفراد من حزب العمل وعلى اصدقاء الرئيس (الحمدي) الشخصيين، ما يعيدنا إلى أصحاب الشأن وهم الناصريون وحزب العمل (اليساري) الفصيلان اللذان التقطا مبكراً التوجهات الوطنية لحركة يونيو. وطبق ما قاله لي عبدالباري طاهر فإن حزب العمل قرأ توجهات الحمدي مبكراً ومن الأسابيع الأولى للحركة فقرَّر دعمها. وكذلك فعل الناصريون، ويشير عبدالله سلام الحكيمي في حديثه المطوَّل للزميل محمد الغباري (المنشور في صحيفة “البيان الاماراتية”) إلى أن أعضاء التنظيم الناصري تفاعلوا تلقائياً مع حركة يونيو، قبل أن تتطور العلاقة لاحقاً إلى تحالف عميق أعقب حوارات بين ابراهيم الحمدي وقيادة التنظيم ممثلة بسالم السقاف وعيسى محمد سيف وعبدالسلام مقبل وآخرين.
طبق روايتي الفرح والحكيمي فإن الحمدي أسهم في تشكيل لجنة عسكرية سرية تعمل للتنظيم داخل الجيش تضم نائبه احمد حسين الغشمي وعبدالله عبدالعالم وعلي قناف زهرة وعبدالله الحمدي. وهو نصح قيادة التنظيم بالتركيز على استقطاب ضباط من سنحان وهمدان. ومعلوم أنه اعتمد على ضباط من هاتين المنطقتين (ومناطق أخرى) لتثبيت حركة مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية.
والمحقق أن انضمام الحمدي إلى التنظيم الناصري (أو تطوير صيغة جديدة للتنظيم تتفق وتوجهات الحمدي ومتطلبات إدارته للدولة) تسرب إلى “عالم سنان” على الأرجح عبر الغشمي الذي تُظهر مذكرات الشيخ سنان أنه بدأ فعلياً التنسيق مع المعارضة في 5 يونيو 1977، بعد سنه تقريباً من لقائه سنان في القاهرة، حيث قدم نفسه بديلاً للحمدي.
الشيخ عبدالله الأحمر علَّق على حركة الحمدي في اتجاه “الحركة الوطنية” ( في تصريحات لفيصل جلول أوردها في كتابه “اليمن: الثورتان، الجمهوريتان، الوحدة” دار الجديد، بيروت، 2000)، بقوله: «خدعنا الحمدي كلنا لأنه أنقلب (علينا) بعد أن دعمناه للوصول إلى السلطة»، مفصلاً:” جاء الحمدي ليواجه النشاط الشيوعي في الجنوب والعالم ( ياللمهمة المتواضعة!)، وتلقى دعماً من السعودية لهذه الغاية، فإذا بنا نكتشف أنه أقام علاقات سرية مع الشيوعيين في الجنوب وتفاهم معهم»، قبل أن يستطرد:” كان (الحمدي) يتلقى دعماً من القذافي، ويُعَّزز مجموعة من الضباط الناصريين في الجيش، لذا عارضناه بشدة”.
تنسيق الغشمي مع المعارضة، فضلاً عن اختراقات أخرى، كشف المستور من علاقة الحمدي بالقوى الوطنية. وفي ذروة العمل من أجل تثبيت الحمدي توطئة لقتله (بدءاً من يونيو 1977) زار مجاهد أبو شوارب السعودية قبيل أيام من زيارة مقررة للحمدي، وهناك أجرى أربعة لقاءات مطولة مع الأمير سلطان ومساعديه، وهو عاد من الأرض الحرام إلى الأرض المحرمة راضياً ليكتب رسالة إلى الوالد سنان يرجح فيها أن السعودية تكشفت لها أشياء مخيفة (عن الحمدي).
<<<
كان وعد “دولة المواطنين” في عيون الناس العاديين يدنو وئيداً ولكن أكيداً، وكان الحمدي قد استطاع باقتدار أن يتقدم في مسارين متجاورين يبدوان متعاكسين في تصورات النخب السياسية الحداثية والتقليدية معاً، فهو تقدم بخطوات متسارعة في اتجاه الدولة المركزية وشرطها احتكار الدولة وسائل الاكراه المادي. وفي الوقت نفسه وسَّع من نطاق المشاركة الشعبية في إدارة المجتمع، بتعزيز التعاونيات أساساً. وكان أمامه تحديان:إنهاء المرحلة الانتقالية وإعادة الحياة الدستورية؛ وإيجاد أداة سياسية تكفل تنظيم المشاركة السياسية للمواطنين. حيال التحدي الأول تقرر بتفاهم مع الشيخ الأحمر تنظيم انتخابات نيابية، وتشكلت لجنة عليا للانتخابات لهذا الغرض. وحيال التحدي الثاني أُستجلبت فكرة مركزية في الناصرية قوامها تنظيم قوى الشعب في أداة سياسية واحدة، كمقابل للتعددية الحزبية التي كانت محرمة ما تزال منذ الوجود المصري في الستينات.
كُلفت لجنة موسعة بالتحضير لعقد المؤتمر الشعبي في 15 نوفمبر 1977. وطبق ما نشره محمد حسين الفرح استناداً إلى ملف وثائق خاص بالوزير عبدالسلام مقبل تحدد المشاركون في أعمال المؤتمر على النحو الآتي:
1 – أعضاء الهيئات الادارية (المنتخبة) للاتحاد التعاوني.
2 – اللجان الأساسية للتصحيح.
3 – هيئات النقابات المهنية والعمالية والغرف التجارية والأندية الرياضية.
4 – شخصيات من موظفي الدولة والقوات المسلحة والمشائخ والأعيان.
قُتل ابراهيم الحمدي، فتأخرت الانتخابات النيابية نحو عشر سنوات، وتأخر المؤتمر الشعبي خمس سنوات. ولا شك في أن المخرجات المأمولة من الانتخابات النيابية ووظيفة المؤتمر الشعبي عند الحمدي غيرهما عند غيره.
ويحسن الحذر عند الخوض في تصورات “التعاوني الأولـ” و”رائد التصحيح”، لدوره السياسي في ظل الحياة الدستورية، وبعد تنظيم انتخابات نيابية وتأسيس أداة سياسية، فالاستحقاقان عامل تشويش، أقله من حيث التوقيت، على مستلزمات علاقته الوثيقة بالرئيس (الشهيد) سالم ربيع علي في جنوب اليمن، في لحظة انزلاق علاقته بالسعودية إلى حافة الهاوية. استطراداً، تمكن الحمدي باقتدار من تحجيم مراكز القوى في الداخل، لكنه أخفق في مواجهة النفوذ السعودي، عبر الانفتاح جنوباً. ولم تسعفه البيئة الاقليمية في مضاربة الفاعل السعودي بفاعل اقليمي آخر، رغم اجتهاده في استمالة مصر التي كانت (ويالحظه العاثر) قد غيَّرت وجهتها غرباً، نحو القوة الأولى في النظام الدولي، ومايقتضيه ذلك من انكفاء داخل حدودها، واعطاء ظهرها للمشرق والجزيرة العربية.
لحظتذاك كان مقدراً للوحشة التي تلف “عالم سنان” أن تفيض إلى عوامل الآخرين. وحسبما تنطق وثائق الجزء الثالث من المذكرات، فقد انغمس الشيخ سنان في التآمر على “الولد ابراهيم” الذي اختار أن يحكم بطريقته لا بطريقة النوفمبريين. وتظهر يوميات الشيخ ازدحام جدوله بالمواعيد والاتصالات، وهو يتنقل في قاعدة الهرم، متلقياً التعليمات والتوصيات والتطمينات من قمته، ومن الأمير سلطان شخصياً. ولسوف يستعيد رجال كتلة خمر وحدتهم وحيويتهم، وحتى أساليبهم في الحركة ضد صنعاء، وفي المقدمة اعتماد التشفير في رسائلهم التي يقدمها الكتاب من دون فك طلاسمها أو الاشارة إلى مصممها، لكأن القارئ شريك أصيل في المؤامرة.
دون إيغال في تفاصيل الأسابيع الأخيرة لحركة يونيو أو استغوار الوثائق الناطقة رغم تشفيرها، يستفاد من المذكرات أن أوراق اللاعبين في الصراع ضد الحمدي آلت جميعها إلى يد اللاعب الاقليمي الذي تحكم من موقع الراعي بعملية تصميم وإدارة مخطط القضاء على عهد الحمدي، وتصفيته مادياً ومعنوياً. وقد ألزم الراعي الجالس في قمة الهرم أتباعه القابعين في القاع، التحرك طبق نظام متفق عليه، يشار إليه في “عالم سنان” بوصفه اتفاق أبرم مع مشائخ اليمن، تكتم صاحب المذكرات على تفاصيله، راكناً إلى صمت الشفرات!
ويتضح أن الملحق السعودي صالح الهديان ضبط ايقاعات حركة الناقمين على الحمدي بما يحقق الهدف المنشود في المخطط، أي إرباك الحمدي بالتمردات القبلية وحشود المقاتلين في مضارب القبائل، أو في تخوم ” دولة المواطنين” الموعودة. وبينما ربض هؤلاء في مواقعهم في انتظار شارة الانطلاق، تصاعد دخان من أحد البيوت جنوبي العاصمة، ينبئ باستلام عسكري جديد زمام الحكم في اليمن بعد مذبحة دموية راح ضحيتها الحمدي وخلصاؤه. وفي حين توقع المتحفزون في قاع المثلث شارة أخرى تؤذن بدخول مواكب النصر مدينة صنعاء، جاءتهم التعليمات من الملحق صريحة وصارمة بالتزام أمكنتهم، بذريعة أن دخول المشائخ المعارضين صنعاء من شأنه إفساد المؤامرة. ولئن توسل هؤلاء تلقي إشارة مودة من العاصمة، ابتدرهم الحاكم الجديد المستوحش، على ما يصفه الشيخ الأحمر، بمعاملة حذرة ونفور عظيم.
<<<
قضت المؤامرة على ابراهيم الحمدي، ذي الكاريزما الفريدة، والبطل الاشكالي الذي ما يزال يستحث السجالات حول سياساته وأساليبه في إدارة الصراعات أو حيال محاولته غير المتبوعة في زحزحة قيم راسخة في النظام الاجتماعي لدولة تأسست منذ قرون على الغلبة والامتيازات.
 هكذا هو التعاوني الأول ورائد التصحيح: بطيء مستعجل، وفي عاق، متواضع مغرور، رجل الدولة والعسكري صاحب العنتريات، مثالي متصلب ومكيافيلي متقلب.
رحل ابن الشعب الرئيس الشاب ذو ال36 ربيعاً وبقي أبو الشعب مقيماً في أفئدة الناس العاديين، الذين طردوا مجدداً إلى الهامش ليعيشون أحزانهم ويستجرون مشاعر الفقد والتيتم، مؤكدين حقيقة أن الشعب اليمني لما يبارح بعد مرحلة طفولته التي طالت , وما تعكسه من احتياج نفسي دائم إلى الأب الراعي والبطل المنقذ.
وهكذا ما يزال أنصار الحمدي يندبونه بدلاً من أن يقرأونه، يحنوِّن إليه بدلاً من أن يستزيدون من تجربته وهم يتطلعون إلى المستقبل، يتذوتون فيه حد الانسحاق عوض استنهاض ذواتهم. وفي النتيجة الصافية هم في حالة لجوء دائم إليه، تماماً كما أن خصومه في حالة هروب أبدى منه.
<<<
حركة 13 يونيو التي يصادف هذه الأيام ذكراها ال31، تلوح لي، ومن المرجح لعديدين سواي، لحظة فريدة في سجل اليمن المعاصر، تقدم فيها مطلبا الدولة المركزية والمشاركة الشعبية سوياً على ما بينهما من تناقض صوري، فكاد الهامش أن يطبق على المتن لأول مرة منذ قرون.
 من هنا، من شرفة التاريخ حيث نطل عليها، تتراءى لنا حركة يونيو فترة انقطاع لا استمرارية لما سبقها أو تلاها من عهود. هذا الانقطاع وهاتيك الفرادة نلتقطهما في المراجع والسير والمذكرات والدراسات، التي نشرت منذ نهاية السبعينيات، فالقاعدة المعتمدة لدى المتذكرين والباحثين والمؤرخين، هي السير على خط الاتجاه العام زهداً بقيمه الشاذة (!) ونتوءاته الشائكة، طلباً للسلامة أو هروباً من تداعي ذكريات الأيام الموحشة بذريعة أنه “قد كان ما كان من جريمة مخزية”، كما يرد في أغلب مذكرات رجال ما قبل يونيو ومابعدها. ولعلي أزيد بأن القفز على منطقة الانقطاع (74-77) في خط التاريخ مردها تفادي السقوط في هاوية موحشة لنفوس أوغلت في دم ابراهيم الحمدي، كانت، وماتزال، في حالة هروب كبير من أطيافه، تكثيفها مثل دارج هو ” من أساء أستوحش”، كذلك وصف الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر حال أحمد حسين الغشمي بعيد استشهاد الحمدي، في رسالة إلى العم سنان.
أما الشيخ مجاهد أبو شوارب الذي استشرس في عداوة ابراهيم الحمدي فإنه بعد تحقق الوعد الكبير(الإطاحة بالحمدي) ما لبث أن فقد شهية الحكم، فاذا هو يهيم بلا هدف وراء خط الوعد المتحقق. و قد لخص حاله بعد القضاء على الحمدي، في رسالة إلى الشيخ سنان قائلاً:” أصبحت معقداً (ومقرراً) التخلي النهائي عن أي نشاط سياسي (…) لم (يبق) لي أي اهتمام بأي أمر غير قضية السجناء”.
الشيخ سنان أخفى في مذكراته مشاعره لحظة قتل الحمدي وبعدها، ف”الوالد الحنون” كما كان يصفه الحمدي، مستوحش على طريقته، إذْ ينسب إليه بعض أصدقائه قوله:” أدَّبنا الحمدي للذي بعدنا”، وقوله إن استمرار حكم الحمدي عدة شهور “كان سيفضحنا وسط قبائلنا”، في إشارة إلى مخطط الحمدي تقويض أعمدة سلطة المشيخ في مناطق القبائل، باسناد مشائخ صغار أو منافسين، وبرعاية الحركة التعاونية وشمولها إلى عمق بكيل وحاشد، بعدما كانت قد ازدهرت في مناطق سنحان وهمدان وحجة.
<<<
كيفما كانت احاسيس “المستوحش” فإنه واحد من قلة توغلوا في منعرجات الخطر في مذكراته. وهو، منظوراً إليه من هذه الزاوية، لا يثير تعاطف القارىء فحسب، بل يكسب احترامه، وفي محطات من الجزء الثالث من مذكراته ألفيت نفسي داهشة لجسارته في البوح بأسرار واعترافات يصعب تصور صدورها من أي من مجايليه أو مشايعيه.
على أن مشاعر التعاطف والاحترام والاندهاش ليست الأدوات الملائمة للتعليق على مذكرات العم سنان، الذي لن يُضار، وقد اجتاز خطوطاً حمراء وارتاد حقول ألغام، من رأي في الحقائق والوثائق التي عاشها، حتى وإن بدا صاحبه حاد النبرة حائداً عن الانصاف.
 
< انتهى..
 
 
> العدد (15)، 22 يونيو 2005م